دارة السادة الأشراف

مرحبا بك عزيزي الزائر
ندعوك أن تدخل المنتدى معنا
وإن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإنشائه
ونتشرف بدعوتك لزيارة الموقع الرسمي لدارة السادة الأشراف على الرابط :
www.dartalashraf.com

أنساب , مشجرات , مخطوطات , وثائق , صور , تاريخ , تراجم , تعارف , دراسات وأبحاث , مواضيع متنوعة

Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us

    الأدارسة في صقليه

    شاطر

    الشريف مجدي الصفتي

    المدير العام


    المدير العام

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 2853
    البلد : مصر - الأسكندرية
    الهوايات : القراءة والبحث
    تقييم القراء : 42
    النشاط : 7764
    تاريخ التسجيل : 11/07/2008

    الأدارسة في صقليه

    مُساهمة من طرف الشريف مجدي الصفتي في الجمعة 21 يناير - 18:41

    الأدارسة في صقليه

    المصدر : حسين مؤنس - موقع آل البيت.

    مازالت الدولة الإدريسية تنتظر من يكتب تاريخها ويحد دورها في بناء المغرب العربي ، ولا زال أصحاب كتب التاريخ الإسلامي العام ينظمونها في سلك الدويلات التي تقاسمت نواحي المغرب الإسلامي ابتداءً من منتصف القرن الهجري الثاني جاعلين إياها صنواً لدولة بني الأغلب أو دولة بني رستم التاهرتيين أو حتى دولة بني مدرار أصحاب سجلماسة ، ويفوتهم في أثناء هذا العرض السريع المتواضع أن يتبينوا مكانها كحجر الزاوية في بناء إسلام المغرب الأقصى وغربي المغرب الأوسط والقضاء على نزعات الخارجية التي اجتاحت هذه النواحي من أواخر القرن الهجري الأولي ، وما بذله أمراؤها من جهد في إرساء أسس الإسلام الصحيح ، وتثبيت دعائم العروبة ولغتها وثقافتها في بلد أصبح بفضل الأدارسة الدرع الواقي للجناح الغربي من مملكة الإسلام.
    و الحقيقة أن كتابة هذا التاريخ والقيام بحقه عسيرة كل العسر ، فإن المعلومات عن دولة الأدارسة قليلة لا تزيد على صفحات عند أبي عبيد البكري وابن الأثير وابن خلدون وابن عذارى وصاحب روض القرطاس والغويري وابن الأبار وابن حمادة ، وهذا النذر اليسير من المعلومات بعد ذلك متناقض متعارض سطحي يصعب معه الوصول إلى الحقائق والأصول التي يطلبها من يقوم على كتابة التاريخ بحقه ولا يكتفي بظواهر الأحداث وبسائط الوقائع .
    و قد ألم ا.ف. جوتييه بتاريخ الأدارسة في كتابه المعروف عن القرون الغامضة من تاريخ المغرب ، وربط قيام دولتهم بما كان لبلدة وليلى Volubilis)) )) من دور كبير في تاريخ المغرب الأقصى على أيام الرومان ، وشطح بالموضوع على طريقته في تصور التاريخ ، وزاد الأمر بذلك تعقيداً ، وعلى هذه الشطحات بنى جورج مارسيه ما قاله عن الأدارسة في كتابه عن المغرب خلال العصور الوسطى ، وطوع المادة اليسيرة التي جمعها لتلك النظرية الضالة التي مازال الفرنسيون متشبثين بها من أيام هنري فورنل ، وهي نظرية زورها أصحابها لتأييد ما كانت فرنسا ترمي إليه من فصل المغرب عن الكيان العربي ، وقد كذب الله ظنونهم وله الحمد كل الحمد .
    نظرة عامة في تاريخ الأدارسة :
    و قد تبينت جانباً من هذه الصعوبة عندما مست الحاجة إلى تقويم شجرة النسب الإدريسي لتحقيق بعض الأخبار التي أوردها أبو عبد الله بن الأبار في كتابه المبدع (الحلة السيراء) . وقد اعتمدت أول الأمر على (جمهرة ) ابن حزم ، وعندما شرعت في تحقيق ما جاء فيها ومقارنته بما ذكره أبو عبيد البكري وابن عذارى وابن الأثير وابن خلدون والنويري من أحداث التاريخ الإدريسي تبينت أن صاحب (الجمهرة ) قد وقع في أخطاء كثيرة وخلط في أنساب الأدارسة ، ثم راجعت ذلك كله على ما في روض القرطاس ، واستطعت أن أقوم معظم فروع الشجرة وأربطها إلى الجذع الإدريسي على نحو معقول . وقد أخرت الرجوع إلى روض القرطاس لأن صاحبه من أقل المؤرخين تدقيقاً وضبطاً، وقد عانيت من أخطائه الشيء الكثير.
    و تتجلى صعوبة ضبط هذا النسب عندما نصل إلى الجيل السادس وما بعده من أجيال الأدارسة ، فإن الأمر هنا يختلط اختلاطا شديداً لكثرة الفروع وتشابه الأسماء ، فإن الأدارسة كان لهم ولع بأسماء معينة نجدها في كل فرع تقريباً مثل القاسم ويحيى وعلي ومحمد وأحمد وكنون وإدريس والحسين ، ويزيد الأمر تعقيداً أن الرجل منهم قد يسمى ابنين من أبنائه باسم يحيى ، و اثنين باسم القاسم ، و اثنين باسم علي ، و هكذا ، والمؤرخون يميزون بعضهم عن بعض بقولهم : القاسم الأكبر ، و القاسم الأصغر ، أو : يحيى الأكبر ، و يحيى الأصغر ، و هكذا ، و واضح أن ازدواج الأسماء هذا راجع إلى تعدد الزوجات ، فكل منهن تريد أن يكون من أبنائها قاسم ويحيى وعلي وما إلى هذه من الأسماء المحببة إلى البيت الإدريسي .
    أضف إلى ذلك تفرق فروع هذا البيت في نواحي المغرب الأقصى ابتداء من جيله الثالث ، فقد ولى محمد بن إدريس بن إدريس إخوته الكبار داود ويحيى وعيسى وعمر وحمزة والقاسم وعلياً على نواحي مملكته ، فأصبح كل منهم وكأنه صاحب الناحية التي ولى عليها ، وأقام فيها وصاهر أهلها ، ونشأ أبناؤهم واتصلت أنسابهم واشجة في أنساب أهل القبائل ، ويبدو ذلك بصورة واضحة في أبناء علي وعمر والقاسم ، وقد بلغ هذا الإمتزاج مع القبائل مبلغ الاندماج الكامل واتخاذ الأنساب المحلية ، فظهرت في أسماء فرع القاسم أسماء كنون وأبي العيس ، وفي فرع على أسماء ونعال وفك الله وتعود الخير ، وحمل بعض سلائلهم نسبات محلية مثل أحمد الكرتي من أبناء القاسم بن إدريس بن إدريس ويحيى الجوطي وهو من أحفاد علي حيدرة بن محمد بن إدريس ابن إدريس بيوت الأشراف العلميين والمشيشيين والوزانيين ، ومثل ذلك كثير .
    ثم إن تاريخ الأدارسة لم يسر في خط متصل ، ولم يتركز في عاصمة واحدة ، وهو في تقطعه أشبه بسراج في مهب الريح ، إذا هدأت سكنت شعلته واستقامت وارتفعت ، وإذا هبت عبثت بها فمالت في كل ناحية ، وربما خبت حتى تكاد تخفى ، ثم تعود إلى الاستقامة والارتفاع من جديد ، والحق أن دولة الأدارسة لم تكن في مهب ريح فحسب ، بل كانت في ملتقى عواصف وأنواء ، فتعرضت في حياة محمد بن إدريس لعواصف الحرب بين الإخوة ، وتعرضت في حياة يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس لمأساة كادت تطيح بها ، وانتقل الملك من فرع محمد بن إدريس إلى فرع عمر أخيه ، ثم إلى فرع أخيهما القاسم عقب ثورة عبد الرزاق الفهري ، ثم عاد إلى فروع عمر بعد مقتل يحيى العدام سنة 292/905 وانتقال الملك إلى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس ، وهنا تصل الدولة إلى ذروتها .
    و قد شاءت المقادير أن يتوافق هذا الأوج مع ظهور الخطر الذي كسر عمود هذه الدولة وشتت أمرها ، وهو خطر العبيديين ، فقد كان هؤلاء منذ استقام لهم الأمر في القيروان يحسون بقلق أكمزهم وضعف قواهم في هذه الناحية التي قام لهم الملك فيها قياماً هو اشبه بالمصادفة السيئة لهم ولأهل المغرب والأندلس جميعاُ ، فطفقوا يبحثون عن مستقر آخر لسلطانهم ، ومضت جيوشهم تضرب شرقاً وغرباً ، وبعثوا قوادهم يجوسون خلال نواحي المغرب ، واستشعر بنو أمية الأندلسيون خطرهم ، فتجردوا لدرئه ، وكان ميدان الصراع بين الدولتين ذلك الجزء الشمالي من المغرب القصى الذي أقام فيه بنو إدريس ملكهم ، ولم يكن الدارسة على قوة تمكنهم من الثبات في ذلك الصراع ، ولم يلبث أمرهم في فاس أ أنتهى على يد مصالة بن حبوس وموسى بن أبي العافية فيما بين سنتي 309 (921-922) و 332 (944) ، وقد كانت دولة الأدارسة في فاس قد صحت صحوة قصيرة بعد ذلك على يد الحسن الحجام بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس ، ولكنها كانت إيماضة عابرة دامت نحو السنتين ، ثم تلاشت سنة 313 (925) على يد موسى بن أبي العافية .
    وقد تجرد ابن أبي العافية هذا للقضاء على بقاياهم في نواحي المغرب ، فأجلاهم عن النواحي التي كانت بعض فروعهم قد تأصلت فيها مثل شالة وأصيلا ، وتجمع الباقون منهم في قلعة حجر النسر ، وهي قلعة ابتناها محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس سنة 317(929) على أصح الأقوال . و في هذا الحصن وما حوله أقام بنو إدريس من فرع محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم في ضمول تاركين بقية المغرب الأقصى لآل أب يالعافية ، فلما تلاشت دولة هؤلاء سنة 360 (971) تنفس بنو إدريس الصعداء وخرجوا من معقلهم وعاد لهم سلطان على كثير من نواحي المغرب الأقصى ، وقد تولى كبر ذلك القاسم كنون بن محمد باني قلعة الحجر ، وبه بدأ ما يعرف بالدور الثاني من تاريخ الأدارسة ، وهو في حقيقة الأمر الدور الرابع أو الخامس ، فما أكثر ما مر به تاريخ هذه الدولة من ادوار ، وعلى أي حال فقد كان دوراً باهتاً مضطرباً كان الأدارسة فيه تارة في طاعة بني أمية القرطبيين وتارة ضحية لأتباع العبيديين ، وفي بعض الأحيان نجد أمراء الأدارسة بين رجال الناصر الأموي يعيشون في قرطبة ويخرجون للجهاد مع جيش الخليفة الأموي ، وفي أحيان أخرى نجدهم محاربين لهم ، وفي أيام الحكم المستنصر الأموي استولى قائده غالب المعروف بفارس الأندلس على حجر النسر ، واستسلم له الحسن بن كنون بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس سنة 363 (973-974) وانتقل إلى قرطبة هو وآله حيث عاشوا في كنف المستنصر ، وتجرد غالب لاستنزال من بقي منهم من معاقله وإجلائهم إلى قرطبة .
    و حياة الحسن بن كنون هذا مأساة طويلة هي أشبه بالقصص ، فقد وقعت النفرة بينه وبين الحكم المستنصر ، فأخرجه هذا الأخير مع أهله إلى المشرق ، فمضى إلى مصر ، ولقى الخليفة الفاطمي العزيز نزار بن المعز بعد سنة 365 (976) ، وكان الأمل يراود حسناً في محاولة السلطان في المغرب الأقصى مرة أخرى ، وصادفت هذه الرغبة اتجاه العزيز إلى مناوأة بني أمية الأندلسيين ، فأعانه على ما طلب ، وخرج إلى المغرب الأقصى حيث زوده بلكين بن زيري بقوة يسيرة استطاع أن يقيم لنفسه بها أمراً ، ولكن المنصور بن أبي عامر وصي الدولة الأموية إذ ذاك لم يزل يحتال عليه حتى استقدمه على أمان ، ثم غدر به وقتله وهو في الطريق إلى قرطبة في جمادى الأولى سنة 375 (أكتوبر سنة 985) .
    و كانت هذه هي نهاية الملك في الفروع الرئيسية من آل إدريس ، وقد ظهر لهم ملك بعد ذلك في فروع بعيد يعرف بالحمودي نسبة إلى حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس ، وقد ظهر أمر هذا الفرع في جنوب الأندلس وسبتة وطنجة عقب انتثار عقد الخلافة الأموية ، فلم يتردد من طلب الأمر من أولئك الحموديين في اتخاذ لقب الخلافة ، وكانت لهم في اضطرابات الفتنة الكبرى في الأندلس وقائع ومجالات انتهت كما يقول ابن حزم في رجب سنة 448 (نوفمبر 1056) وبقي من بقي منهم (( شريداً طريداً في غمار العامة(1) )) .
    الشريف الإدريسي ورجار :
    وواضح أن عبارة ابن حزم هذه فيها مبالغة ظاهرة ، فإن زوال الملك والسلطان من أيدي سلائل الأدارسة ليس معناه أنهم أصبحوا مشردين طريدين ، وإنما معناه أنهم انصرفوا عن السياسة وطلبوا العيش كما يطلبه سائر الناس محتفظين بما يضيفه عليهم حسبهم من المهابة والإحترام ، وابن حزم يذكر من هؤلاء نفراً ممن طلبوا العلم وظهر أمرهم فيه مثل محمد قاضي القيروان ، وهو ليس ابن الحسن الحجام كما يقول ابن حزم ، ولكنه كان من أعقابه ، ولدينا بعد ذلك الشريف الإدريسي ، وهو واضح النسبة إلى بيت إدريس من فروع الحموديين ، أي من جذم عمر بن القاسم بن إدريس بن إدريس ، ومع أننا لا نعرف من نسبته إلا أباه وجداً واحداً من أجداده – فهو محمد بن محمد بن عبد الله – إلا أن نسبة الحمودي الإدريسي لا يمكن إنكاره ، فقد كان أمراً معروفاً على أيامه ، ولم تقتصر شهرته على بلاد المسلمين بل عرفه به رجار الثاني صاحب صقلية الذي ألف له الشريف الإدريسي كتاب (نزهة المشتاق ) .
    وقد تعودنا على أن ننظر إلى دخول الشريف الإدريسي في خدمة ملك نصراني وعيشه في كنفه وتأليفه له كتاباً في الجغرافية كأنه أمر طبيعي لا غرابة فيه ، والحق أنه في ذاته مشكلة ، فإن القول المتواتر هو أن رجار استدعى الشريف الإدريسي ليصنع له صورة الأرض ويؤلف كتاباً في شرحها ، ولا نعرف كيف سمع به رجار بأمره ولا كيف استدعاه ، فإن الإدريسي لم يشتهر بالجغرافية قبل أن يستدعيه رجار ، فهو لم يؤلف فيها قبل ذلك كتاباً ، ولا سمع أحد في بلاد المسلمين نفسها أنه متضلع فيها ، فكيف يتصل أمر علمه هذا بذلك الملك النصراني ، وعلى فرض أنه سمع به فكيف يستدعيه ؟ لقد كان الإدريسي قد فرغ إذ ذاك من رحلته الشرقية وعاد إلى المغرب ومضى يتجول في أنحائه حيناً ، ثم مضى إلى الأندلس ودرس في قرطبة ، ولا ندري إن كان قد ظل في الأندلس أو عاد إلى سبتة ، وإنما الذي نعلمه أنه ظهر بعد ذلك في صقلية ودخل في خدمة رجار ومضى يعمل في رسم صورة الأرض ، فهل علم رجار بمكانه فبعث يستدعيه كما يستدعى الأساتذة والعلماء اليوم من معاهدهم وجامعاتهم لينشروا علمهم في بلاد أخرى ؟
    إننا نتناقل ذلك ونأخذه قضية مسلمة على عهدة سطور قليلة مشكوك في قيمتها ، بعضها منسوب إلى خليل بن أيبك ألصفدي وبعضها الآخر منسوب إلى ابن العماد الاصبهاني عن ابن بشرون أو منقول عن حاجي خليفة في كشف الظنون ، وهي سطور قلائل لا تكاد تلقي على حياة الشريف الإدريسي ضوءً ، حتى سنة مولده وهي سطور في القول المتعارف سنة 493/1099-1100 مرجعها الراهب الماروني ميخائيل الغزيري صاحب الفهرس اللاتيني القديم كمخطوطات الإسكوريال ، ذكرها دون أن يشير إلى مرجعه فيها ، وتناقلها الناس عنه بعد ذلك دون محاولة البحث في حقيقتها .
    ولكن الثابت أن الشريف الإدريسي عاش وعمل في صقلية في بلاط رجار الثاني ، وليس لدينا ما يسمح لنا بالقول بأن الإدريسي لجأ بنفسه إلى رجار وطلب الدخول في خدمته ، وقد استبعدنا أن يكون رجار قد سمع به واستدعاه ، فلا بد أن يكون هناك طريق أخرى وصل بها الإدريسي إلى رجار وحظى عنده وكسب ثقته وعمل معه في ذلك الميدان الجغرافي ، وكان رجار مشغوفاً به متطلعاً إلى التوسع .
    و عبثاً نحاول أن نجد مفتاحاً لهذا السر في مقدمة (نزهة المشتاق ) ، فإن الإدريسي فيها متحفظ تحفظاً شديداً حتى لا يكاد يذكر اسم نفسه أو يشير إلى نصيبه في العمل الجغرافي الكبير الذي قام به ، وقد بدا لي بعد أن قرأت هذه المقدمة أكثر من مرة أن الإدريسي إما أن يكون قد وجد حرجاً كبيراً في تقديم كتابه إلى الملك النصراني فصاغ مقدمته في هذا الأسلوب المبهم الذي لا ينم عن شخصه أو أن غيره قام عنه بهذا التقديم ، فكتب هذه الفاتحة التي نجدها بين أيدينا ، وربما كان هذا الفرض الثاني أقرب إلى المعقول ، فإننا نستبعد أن يقول الشريف الإدريسي : (.. الملك المعظم رجار المعنز بالله المقتدر بقدرته …) أو (( … فمن بعض معارفه السنية ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما اتسعت مملكته …) فمهما كان من تقدير الإدريسي لرجار فما نحسب أنه كان يرى أنه جدير بأن يلقب بألقاب خلفاء الإسلام كالمعتز والمقتدر ، أو تخلع عليه صفة خاصة بالبيت النبوي الكريم ، نعم إن (العلوية) تقرأ هنا بضم العين وسكون اللام ، ولكنها تبدو لنا على أي حال هنا غريبة على لسان علوي شريف .
    ولا بد على أي حال أن رجار عرف من أمر الإدريسي شيئاً قبل أن يدعوه للعمل معه ، وهذه المعرفة لا يمكن أن تكون كتاباً في الجغرافية كتبه الشريف ووصل إلى يد رجار ، فوقف منه على مكانه من العلم ، فإننا لم نسمع بمثل هذا الكتاب ، وإنما الطريق الوحيد هو أن يكون رجار قد عرف الشريف الإدريسي معرفة شخصية قبل أن يدعوه إلى العمل معه .
    ويبدوا هذا الفرض مستبعد أول وهلة ، ولكننا إذا درسنا تاريخ الإسلام في صقلية خلال حقبته الأخيرة عثرنا على شعاع من الضوء ينير لنا جوانب هذه المشكلة بعض الشيء ، بل يضع يدنا على حقيقة هامة جديرة بعناية المهتمين بتاريخ الأدارسة ، وهي وجود بيت إدريسي علوي فيها كان له سلطان كبير ودور واسع في تاريخها حتى النصف الثاني للقرن الخامس الهجري إلى أواخر القرن السادس .
    ذلك أننا نلاحظ في أخبار غزو النرمان لصقلية وجود بيت من سروات المسلمين وقادتهم يعرف ببيت حمود كان ينشر سلطانه على أجرجنت Girgente وقصر يانه Castrogiovanni وما حولهما من بلاد وسط الجزيرة – كما يقول ميكيلي أماري – خلال الفترة التي تقدمت فيها جيوش رجار الأول لا نتزاعها من أيدي المسلمين ابتداءً من سنة 453 (1061) وما بعدها .
    وذكر أمارى أن أولئك الحموديين أدارسة علويون وأنهم من نفس بيت بني حمود المغاربة الأندلسيين الذين ينتسب إليهم الشريف الإدريسي ، وأن ذكرهم متوارد في النصوص اللاتينية والإيطالية من ذلك الحين إلى أيام فردريك الثاني إمبراطور الدولة التيوتونية المعروف ببار بأروسا – أي ذي اللحية الحمراء – ، فهم يسمون بآل شموت Chamut أو Hamutus ، وأضاف أمارى أن البيت الذي أسس هذه الأسرة لا بد أن يكون قد وفد على صقلية بعد زوال أمر البيت الحمودي في الأندلس والمغرب .
    ومن أسف أن مراجعنا العربية لم تأتنا بنبأ عن أوليات هذا البيت الإدريسي في صقلية ، وعمادنا هنا على المراجع النصرانية التي أرخت لغزو النرمان لصقلية ، وهذه المراجع تؤيد ما ذكره ابن الأثير في كلامه عن سقوط قصريانه وأجرجنت من أنه (( لم يثبت بين أيديهم – أي أمام النرمان – غير قصريانه وأجرجنت ، فحصرهما الفرنج ، ولم يبق عندهم ما يأكلونه ، فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج ، وبقيت قصريانه بعدها ثلاث سنين ، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم ، فتسلمها الفرنج لعنهم الله سنة 484 ، وملك رجار جميع الجزيرة) ، ثم تنفرد المراجع النصرانية بعد ذلك بالقول بأن صاحب البلدتين كان رجلاً يسمى القاسم بن حمود وأنه هو الذي قام بتسليم قصريانه إلى رجار الأول بعد أن استنفذ وسائل الدفاع ، ولم يبق من التسليم مفر .
    وليس لدينا ما يمنع من قبول رأي أماري من وجود ذلك البيت الحمودي الإدريسي في صقلية ، فقد ذكر ابن حزم أن أمر بني حمود انتهى في الأندلس في رجب سنة 448 ، وبقى من بقى منهم شريداً طريداً في غمار العامة ، وفي ذلك الحين كان المرابطون قد ثبتوا أقدامهم في جنوب المغرب الأقصى ومضوا يتطلعون للامتداد شمالاً ، ففي سنة 450 (1058) تمت بيعة أبي بكر بن عمر اللمتوني على جنوبي المغرب الأقصى حتى وادي درعة ، وفي سنة 462 (1069-1070) كانوا قد تمكنوا من الأراضي الممتدة شمالاً حتى وصل إلى وادي ملوية ، وفي ربيع الأول سنة 465 (نوفمبر 1072) تنازل أبوبكر ابن عمر عن الامارة ليوسف بن تاشفين ، وانفرد هذا بالملك وبدأ التوسع السريع إلى الشمال ، فاستولى على فاس سنة 467 (1074) ، وفي السنة التالية استولى على تلمسان ، ودخل شمال المغرب الأقصى كله في حكم المرابطين .
    وفي هذه الظروف لم يعد للباقين من بني إدريس أمل في السلطان ، فانزوى من استطاع الانزواء منهم في ناحيته ، وفر من فر ، فيما عدا ولد من أولاد إدريس بن علي بن حمود بذكر البكري أنه كان يعيش خاملاً بمدينة المرية بالأندلس عندما استدعاه جماعة بني ورتدي إلى مليلة ونواحيها ، فعبر البحر إليهم وظل سلطانه بينهم بضع سنوات .
    وإذا نحن تأملنا ما يذكره البكري من تاريخ الأدارسة بمناسبة كلامه عن فاس وحجر النسر كانت أشبه بإقطاعيات لنفر من بني إدريس معظمهم من فرع القاسم بن إدريس عن طريق ابنه محمد ، فقرية أفتس على نهر أولكس إلى غربي حجر النسر تسمى مدينة جنون بن إبراهيم بن محمد ابن القاسم ، وكانت في منطقة تابعة لقبيلة كتامة ، وكذلك زهكوجة على مقربة من سوق كتامة تسمى بمدينة ميمون ، ومن هذا الموضع إلى سبتة كانت قسمة بين بني إبراهيم بن محمد ، فأما أحمد بن إبراهيم بن محمد فكان له ما امتد من أجاجي إلى سبتة في حين ملك الأب وبقية الأبناء دار طنجة إلى حد سبتة ، وما دام الإدريسي من سبتة فيحتمل جداً أن يكون من أبناء هؤلاء ، وهذه الحوادث التي نذكرها كانت في حدود سنة 460 (1067-1068) . أما سبتة فقد كان يتولى الأمر فيها رجل يسمى سواجات البرغواطي ، وأصله من قبيلة غمارة ، ثم دخل بعد ذلك في قبيلة برغواطة وانتسب إليها ، وغمارة كانت العماد الذي قامت عليه دولة الأدارسة ، حتى ليجعلها ابن خلدون شيئاً واحداً : والخبر عن دولة الأدارسة وهي غمارة وتصاريف أحوالهم …) ، وكان سواجات أول الأمر مولى من موالي الحموديين ، فجعلوه على سبتة ، فانقلب عليهم وطلب السلطان لنفسه ، وقتل بعضهم وحبس بعضهم الآخر بعد أن زال أمر بني حمود ، ولهذا يغلب على ظننا أن أسرة الشريف الإدريسي لم يطل بها المقام في ذلك البلد ، والغالب أنهم طلبوا الأمان عند بعض ذوي قرباهم الذين ذكرناهم فيما قرب من سبتة من البلاد ، وربما كان هذا أيضاً هو السبب في خروج الشريف الإدريسي إلى المشرق في تلط السنة الباكرة ، وقد رجحنا أن يكون قد خرج إليه مع أبيه طلباً للنجاة من أحوال غير مواتية من ناحية والتماساً للحج وطلب العلم من ناحية أخرى .
    والرأي السائد أن نسبه يرتفع إلى حمود ، أي إلى فرع عمر بن إدريس بن إدريس ، وربما كان هذا هو الأقرب إلى الصحة ، فإن القول به متواتر على الألسن دون أن يكون عليه دليل واحد يمكن التعويل عليه ، وقد بحثت دون جدوى في كتاب شذور الذهب في خبر النسب لابن رحمون التهامي بن أحمد بن محمد عن خيط أستطيع الإهتداء به ، وإنه من الغريب أن نسابة كهذا يتصدى لتتبع سلائل البيت الإدريسي وهو منهم – فهو من الشرفاء العلميين – ثم يغيب عنه ذكر أشهر من عرف بهذا النسب ، كأن اسمه لم يخطر له على بال ، ولو أنه كتب في عصر تقدم لعذرناه ، ولكنه كتب كتابه سنة 1105 (1693-1694) ، وكر الشريف الإدريسي ذائع في عشرات الكتب بين يديه .
    وإلى هذا الفرع أيضاً ينتسب الحموديون الصقليون ، وقد رأينا أن أول ذكر لهم في حوليات صقلية الإسلامية كان سنة 479/1087 ، فلا بد أنهم دخلوا صقلية قبل ذلك بسنوات لا نستطيع تحديدها ، ولكنها ليست بكثيرة على أي حال ، فإن أمر بني حمود قد انتهى كما ذكر ابن حزم في رجب سنة 448 ( نوفمبر 1056 ) ، وتفرق الباقون منهم بعد ذلك التاريخ ، وخلال السنوات القليلة التي كان المرابطون يتقدمون فيها إلى الشمال مؤذنين بالقضاء الأخير على كل أمل للحموديين وغيرهم في طلب السلطان .
    وقد اجتذب هذا الفرع إلى صقلية ما شاع في ذلك الحين من تفرق أمر المسلمين هناك وسنوح الفرصة لطلب السلطان ، وكانت في الحموديين جرأة على المخاطر يعرفها من يلم بتاريخهم أثناء الفتنة الكبرى في الأندلس ، وقد ذكر ابن الأثير أن أجرجنت وقصريانه كانتا منذ سنة 427 (1035-1036) في طاعة القائد على بن نعمة المعروف بابن الحواس ، وأن ابن الحواس هذا قتل سنة 453 (1061-1062) أو بعدها ، فصارتا إلى أيوب بن تميم بن المعز الزيزي ، ولم يستطع أيوب وأخوه البقاء في الجزيرة ، فعادا إلى إفريقية سنة 461 (1068) ، وبقيت الناحية دون رئيس ، حتى نسمع بذكر القاسم بن حمود عند استيلاء رجار الأول على قصريانه وأجرجنت بعد ذلك بثمانية عشرة سنة ، فلا بد أنه انتهز فرصة خلو الموضع من رئيس مسلم ، فاستمان بجاه نسبه وخدمته ملكاته فوصل إلى الرياسة ، وهذا يستلزم أن يكون موجوداً هناك قبل ذلك ، إذ ليس معقولاً أن يدخل الجزيرة ويستولي على السلطان في ناحية منها مباشرة ، والمعقول أن يقال إنه دخلها سنة 450 (1058) أو نحوها .

    القاسم بن علي بن حمود الصقلي :
    وهذا الحمودي الإدريسي الذي هاجر إلى صقلية ووصل إلى السيادة في ناحية أجرجنت وقصريانه هو القاسم بن حمود ، والمفهوم أن المراد بذلك أنه القاسم من أبناء حمود ، أو القاسم الحمودي، ولا نستطيع تتبع نسبه إلى أي من فروع الحموديين الكثيرة ، لأن القواسم فيهم كثيرون جداً ، ويزيد الأمر تعقيداً أنه كان يلقب بابن الحجر ، وهو لقب لا يمكن أن تفسيره إلا بأنه كان من أدارسة حجر النسر ، والحموديون لم يكونوا من أهل حجر النسر ، وقد حاول أماري تفسيره فقال إن الحجر هنا كناية عن الكرم وأن المراد هنا أنه كان يلقب بابن الكريم ، وهو تفسير ظاهر الافتعال .
    وتذهب المراجع اللاتينية والنرمانية القديمة التي رجع إليها أماري في تتبع أخبار استيلاء النرمان على صقلية إلى أن القاسم بن حمود هذا بعد أن أسلم قصريانه إلى رجار الأول إعتنق النصرانية مع أهله أجمعين ، وخاف على نفسه بعد ذلك من مسلمي البلد ، فطلب إلى جار أن ينقله إلى بلد من بلاده في شبه الجزيرة الإيطالية ، فنقله إلى ميلاطو حيث عاش إلى أن مات ، وهذا قول ظاهر الاختلاق ، فإن بني القاسم بن حمود ظلوا بعد ذلك أصحاب أجرجنت وقثريانه تحت سلطان النرمان ، وكان لهم دور كبير في شئون الجزيرة بعد ذلك كما سنرى ، ثم إن ابن جبير الرحالة لقي رئيساً من رؤساء هذا البيت بعد ذلك بقرن من الزمان في ذي القعدة سنة 580 (مارس 1185) ووصفه بالجلالة واتساع الجاه ثم قال : (ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى – أبادهم الله – أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله ، اتباعاً له واقتداء به ، تكفل الله بعصمته جميعهم ، ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه) فكيف يقال بعد هذا أن جده قد تنصر هو وأهله جميعاً من مآئة سنة ؟
    ويسمى القاسم هذا في بعض النصوص بأبي القاسم ، وربما كان المراد أنه كان من سلائل أحد القواسم الحموديين ، وسنرى من إشارة لابن ظفر أن أباه كان يسمى علياً .
    وقد أطمأن القاسم أو أبو القاسم بن علي بن حمود في ظل رجار الأول وظل له سلطانه على قصريانه وأجرجنت ، شأنه في ذلك شأن الكثير من رؤساء مسلمي صقلية الذين أباقهم النرمان على حالهم ما دانوا بالطاعة لهم ، ولم يكن ذلك تسامحاً صرفاً من النرمان ، وإنما كانت سياسة أملتها عليهم ظروفهم ، فإن النرمان كانوا قلة في وسط الجموع النصراني التي غزوا بها الجزيرة ، فقد كانوا هم النواة والرؤساء ، أما معظم جندهم ورجالهم فقد كانوا أخلاطاً من الإيطاليين وأهل الجزر والمغامرين ، وكان استيلاؤهم على الجزيرة اغتصابا لا من المسلمين وحدهم بل من البيزنطيين الذين كانوا يرون أن الجزيرة من أملاكهم ، ولم يكن لهم سند إلا إذن البابوية لهم في انتزاع الجزيرة من أيدي المسلمين ، وكانوا قد خرجوا لغزو الجزيرة من جنوبي إيطاليا ، وكان سلطانهم هناك غير معترف به من أباطرة النيوتون الذين كانوا يدعون هم الآخرون أنهم أصحاب إيطاليا ، أي أن مركزهم في إيطاليا وصقلية لم يكن معترفاً به من أحد ، ثم إن السند الذي كانوا يعتمدون عليه ، وهو إذن البابوية لهم في انتزاع الجزيرة من أيدي المسلمين لم يلبث أن تداعى ، فقد اختلفوا مع البابوية وحاربوها ، فأسقطت عنهم حمايتها ، ولم يعد لهم من سند بعد ذلك إلا ما يكسبونه من حسن ظن أهل الجزيرة ومعظمهم من المسلمين ، ورجل مثل أبي القاسم بن حمود لم يكن مجرد رعية لرجار الأول ، وإنما عماداً من العمد التي قام عليها حكمه ، خاصة وقد كان رجلاً شهماً دافع عن ناحيته فأحسن الدفاع ، ولم بسلمها للأعداء إلا بعد أن طاول إلى الحد الأقصى ، وهذه الشهامة جديرة في بأن تلقى في نفس أعدائه احترامه ، وقد كانت في هذا الفرع من النرمان شهامة وفروسية .
    وليس معنى ذلك أننا نجرد رجار ورجاله من فضيلة التسامح ، فقد كان بالفعل متسامحاً لا مع المسلمين وحدهم بل مع معظم رعاياه ، فإن المسيحيين منهم كانوا طوائف شتى ، فيهم من يدين بالولاء للكنيسة الرومانية ، وفيهم من يتبع بطريق القسطنطينية ، ولكن رجار لم يصرف إلى ذلك بالاً ، واهتم بصالح دولته وعرشه فحسب ، والحق أن النرمان كانوا بدعاً في إتساع الذهن وبعد الذكاء بين معاصريهم أجمعين ، فقد غزت طائفة منهم انجلترا قبل ذلك بإحدى وعشرين سنة ، قادهم إليها أميرهم وليم الفاتح ، فكان مسلكهم في الجزر البريطانية هو نفس مسلك روبرت جسكارد منشئ الدولة النرمانية في جنوب إيطاليا ووسطها ، وابن عمه رجار الأول الذي قام بغزو صقلية ، وهو مسلك يتلخص في الاجتهاد في استئلاف الرعية والتقرب منها والانتفاع بخير عناصرها واقتباس ما يجدونه من النظم والعادات ومظاهر الحضارة وترك الناس أحراراً فيما يتبعون من عقيدة ثم ميل إلى القانون واهتمام بالتزامه وإلزام الناس به ، يحوطون ذلك كله بذكاء يميل إلى الخبث حتى يصبح لؤماً إذا دعت الحاجة وشجاعة تصل إلى التهور في أحيان كثيرة ، وقد امتازوا كذلك بتطلع إلى كل ما هو طريف وجديد جعلهم في كل مكان نزلوه رعاة لأهل العلم والفن ، حتى لقد نشأ في البلاد التي سادوها من شمال غربي فرنسا وانجلترا طراز العمارة يسمى الطراز النرماني ، وليس لهم فيه إلا تشجيع من ابتكروه ، هذا إلى من احتضنوهم من أهل العلم من كل ملة ونحلة ، وما ألف هؤلاء من الكتب باسمهم ، ومن بن هؤلاء يبدو شريفنا الإدريسي أعظم من شرف بلاطهم بالعمل فيه .
    والحياة مع ملوك كهؤلاء لم تكن عسيرة على أبي القاسم وآله وبقية المسلمين في الجزيرة ، فإن النرمان لم يكن يطلب إلا الولاء والمعاونة والنصح ، وكان مسلموا صقلية مستعدين لتقديم هذه في مقابل حريتهم الدينية ، ولهذا فلا غرابة في أن نجد أبا القاسم بن علي الحمودي وطائفة أخرى من المسلمين في مكان الصدارة والتكرمة ، ولم تقتصر صدارتهم على نواحيهم ، بل كان لهم شأن كبير في البلاط وشئون الدولة ، فأسندت إليهم القيادات والوظائف الكبرى ، جتباً إلى جنب مع من كان هناك من البيزنطيين والإيطاليين والنرمان .
    ولكن المتاعب تأتي عادة من المنافسين والأنداد ، وفي تلك العصور كان الوصول إلى مركز ممتاز أو التمتع بنعمة وجاه معناه الوصول إلى المتاعب والشقاء بالحسد والسعايات وما يتأتي منها ، وليس لدينا من أخبار أبي القاسم بن علي بن حمود ما يسمح لنا بتفصيل شيء عن حياته مع النرمان أكثر مما قلناه ، ولكن لدينا شيئاً عن ابنه أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود ، ويبدو أن محمداً هذا ورث مكان أبيه لا في أجرجنت وقصريانه وحدهما ، بل في البلاط والدولة .

    محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود :
    ونحب أن ننبه الأذهان إلى أننا لا نتحدث هنا عن أسرة مالكة أو عن دولة يتوارث الملك فيها الأبناء عن الآباء ، بل عن بيت عربي إسلامي أرادت له المقادير أن يعيش في كنف ملك نصراني ومكنت له من الإحتفاظ بما كان لأفراده من الأملاك والمكانة قبل الدخول في طاعة هذا الملك ، وهذه في ذاتها ظاهرة فريدة في بابها جديرة بالدراسة ، فلم يكن الحموديون وحدهم في هذه الظروف ، وإنما كانت هناك أسرات عربية إسلامية أخرى في صقلية مثل بتي التمنة ، وكانت هناك أسر مماثلة فيما وقع تحت سلطان النرمان من بلاد افريقية مثل المهدية وبونة وقابس وطرابلس .
    وهذا الشيء الذي نعرفه عن أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن علي أتانا عفواً ، فقد كان هذا الرجل صاحباً لفقيه صقلية الأكبر محمد بن أبي محمد بن ظفر (497-567/1104-1171) ، وكان الفقيه يجله ويقدره ، وله ألف طائفة من كتبه أهمها (سلوان المطاع في عدوان الأتباع ) وهو كتاب حافل بالدلالات ، ينطق بها عنوانه وموضوعه وسياق كلامه وفاتحته ، فالعنوان يدل على أنه ألف لرجل عدا عليه أتباعه أو انقلبوا عليه وأنزلوا به ضرراً ، فاحتاج إلى من يسليه عما نزل به ، ومادة الكتاب تدور حول هذا المحور بالفعل وتفصل الأمر بعض التفصيل ، أما فاتحته فتعرفنا به ، لأن ابن ظفر يقول عنه إنه (سائد السادة ، وقائد القادة ، أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن العلوي القرشي) ، وكل لفظ هنا له معناه ، فالسيد هنا ليس صفة ولكنه لقب معناه أن محمد بن أبي القاسم هذا كان من الأشراف الإقطاعيين Signore Feodati حسب النظام الإقطاعي العام الذي كان سائداً في أوربا كلها إذ ذاك ، وإن إقطاعه كان خبزاً له ، والخبز في مصطلحنا الإقطاعي هو ما يقابل لفظ Fief في المصطلح الإقطاعي الغربي ، وهو إقطاع الأرض في مقابل وظيفة أو خدمة يؤديها المقطع للملك ، والوظيفة في حالتنا هذه قيادة عسكرية وحكومة على موضعه ، ولهذا يلقبه ابن ظفر بقائد القواد أو قائد القادة .
    ويبدو أن هذه المعاملة الحسنة التي لقيها بنو القاسم بن حمود من جانب النرمان ترجع إلى ما أبدوه من الشهامة والاستبسال ، ثم ما أظهروه بعد ذلك من العقل والحكمة ، فاستسلموا على شروط الأمان والإطمئنان إلى الإسلام وضمان حقوق من معهم من المسلمين ، فكانوا بهذا أحكم من قائد عربي مسلم آخر يسميه جود فروا مالاترا – مؤرخ الغزو النرماني (بينافيرت Benavert ) ، وهو اسم طالما حير الباحثين أصله العربي ، وغالبيتهم أنه ابن عباد ، وهو رأي مستبعد لاختلاف ما بين الصيغتين الإفرنجية والعربية ، وهو عندنا أقرب إلى أن يكون (ابن ورد) ، وأياً كان اسمه فقد كان هذا الرجل رئيساً على قطانية قبل دخول النرمان ، فلما أقبلوا تصدى لهم وحاربهم حرباً عنيفة هلك فيها من رجالهم مئات ، وقتل نفر من قوادهم منهم هو جو دي جيرسي Ug- di Jersey الذي كان رجار الأول قد أقامه نائباً عنه في الجزيرة عندما عاد إلى قلورية Galabria سنة 467-468 (1075) ، وما زال ابن ورد يصاول النرمان حتى عجز أمامه القائد النرماني جوردان واضطر إلى الإستعانة عليه برجار ، فأقبل بكل قواه ، وتعاون الاثنان على القائد العربي واستوليا على قطانية ، وانتقل ابن ورد إلى نوط Noto واستمر في المقاومة حتى قتل في المعارك الأخيرة التي انتهت بسقوط آخر معاقل الجزيرة سنة 484(1091) بعد أن أصاب أهلها من المسلمين بلاءً شديد .
    ولم يكن القاسم بن علي بن حمود يستطيع أن يفعل فعل ابن ورد ، لأن هذا الأخير كان من أهل صقلية الذين تطاولت العهود بهم فيها ، فهو يعرف نواحيها جميعاً وتربطه بالرؤساء في كل ناحية صلات قديمة مكنت له من الاستعانة بهم والانتقال إلى حصونهم ونواحيهم ليستمر في الدفاع ، فبعد أن سقطت قطانية انتقل إلى نوط ثم إلى بثيرة Butera ، أما أبو القاسم بن حمود فقد كان حديث عهد بالجزيرة لا يعرف من شئونها إلا ما عرف خلال السنوات القليلة التي قضاها فيها ، ولم يكن في استطاعته بعد سقوط جرجنت وقصريانه أن ينتقل إلى ناحية أخرى ، فليس له رجال وأنصار ومحاربون ينتقلون معه من ناحية إلى ناحية كما كانت الحالة مع ابن ورد ، ثم إنه كان سليل بيت عرف السياسة والحكم ، وقد أدرك لهذا أن الاستمرار في المقاومة بعد أن هلك الناس وانقطع الأمل في الفرج لن يؤدي إلا إلى ضياع ما بقي من أموال الناس وذراريهم دون جدوى ، فآثر أن يسلم على صلح وعهد ، وحفظ بهذا نفسه ومن كان معه .
    ولا يغيبن عن بالنا أن المسلمين إذ ذاك كانوا لا يتصورون سواء في المغرب أو الأندلس أو المشرق أو صقلية أن أمر الإسلام في ناحية من نواحيه يمكن أن يزول إلى غير رجعة أو أن النصرانية إذا غلبت على ناحية من نواحيه ستستمر في حكمها إلى الأبد ، وإنما هي نكسات من الدهر وتمحيص من الله للمسلمين ، ثم تشرق الشمس مرة أخرى وتعود البلاد للإسلام ، وهذا شعور ظل يملأ نفوس المسلمين في كل مناسبة أصاب بلادهم فيها مكروه ، ويعبر عنه مؤرخونا بقولهم بعد ذكر سقوط أي بلد من بلاد الإسلام (أعاده الله للإسلام) ، وأبلغ من عبر عنه ابن عاصم في كتابه المثير للأشجان ( حنة الرضا فيما قدر الله وقضى) ، وهو عنوان حزين أشبه بأن يكون نهاية للأمل ، وهو أبلغ في هذا المعنى من قصيدة أبي البقاء الرندي ذات الصيت البعيد .
    ونفهم من كلام ابن ظفر في فاتحة ( سلوان المطاع ) أن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود كان يمر إذ ذاك بمنحة ليس سببها أن السلطان غضب عليه أو أن أحوال من معه من المسلمين ساءت ، وإنما سببها أن بعض رجاله وأتباعه انقلبوا عليه وأحرجوا أمره وعرضوه لغضب رجار ، وهو هنا رجار الثاني ، فإن الأول كان قد مات قبل ذلك سنة 495(1101) ، وكان جار الثاني هذا أكيس من أبيه وأقدر وأوسع عقلاً وقلباً ، وهو صاحب الشريف الإدريسي وممدوح نفر من شعراء صقلية والمغرب ، ولهذا لم يكن محمد بن أبي القاسم يخشاه بقدر ما كان يخشى أولئك الأتباع الذين انقلبوا عليه وسعوا إليه بالمضرة ، ولهذا يقول ابن ظفر في التقديم (… والحمد لله جاعل الصبر مفتاح للنجاح ضميناً ، والمحبوب في المكروه كميناً ، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً ، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجوراً ، وأوطأ المسلمين لمشاياه ممهودا وثيراً ، وأمطأ المتبرمين بقضاياه كنودا وعثورا ، وقال سبحانه ( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) . وهذه كلها عبارات مواساة وتصبير ، وتقسيم الكتاب بعد ذلك أدل على هذا المعنى ، فهو ليس مقسماً إلى فصول بل إلى سلوانات : ( السلوانة الأولى : في التفويض ، والسلوانة الثانية : في التأسي ، والسلوانة الثالثة : في الصبر ، والسلوانة الرابعة : في الرضا ، والسلوانة الخامسة : في الزهد) ، ثم يفصح ابن ظفر بعض الشيء عما دعاه إلى تأليف الكتاب فيقول : ( وبعد ، فإن ملكاً ميمون السيرة ، مظنون صلاح السريرة ، حميد الفكرة ، شديد العبرة ، شغف العلم حباً ، توثب خارجي على رعيته فاقتطع منهم حزباً ، وطمع في أن ينتزع ملكه غصباً ، وأنس من وجود أتباعه شغباً ، فسألني في تلك الحال أن أؤنسه بكتاب يشتمل على حكم وآداب …) .
    ويبدو من خلال الضباب الذي يخيم على تاريخ المسلمين في صقلية خلال هذه الحقبة الأخيرة أن أمور محمد بن أبي القاسم استقرت من جديد وصفاً له الجو واطمأن خاطره ، فنجده إلى جانب رجار الثاني في مكان عزيز يتولى ناحيته ويشمل فيها من المسلمين بحمايته ، ويسشترك في تدبير الأمور مع كبار رجال الدولة ، وننسع حاله ، ونكثر أمواله ، حتى يفد عليه الشعراء من بلاد صقلية وبعض نواحي المغرب ينتجعون فضله ويتوسمون نداه ، فيشير عليهم بأن يختصوا رجار ببعض أمداحك ، وقد حفظ المؤرخون لنا أسماء بعضهم وبعض أشعارهم ، ومثال ذلك عبد الرحمن بن رمضان الشاعر المعروف بالقاضي وعبد الرحمن ابن محمد بن عمر البشيري الصقلي وأبو حفص عمر بن حسن النحوي الصقلي وغيرهم ممن أورد عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهاني أطرافاً من أشعارهم في ( الخريدة ) ، بل بلغ من كثرتهم أن العماد سئم ذكر بقيتهم وقال : ( فما أوثر مديح الكفر ) .
    ويكاد أن يكون من المرجح عندنا أن محمد بن أبي القاسم الحمودي هذا كان هو وسيلة الشريف الإدريسي إلى رجار ، فهو حمودي شريف مثله ، وقد دللنا في الفصل الخاص بالإدريسي من بحثنا عن (الجغرافية والجغرافيين في الأندلس) على أن الشريف الإدريسي عندما خرج من المشرق عائداً إلى المغرب مر بصقلية وأقام فيها ردحاً من الزمن ، فإن القسم الخاص بصقلية من (نزهة المشتاق) يضم معلومات وملاحظات تدل على أنه عرفها قبل وفوده عليها لعمل صورة الأرض وتأليف شرحها المسمى (نزهة المشتاق) ، وقد رجحنا لهذا أن يكون الشريف قد نزل بالجزيرة منتجعاً لقريبه الحمودي ، وعرف هذا ولعه بالجغرافية والأعشاب واتساع باعه فيهما ، ومن المعقول أن يكون قد قدمه إلى رجار الثاني كما كان يقدم إليه من يفد عليه من الشعراء ، وقد كان هذا معنياً بهذين العلمين شديد الطلب لهما ، فلما لقي الإدريسي دعاه إلى المقام عنده للعمل مع في الجغرافية وهنا – أحسب – موضع العبارة التي ذكرها خليل بن أيبك الصفدي في (الوافي بالوفيات) وقال إن رجار الثاني للشريف الإدريسي : ( أنت من بيت الخلافة ، ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك ، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك) ، فاستقرت هذه الكلمة في نفس الإدريسي ، ومضى إلى المغرب ثم إلى قرطبة ليستكمل دراسة الجغرافية ، وقد أثبتنا أن مقام الإدريسي في قرطبة وجنوب الأندلس كان قبل سنة 537 ( 1142 – 1143 ) أي قبل وفوده على صقلية وشروعه في العمل مع رجار ، ويبدو أن الإدريسي لاحظ أثناء تلك الإقامة في الأندلس استقرار الأمر للمرابطين ، ولهذا فهو لا يزال يثني عليهم في كتابه ، ولابد أنه لم يرض عن الموحدين بعد ذلك لقيامهم على المرابطين وعملهم على القضاء عليهم ، ولهذا فهو شديد النقد لهم ، لا يكاد يغادر فرصة للحملة عليهم إلا ابتدرها .
    وقد ظلت أحوال المسلمين طيبة في صقلية طالما عاش رجار الثاني ، وهذا واضح على الأقل من عمل الإدريسي معه وما كان يلقاه من الكرامة عنده حتى قال الصفدي : إنه (رتب له كفاية لا تكون إلا للملوك ، وكان يجيء إليه راكب بغلة ، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه ، فيأتي فيجلسان معاً) ، وهذا الإكرام للإدريسي لم يكن مقصوداً به شخصه وحده ، وإنما كان رجار ينظر من ورائه إلى غرض آخر ، وهو كسب ثقة رعاياه من المسلمين بتقريب هذا العلامة الشريف العلوي والحفاوة به ومعاملته معاملة الأمراء ، فإن الشريف الإدريسي لم يكن يطلب هذا كله ولا نظر إليه ، وإنما كان عالماً وجد فرصة مواتية للعمل وتشجيعاً عليه فانصرف إليه ، وبديهي أن هذه الكرامة أيضاً كانت من نصيب قريبه ورئيس المسلمين في صقلية إذ ذاك : محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود .
    غير أن أحوال المسلمين في صقلية بدأت تتغير بعد وفاة رجار الثاني وتولى ابنه غليالم الأول في سنة 1152 ( 547 – 548 هـ ) ، فإن الولد لم يرث من ملكات أبيه إلا القليل وقد كان كسولاً عنيفاً متعالياً وبخيلاً ، كما يقول معاصروه من المؤرخين النصارى ، ولم يحسن إلى جانب ذلك اختيار نصحائه ورجال دولته ، ولهذا فقد شقي به رعاياه جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، ثم إن الظروف كانت قد تغيرت من حوله ، فقد اشتد ساعد الإمبراطورية التيوتونية وأخذ رجالها يتأهبون لانتزاع جنوب إيطاليا من النرمان ، ومن ناحية أخرى استقام الأمر للموحدين وأقبلوا يضمون شتات المغرب ويستعيدون ما كان النرمان قد استولوا عليه من مواضع على الساحل الإفريقي ، ومالت طائفة من رجال الدولة من النصارى إلى الأباطرة أو الباباوات ، وطبيعي أن تميل أفئدة المسلمين إلى الموحدين أو الأيوبيين ، وهو ميل طبيعي من جماعة إسلامية غلبت على أمرها وباتت ترجو الخلاص ، وسنرى بعد قليل أن آل حمود الصقليين لم يقتصروا على مجرد الرجاء ، بل سعوا بالفعل نحو الخلاص .
    والمهم لدينا الآن أن ظنون غليالم الأول ساءت فيمن حوله من كبار رجال الدولة ، فوقعت الفتنة فيما بينهم من ناحية ، وبينهم وبينه من ناحية أخرى ، وكان لهذا أثره على آل حمود وبقية مسلمي الجزيرة . وقد بدأت الثورة عليه في أملاكه في أبوليا وقلورية وأيدها آل كومنين أباطرة الدولة البيزنطية بأسطول ، وبعد لأي ما استطاع غليالم إطفاء هذه الفتنة وعقد مع البيزنطيين في سنة 1157 ( 552 هـ ) ، قم وثب أهل صفاقس بالنرمان وتزعمهم أبو الحسن الغربياني وابنه ، وقامت الثورة كذلك في معظم جهات الساحل الإفريقي ، ولم تلبث جيوش الموحدين المظفرة أن أقبلت يقودها الخليفة عبد المؤمن بن علي ، واستردت معاقل الشاطئ الإفريقي كلها حتى طرابلس
    وعلى أثر ذلك انقض نصارى بلرم على حين غفلة ، وكان المسلمون يسكنون أغنى أحياء المدينة ، وكان يسمى حي قصارة Cassara وأنزلوا بهم مذبحة دامية ، وقتلوا منهم المئات ، من بينهم الشاعر يحيى بن التيفاشي القابسي ، ويظن أن الإدريسي ترك بلرم في هذه الآونة ، فقد كان يعيش منذ وفاة رجار الثاني على مقربة من القصر مشتغلاً بتأليف كتابه (روض الأندلس ، ونزهة النفس )، وكان ذلك في سنة 577 ( 1161 ) ، وهذه آخر مرة نسمع فيها بذكر جغرافينا العظيم ، وذهب العماد في ( الخريدة ) إلى أن هذه المذبحة كانت سنة 550 ( 1155 – 1156 ) ، ولكن الغالب أنه خلط بينها وبين فتن أخرى مما وقع للمسلمين في صقلية في هذه الفترة العصيبة
    وقد ذكر الحسن الوازن الذي عرف باسم ليون الإفريقي في رحلته أن الإدريسي مات في صقلية سن ة516 هـ ، وهو وهم من الناسخ صححه دي سلين إلى 560 ( 1164 – 1165 ) ، ومن هنا نرى أن تاريخي مولد ووفاة أعظم أنجب العرب من الجغرافيين أخذهما عن مصدرين مشكوك في سلامتهما ، الأول راهب ماروني والثاني رحالة ارتد عن الإسلام .


    --------------------------------------------------------
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    موقع دارة السادة الأشراف
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    مجموعة دارة السادة الأشراف على الفيس بوك :
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    مدير شبكة دارة السادة الأشراف

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 19 نوفمبر - 15:26