دارة السادة الأشراف

مرحبا بك عزيزي الزائر
ندعوك أن تدخل المنتدى معنا
وإن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإنشائه
ونتشرف بدعوتك لزيارة الموقع الرسمي لدارة السادة الأشراف على الرابط :
www.dartalashraf.com

أنساب , مشجرات , مخطوطات , وثائق , صور , تاريخ , تراجم , تعارف , دراسات وأبحاث , مواضيع متنوعة

Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us

    أسباب الذل ( 1 )

    شاطر

    محمود محمدى العجوانى
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 367
    البلد : مصر
    العمل : صاحب شركة سياحة
    الهوايات : الدعوة إلى الله
    تقييم القراء : 3
    النشاط : 4049
    تاريخ التسجيل : 10/04/2010

    خاطرة أسباب الذل ( 1 )

    مُساهمة من طرف محمود محمدى العجوانى في الخميس 9 يونيو - 23:57

    أسباب الذل (1)
    حُبُّ الدُّنْيَا
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[ آل عمران : 102] . { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء : 1] . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 70-71 ] .أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
    إخوة الإسلام
    علينا أن نتفكر فيما نحن فيه من الذل والهوان فإن الله عزوجل ما أعطانا نعمة العقل إلا لنتفكر بها وإن لم نستخدم هذه النعمة فى هذا المقصود صرنا كالأنعام التى لا عقل لها . فلا نريد أن نكون كالذى جاءه حجر فى صدره فنظر خلفه . فالذى جاءه الحجر من الأمام ثم نظر خلفه لابد أن نتهمه بعدم العقل . إذا فكل الأحوال من الله ولا يحدث أى شئ فى الكون إلا بأمر الله وما قضى أمر فى الأرض إلا وقد قضى فى السماء
    إذا فما هى الأسباب التى أوصلتنا إلى هذه الحالة من الذل والهوان ؟
    فيجب علينا أولا تشخيص الداء لأنه إذا تم تشخيص الداء سهل تشخيص الدواء وإذا كان التشخيص للداء صحيحا كان تشخيص الدواء صحيحا .
    ** فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ .
    فقد حدد لنا النبى صلى الله عليه وسلم سببين أساسيين لما نحن فيه
    السبب الأول لما نحن فيه كما حدده النبى صلى الله عليه وسلم هو حب الدنيا
    وقد حذرنا الله عزوجل من الدنيا فى أكثر من آية من آيات القرآن الكريم فقال عزوجل :
    قَالَ الله تَعَالَى : { إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ
    كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 24 ]
    ضرب الله تعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء، مما يأكل الناس من زرع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أب وقَضْب وغير ذلك، { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا } أي: زينتها الفانية، { وَازَّيَّنَتْ } أي: حَسُنت بما خرج من رُباها من زهور نَضِرة مختلفة الأشكال والألوان، { وَظَنَّ أَهْلُهَا } الذين زرعوها وغرسوها { أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } أي: على جَذاذها وحصادها فبيناهم كذلك إذ جاءتها صاعقة، أو ريح بادرة، فأيبست أوراقها، وأتلفت ثمارها؛ ولهذا قال تعالى: { أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } أي: يبسا بعد الخضرة والنضارة، { كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ } أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.
    وقال قتادة: { كَأَنْ لَمْ تَغْنَ } كأن لم تنعم.
    وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن؛ ولهذا جاء في الحديث : (( يُؤْتَى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً((2)) ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأيْتَ خَيْراً قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ ، وَيُؤْتَى بِأشَدِّ النَّاسِ بُؤسَاً في الدُّنْيَا مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأيْتَ بُؤساً قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فيَقُولُ : لاَ وَاللهِ ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلاَ رَأيْتُ شِدَّةً قَطُّ ))
    ثم قال تعالى: { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبين الحُجج والأدلة، { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعًا مع اغترارهم بها، وتمكنهم بمواعيدها وتَفَلّتها منهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها،
    وقال ابن جرير: حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان يعني: ابن الحكم يقرأ على المنبر: "وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها" قال: قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس . فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبيّ بن كعب.وهذه قراءة غريبة، وكأنها زيادة للتفسير.
    وكذلك ما حدث لأصحاب الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ........
    وقال تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }[ الكهف : 45-46 ]
    يقول الله تعالى: { وَاضْرِبْ } يا نبينا للناس { مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } في زوالها وفنائها وانقضائها { كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ } أي: ما فيها من الحَبّ، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله { فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } يابسا { تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } أي: هو قادر على هذه الحال، وهذه الحال .
    ثم أكمل ربنا بيانه عن الدنيا حتى لا ننخدع ولا نغتر بها فقال : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وهذه الزينة لا تلبث أن تزول كأن إنسانا عنده عرس فيصنع بعض الزينة بالليل فإذا جاء الصباح زالت .
    ولما بين ربنا مثل الحياة الدنيا بين لنا ماينبغى علينا عمله فيها حتى لا ننشغل بزينتها فقال: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" الصلوات الخمس.
    وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر .
    قال القرطبى فى قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا، أي شبهها. {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ} أي بالماء. {نَبَاتُ الْأَرْضِ} حتى استوى. وقيل: إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر .
    وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه". {فَأَصْبَحَ} أي النبات {هَشِيماً} أي متكسرا من اليبس متفتتا، يعني بانقطاع الماء عنه {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أي تفرقه؛ قاله أبو عبيدة. ابن قتيبة: تنسفه . ابن كيسان : تذهب به وتجيء . ابن عباس: تديره؛ والمعنى متقارب.
    قوله تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه.
    قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تتبعوها نفوسكم. فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح؛ إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعدد الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغدا لغيرك. ويكفي قي هذا قول الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]. وقال تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] .
    وقال تَعَالَى : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله ورِضْوَانٌ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ } [ الحديد : 20 ]
    قلت محمود : فأول ما ينبغى أن يتعلمه المؤمن حقيقة الدنيا حتى يسهل عليه الزهد فيها والتفرغ للآخرة . وهذا العلم من الأهمية بمكان لمن أراد الآخرة .
    قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} بين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى . و {وَمَا} صلة تقديره: اعلموا أن الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي . وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. وقيل: إنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد : كل لعب لهو.
    وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة، أي شغل عنها. {وَزِينَةٌ} الزينة ما يتزين به، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله. {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. {وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ} لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة.
    قال بعض المتأخرين : {لَعِبٌ} كلعب الصبيان {وَلَهْوٌ} كلهو الفتيان والشبان {وَزِينَةٌ} كزينة النسوان {وَتَفَاخُرٌ} كتفاخر الأقران {وَتَكَاثُرٌ} كتكاثر الدهقان .
    وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء .
    قلت محمود : فلا يلعب إلا صبى ولا يلهو إلا شقى ولا يتزين بالدنيا إلا مريض نفسى ولا يتفاخر بها إلا جاهلي ولا يتكاثر بها إلا غبى .
    وعن علي رضي الله عنه قال لعمار: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها.
    ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال : {كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي مطر {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} الكفار هنا: الزراع لأنهم
    يغطون البذر. والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقيل: الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين . وهذا قول حسن، فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. {ثُمَّ يَهِيجُ} أي يجف بعد خضرته {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي متغيرا عما كان عليه من النضرة. {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي للكافرين. والوقف عليه حسن، ويبتدئ {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي للمؤمنين. وقال الفراء: {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ} تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على {شَدِيدٌ}. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} هذا تأكيد ما سبق، أي تغر الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، وترغيبا في العمل للآخرة.
    يقول ابن كثير فى قوله تعالى : { أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } أي : يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث؛ وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها { ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعد ما كان خضرًا نضرا، ثم يكون بعد ذلك كله حطامًا، أي: يصير يَبَسًا متحطمًا، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإنسان كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضا طريًّا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه وَيَنْفَد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا، ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ } [الروم: 54]. ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حَذّر من أمرها ورغّب فيما فيها من الخير، فقال: { وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا : إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان.
    وقوله: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } أي: هي متاع فانٍ غارٍّ لمن ركن إليه فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة.
    وإذا كان الأمر كذلك؛ فلهذا حث الله العقلاء على المبادرة إلى الخيرات، من فعل الطاعات، وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، فقال تعالى: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } والمراد جنس السماء والأرض، كما قال في الآية الأخرى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران: 133] . وقال هاهنا: { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم .
    وقال تَعَالَى :{ زُيِّنَ لِلْنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَياةِ الْدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ } [ آل عمران : 14 ]
    وقال تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الْدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ } [ فاطر : 5 ] ،
    وقال تَعَالَى :{ ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } [ التكاثر : 1-5 ]
    وقال تَعَالَى : { وَمَا هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 64 ]
    وقد حذرنا كذلك النبى صلى الله عليه وسلم من حب الدنيا فى أكثر من وصية من وصاياه
    ** فعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح رضي الله عنه إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا ، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، انْصَرفَ ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حِيْنَ رَآهُمْ ، ثُمَّ قَالَ: (( أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ؟ )) فقالوا : أجل ، يَا رسول الله، فقال : (( أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَط الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ
    قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ ))
    ** وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قَالَ : جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، فقال : (( إنَّ ممَّا أخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ))
    ** وعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: (( إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإنَّ الله تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ))
    ** وعن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: (( اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشَ الآخِرَةِ ))
    ومن كان هذا حاله لايرجو إلا عيش الآخرة فسيسعى إلى الفوز بها بتحصيل أسبابها .
    ** وعن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ : أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ : فَيَرْجِعُ اثْنَانِ ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ : يَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيبْقَى عَمَلُهُ ))
    قلت محمود : ترى من أى شئ أكثرنا ؟ فهل أكثرنا من الذى يرجع أم من الذى يبقى معنا ؟
    ** وعن أبى هريرة رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ ))
    والذى يعيش فى السجن يتمنى أن يأتى اليوم الذى يطلق فيه سراحه . والذى فى الجنة لايريد أن يخرج منها . فهكذا يكون حال المؤمن والكافر فى هذه الدنيا فالمؤمن ينتظر اليوم الذى يموت فيه لأنه بالموت يطلق سراحه إلى جنة عرضها السموات والأرض والكافر يخشى الموت لأنه فى هذه الدنيا يعيش على هواه لا يعرف لله أمرا ولا نهيا فهذه الدنيا جنته فإذا جاءه الموت كان كالمجرم الذى فر بعد ارتكاب جريمته ثم أمسك به الشرطى فيكون مهموما حزينا لأنه سيدخل السجن . فالكافر إذا قبض ملك الموت روحه كان حزينا كالمجرم الذى أمسك به الشرطى لأنه سيسجن فى النار أبد الآباد . وما له لا يحزن وهو ينتقل من النعيم إلى الجحيم ومن السرور إلى الكدور ومن الأفراح إلى الأتراح . [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)]
    ** وعن كعب بن مالك رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينهِ ))
    قلت محمود : فحب الدنيا مفسد للدين كما يفسد الذئب الجائع الغنم . إذا كان الذئب شبعانا كان مفسدا للغنم . فما بالكم إذا كان جائعا .
    ** عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا .
    ** وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ ، فقال : (( كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ )) .
    وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما ، يقول : إِذَا أمْسَيتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ .
    قالوا في شَرْحِ هَذَا الحديث معناه : لاَ تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلاَ تَتَّخِذْهَا وَطَناً ، وَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ البَقَاءِ فِيهَا ، وَلاَ بِالاعْتِنَاءِ بِهَا ، وَلاَ تَتَعَلَّقْ مِنْهَا إِلاَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَريبُ في غَيْرِ وَطَنِهِ ، وَلاَ تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لاَ يَشْتَغِلُ بِهِ الغَرِيبُ الَّذِي يُريدُ الذَّهَابَ إِلَى
    أهْلِهِ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .
    فكيف يكون حال الغريب ؟
    فالغريب دائما حزينا فرحه يوم يعود إلى وطنه ووطننا الأصلى هو الجنة
    وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا ، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً ، فيطمئنّ فيها ، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر : يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل .
    وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم ، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال : { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } . غافر : 39 .
    وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول (( مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها))
    ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنَّه قال لهم : اعبُروها ولا تَعمُرُوها ، ورُوي عنه أنَّه قال : من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً ، تلكُمُ الدُّنيا ، فلا تتَّخذوها قراراً .
    ودخل رجلٌ على أبي ذرٍّ ، فجعل يُقلِّب بصره في بيته ، فقال : يا أبا ذرٍّ ، أين متاعُكم ؟ قالَ : إنَّ لنا بيتاً نوجه إليه ، قالَ : إنَّه لابدَّ لك من مَتاع مادمت هاهنا ، قالَ : إنَّ صاحب المنْزل لا يدعُنا فيه .
    قلت محمود : إذا فما الفائدة من تعمير بيت يسلب منك بما فيه ولا تقيم فيه .
    ودخلوا على بعض الصالحين ، فقلبوا بصرهم في بيته ، فقالوا له : إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ ، فقال : أمرتحلٌ ؟ لا ، ولكن أُطْرَدُ طرداً .
    وكان عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه يقول : إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً ، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً ، ولكُلٍّ منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب ، وغداً حسابٌ ولا عمل .
    قال بعضُ الحكماء : عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه ، والآخرة مقبلةٌ إليه يشتغلُ بالمدبرة ، ويُعرِض عن المقبلة .
    وقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته : إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم ، كتب الله عليها الفناء ، وكتب على أهلها منها الظَّعَن ، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ ، فأحسنوا رحمكم الله منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِن النقلة ، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى .
    وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ، ولا وطناً ، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين : إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه ، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة ، بل هو ليله ونهارَه ، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة ، فلهذا وصّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين .
    فأحدهما : أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ ، لكن في بلد غُربةٍ ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة ، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه ، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ جهازه إلى الرجوع إلى وطنه .
    قال الفضيلُ بن عياض : المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين ، همُّه مَرَمَّةُ جهازه .
    ومن كان في الدنيا كذلك ، فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه ، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم ، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم .
    قال الحسن : المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها ، ولا يُنافِسُ في عِزِّها ، له شأنٌ ، وللناس شأن .
    لما خُلِق آدم أُسكِنَ هو وزوجتُه الجنّة ، ثم أُهبطا منها ، ووعُدا الرجوع إليها ، وصالح ذرِّيَّتهما ، فالمؤمن أبداً يَحِنُّ إلى وطنه الأوَّل ، وكما قيل :
    كمْ مَنْزِلٍ للمَرءِ يَألفُهُ الفتى وحنينُه أبداً لأوَّل مَنْزِل
    ويقول ابن القيم
    فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيَّم
    ولكنَّنا سَبيُ العدوِّ فَهلْ تَرَى نَعودُ إلى أوطاننا ونُسلِّمُ
    وقَدْ زَعَموا أنَّ الغَريبَ إذا نَأى وشَطَّتْ به أوطانُه فهو مُغرَمُ
    وأيُّ اغْترابٍ فوق غُربتنا التي لها أضحَت الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
    كان عطاء السَّلِيمي يقول في دعائه : اللهمَّ ارحم في الدُّنيا غُربتي ، وارحم في القبر وحشتي ، وارحم موقفي غداً بين يديك .
    قالَ الحسنُ : بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : (( إنَّما مثلي ومثلُكم ومَثلُ الدُّنيا ، كقوم سلكوا مفازةً غبراءَ ، حتّى إذا لم يَدْرُوا ما سلكوا منها أكثر ، أو ما بقي ، أنفدوا الزَّادَ ، وحَسَروا الظَّهر ، وبقُوا بين ظهراني المفازة لا زادَ ولا حَمُولة ، فأيقنوا بالهَلَكة ، فبينما هم كذلك ، إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلَّةٍ يقطُرُ رأسُه ، فقالوا : إن هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ ، وما جاءكم هذا إلاّ من قريبٍ ، فلما انتهى إليهم ، قال : علام أنتم ؟ قالوا : على ما ترى ، قالَ : أرأيتُكم إنْ هديتُكم إلى ماءٍ رواء ، ورياضٍ خُضر ، ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئاً ، قال : عُهودَكم ومواثيقكم بالله ، قال : فأَعْطَوهُ عهودَهُم ومواثيقهُم بالله لا يَعصُونَه شيئاً ، قال : فأوردهم ماءً ، ورياضاً خُضراً ، فمكث فيهم ما شاء الله ، ثم قال : يا هؤلاء الرحيلَ ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماءٍ ليس كمائكم ، وإلى رياضٍ ليست كرياضِكُم ، فقال جُلُّ القوم - وهم أكثرهم - : والله ما وجدنا هذا حتّى ظننّا أنْ لن نَجِدَهُ ، وما نصنع بعيشٍ خيرٍ من هذا ؟ وقالت طائفة - وهم أقلهم - : ألم تُعطوا هذا الرَّجُلَ عهودكم ومواثيقكم بالله لا تَعصونه شيئاً وقد صدقكم في أوّل حديثه ، فوالله ليصدقنَّكم في آخره ، قال : فراح فيمن اتبعه ، وتخلَّف بقيتهم ، فنزل بهم عدوٌّ ، فأصبحوا من بين أسيرٍ وقتيل ))
    فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أمته ، فإنّه أتاهم والعرب حينئذٍ أذلُّ الناس ، وأقلُّهم ، وأسوؤهم عيشاً في الدنيا وحالاً في الآخرة ، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة ، وظهر لهم من براهين صدقِه ، كما ظهر من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة ، وقد نَفِدَ ماؤهم ، وهَلَك ظهرهم برؤيته في حُلة مترجلاً يقطر رأسه ماءً ، ودلهم على الماء والرياضِ المُعشِبة ، فاستدلُّوا بهيئته وحاله على صدق مقاله ، فاتبعوه ، ووعدَ من اتَّبعه بفتح بلاد فارس والروم ، وأخذِ كنوزهما ، وحذَّرهم من الاغترار بذلك ، والوقوف معه ، وأمرهم بالتجزي من الدُّنيا بالبلاغ ، وبالجدِّ والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها ، فوجدُوا ما وعدهم به كلَّه حقاً ، فلما فُتِحتْ عليهم الدُّنيا كما وعدهم اشتغل أكثرُ الناسِ بجمعها واكتنازها ، والمنافسة فيها ، ورَضُوا بالإقامة فيها ، والتمتُّع بشهواتها ، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجدِّ والاجتهاد في طلبها ، وقبلَ قليلٌ من الناس وصيَّته في الجدِّ في طلب الآخرةِ والاستعداد لها . فهذه الطائفةُ القليلة نجت ، ولحقت نبيَّها في الآخرة حيث سلكت طريقه في الدُّنيا ، وقبلت وصيتهُ ، وامتثلت ما أمر به . وأما أكثر الناس ، فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها ، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتّى فاجأهم الموتُ بغتةً على هذه الغِرة ، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير .
    وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ الرازي : الدنيا خمرُ الشيطان ، من سَكِرَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين .
    قلت محمود : إن الذى يسكر بالخمر يفيق بعد يوم أو يومين ولكن الذى يسكر بحب الدنيا لا يفيق إلا على سؤال الملكين .
    وأعظم سحرا فى الدنيا كان سحر هاروت وماروت وما كان من سحرهم إلا أنهم يفرقون بين المرء وزوجه . أما سحر الدنيا فإنه يفرق بين العبد وربه .
    الحال الثاني : أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة ، وإنَّما هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره ، وهو الموت . ومن كانت هذه حالَه في الدنيا ، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر ، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا ، ولهذا أوصى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب .
    قيل لمحمد بن واسع : كيف أصبحتَ ؟ قال : ما ظَنُّك برجل يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرة ؟
    وقال الحسن : إنَّما أنت أيامٌ مجموعة ، كلّما مضى يومٌ مضى بعضُك . وقال : ابنَ آدم إنَّما أنت بين مطيتين يُوضعانِكَ ، يُوضِعُك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار ، حتى يُسلِمَانِك إلى الآخرة ، فمن أعظم منك يا ابنَ آدم خطراً ، وقال : الموتُ معقود في نواصيكم والدنيا تُطوى مِن ورائكم .
    قال داود الطائي : إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم ، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها ، فافعل ، فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجلُ من ذلك ، فتزوَّد لسفرك ، واقض ما أنتَ قاضٍ من أمرك ، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك .
    وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له : يا أخي يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم ، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ ، تُساق مع ذلك سوقاً حثيثاً ، الموت موجَّهٌ إليك ، والدنيا تُطوى من ورائك ، وما مضى من عمرك ، فليس بكارٍّ عليك حتى يَكُرَّ عليك يوم التغابن .
    سبيلُكَ في الدُّنيا سبِيلُ مُسافرٍ ولابُدَّ من زادٍ لكلِّ مسافِر
    ولابدَّ للإنسان من حملِ عُدَّةٍ ولاسيما إنْ خافَ صولَة قاهِر
    قال بعضُ الحكماء : كيف يفرحُ بالدنيا من يومُه يَهدِمُ شهرَه ، وشهرُه يهدِمُ سنَتَه ، وسنته تَهدِمُ عُمُرَه ، وكيف يفرح من يقوده عمرُه إلى أجله ، وتقودُه حياتُه إلى موته .
    وقال الفضيلُ بنُ عياض لرجلٍ : كم أتت عليك ؟ قال : ستون سنة ، قال فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك يُوشِكُ أنْ تَبلُغَ ، فقال الرجل : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فقال الفضيلُ : أتعرف تفسيرَه تقول : أنا لله عبد وإليه راجع ، فمن عَلِمَ أنَّه لله عبد ، وأنَّه إليه راجع ، فليعلم أنَّه موقوفٌ ، ومن علم أنَّه موقوف ، فليعلم أنَّه مسؤول ، ومن عَلِمَ أنَّه مسؤولٌ ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً ، فقال الرجل : فما الحيلةُ ؟ قال : يسيرة ، قال : ما هي ؟ قال : تُحسِنُ فيما بقي يُغفَرُ لك ما مضى فإنّك إنْ أسأتَ فيما بقي ، أُخِذْتَ بما مضى وبما بقي .
    قال بعضُ الحكماء : من كانت الليالي والأيام مطاياه ، سارت به وإنْ لم يسر .
    وفي هذا قال بعضهم :
    وما هذه الأيامُ إلاَّ مراحِلُ يحثُّ بها داعٍ إلى الموتِ قاصدُ
    وأعجَبُ شَيءٍ لو تأمَّلت أنَّها مَنازِلُ تُطوى والمُسافِرُ قَاعِدُ
    وقال الحسن : لم يزل الليلُ والنهار سريعين في نقص الأعمار ، وتقريبِ الآجال ، هيهات قد صحبا نوحاً وعاداً وثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً ، فأصبحوا قَدِموا على ربِّهم ، ووردوا على أعمالهم ، وأصبح اللَّيلُ والنَّهارُ غضَّيْنِ جديدين ، لم يُبلِهُما ما مرَّا
    به ، مستعدِّين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى .
    وكتب الأوزاعيُّ إلى أخٍ له : أما بعد ، فقد أُحيطَ بك من كلّ جانب ، واعلم أنَّه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ ، فاحذرِ الله ، والمقام بين يديه ، وأنْ يكونَ آخر عهدك به ، والسَّلام .
    نَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ
    ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنَّه إذا ما تخطَّتْهٌ الأمانيُّ باطِلُ
    وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ
    ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ
    وأما وصيةُ ابن عمر رضي الله عنهما ، فهي مأخوذةٌ مِنْ هذا الحديث الذي رواه ، وهي متضمنة لنهاية قِصَرِ الأمل ، وأنَّ الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصّباحَ ، وإذا أصبح ، لم ينتظر المساء ، بل يظنُّ أنَّ أجلَهُ يُدركُه قبل ذلك ، وبهذا فسّر غيرُ واحدٍ مِنَ العُلماء الزُّهدَ في الدنيا ، قال المروذي : قلتُ لأبي عبد الله يعني : أحمد أيُّ شيءٍ الزُّهد في الدنيا ؟ قال : قِصَرُ الأمل ، من إذا أصبحَ ، قال : لا أُمسي ، قال : وهكذا قال سفيان . قيل لأبي عبد الله : بأيِّ شيء نستعين على قِصَرِ الأمل ؟ قال : ما ندري إنَّما هو توفيق .
    قال الحسن : اجتمع ثلاثةٌ من العلماء ، فقالوا لأحدهم : ما أَمَلُكَ ؟ قال : ما أتى عليَّ شهرٌ إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيه ، قال : فقال صاحباه : إنَّ هذا لأمل ، فقالا لأحدهم : فما أَمَلُكَ ؟ قال : ما أتت عليَّ جمعة إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيها ، قال : فقال صاحباه : إنَّ هذا لأمل ، فقالا للآخر : فما أملُك ؟ قال : ما أَمَلُ من نفسُه في يد غيره ؟
    قال داود الطائي : سألتُ عطوان بنَ عمر التميمي ، قلتُ : ما قِصَرُ الأمل ؟ قال : ما بين تردُّدِ النَّفَسِ ، فحدِّث بذلك الفضيل بن عياض ، فبكى ، وقال : يقول : يتنفس فيخاف أنْ يموتَ قبل أنْ ينقطعِ نفسُه ، لقد كان عطوان مِنَ الموت على حذرٍ .
    وقال بعضُ السَّلف : ما نمتُ نوماً قط ، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه .
    وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه ، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى ، فسُئِلَت امرأته عن بكائه ، فقالت : يخاف والله إذا أمسى أنْ لا يُصبح ، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي .
    وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله : أستودعكم الله ، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم .
    وقال بكر المزني : إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ ، فليفعل ، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا ، ويُصبح في أهلِ الآخرة .
    وكان أويسٌ إذا قيل له : كيف الزمانُ عليك ؟ قال : كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار ؟
    وقال عونُ بنُ عبد الله : ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله . كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه ، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه ، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه ، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه ، وكان يقولُ : إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه لا يدرك آخره .
    وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت : يا نفسُ ، الليلةُ ليلتُك ، لا ليلةَ لكِ غيرها ، فاجتهدت ، فإذا أصبحت ، قالت : يا نفس اليومُ يومك ، لا يومَ لك يره فاجتهدت .
    وقال بكرٌ المزنيُّ : إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل : لعلِّي لا أُصلِّي غيرها ، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : (( صلِّ صلاة مودِّع ))
    وأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ ، ثم قال لرجل : تقدَّم فصلِّ بنا ، فقال الرجل : إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة ، لم أُصلِّ بكم غيرَها ، فقال معروف : وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى ؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل ، فإنَّه يمنع خيرَ العمل .
    وطرق بعضُهم بابَ أخٍ له ، فسأل عنه ، فقيل له : ليس هو في البيت ، فقال : متى يرجع ؟ فقالت له جارية من البيت : من كانت نفسُه في يد غيره ، من يعلم متى يرجِعُ .
    قوله : (( وخُذْ من صحتك لسقمك ، ومن حياتك لموتك )) ، يعني : اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أنْ يحولَ بينك وبينها السقمُ ، وفي الحياة قبل أنْ يحول بينك وبينها الموتُ ، وفي رواية : (( فإنَّك يا عبدَ الله لا تدري ما اسمُك غداً )) يعني : لعلّك غداً مِنَ الأموات دونَ الأحياء .
    وقد رُوي معنى هذه الوصيةِ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ، ففي "صحيح البخاري" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ .
    فإذا كان الأمرُ على هذا فيتعيَّنُ على المؤمن اغتنامُ ما بقي من عمره ، ولهذا قيل : إنَّ بقية عمر المؤمن لا قيمة له . وقال سعيدُ بن جُبير : كلّ يوم يعيشه المؤمن غنيمة ، وقال بكر المزني : ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول : يا ابنَ آدم ، اغتنمني لعلَّه لا يومَ لك بعدي ، ولا ليلة إلا تنادي : ابنَ آدم ، اغتنمني لعلَّه لا ليلة لك بعدي .
    وقال بعض العلماء : كلما قل العقل كثرت الأماني ، وكتب بعض السلف إلى بعض إخوانه من أبناء الد نيا يعظه : أخبرني عن هذا الذي تكدح فيه وتحرص عليه من أمر الدنيا هل بلغت فيه ما تريد وأدركت ما تتمنى ؟ فقال : لا واللَّه ، فقال : أرأيتك هذا الذي أنت حريص عليه لم تنل منه ما تريد فكيف تنال من الآخرة وقد أعرضت عنها وصرفت عنها فما أراك تضرب إلا في حديد بارد ، وقال بعض العلماء : من ظن أنه يدخل الجنة بغير عمل فهو متمن ومن قال أدخلها بعمل فهو متعن ، وقال بعضهم : الأماني تنقص العقل .
    وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ : نَامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصيرٍ ، فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً . فَقَالَ : (( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ))
    النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
    فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
    أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
    وكم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خراباً وأفنى الموت أهليها
    أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
    إن المكارم أخلاق مطهرة الدين أولها والعقل ثانيها
    والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والعرف سادسها
    لا تركنن إلى الدنيا وزينتها فالموت لاشك يفنينا ويفنيها
    وأعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
    قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
    أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها
    والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها
    من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها
    لهذا فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم قَلَّمَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا .
    هذا ما تيسر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    والحمد لله رب العالمين
    أخوكم ومحبكم فى الله
    طالب العفو الرباني
    محمود بن محمدي العجوانى

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 23 أغسطس - 9:21