دارة السادة الأشراف

مرحبا بك عزيزي الزائر
ندعوك أن تدخل المنتدى معنا
وإن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإنشائه
ونتشرف بدعوتك لزيارة الموقع الرسمي لدارة السادة الأشراف على الرابط :
www.dartalashraf.com

أنساب , مشجرات , مخطوطات , وثائق , صور , تاريخ , تراجم , تعارف , دراسات وأبحاث , مواضيع متنوعة

Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us

    لا تجعل قلبك يتعلق إلا بالله

    شاطر

    محمود محمدى العجوانى
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 367
    البلد : مصر
    العمل : صاحب شركة سياحة
    الهوايات : الدعوة إلى الله
    تقييم القراء : 3
    النشاط : 4049
    تاريخ التسجيل : 10/04/2010

    خاطرة لا تجعل قلبك يتعلق إلا بالله

    مُساهمة من طرف محمود محمدى العجوانى في السبت 4 ديسمبر - 16:53

    [b]بسم الله الرحمن الرحيم


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ
    بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا
    هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .


    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
    اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[ آل عمران
    : 102] . { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
    الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
    مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
    وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [
    النساء : 1] . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
    اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ
    لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً
    عَظِيماً } [ الأحزاب : 70-71 ]
    .أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة
    وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


    إخوة الإسلام


    أولا لابد من معرفة
    بعض الأمور


    الأمر الأول :
    العبادة


    ماهى العبادة
    ؟


    العبادة في اللغة : الذل
    والخضوع ، يقال : بعير معبد ، أي : مذلل ، وطريق معبد : إذا كان مذللا قد وطئته
    الأقدام .


    وشرعا : هي اسم جامع لكل
    ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .


    وهي تبنى على
    ثلاثة أركان :


    الأول : كمال الحب
    للمعبود سبحانه ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ }
    (البقرة : 165) .


    الثاني : كمال الرجاء ،
    كما قال تعالى : { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } (الإسراء : 57) .


    الثالث : كمال الخوف من
    الله سبحانه ، كما قال تعالى : { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } (الإسراء : 57) .


    وقد جمع الله سبحانه بين
    هذه الأركان الثلاثة العظيمة في فاتحة الكتاب في قوله سبحانه : { الْحَمْدُ
    لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }{ مَالِكِ يَوْمِ
    الدِّينِ } ، فالآية الأولى فيها المحبة ؛ فإن الله منعم ، والمنعم يُحبُّ على قدر
    إنعامه ، والآية الثانية فيها الرجاء ، فالمتصف بالرحمة ترجى رحمته ، والآية
    الثالثة فيها الخوف ، فمالك الجزاء والحساب يخاف عذابه .


    ولهذا قال تعالى عقب ذلك
    : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، أي : أعبدك يا رب هذه الثلاث : بمحبتك التي دل عليها :
    { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ورجائك الذي دل عليه : { الرَّحْمَنِ
    الرَّحِيمِ } ، وخوفك الذي دل عليه : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .


    والعبادة لا
    تقبل إلا بشرطين :


    1 - الإخلاص فيها
    للمعبود ؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه سبحانه ، قال تعالى : {
    وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (البينة
    : 5) ، وقَال تعالى : { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } (الزمر : 3) ، وقال
    تعالى : { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي } (الزمر : 14) .


    2 - المتابعة للرسول صلى
    الله عليه وسلم ؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول صلى الله
    عليه وسلم ، قال الله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
    نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (الحشر : 7) ، وقَال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ
    لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
    فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (النساء :
    65) .


    وقوله صَلَّى اللَّهُ
    عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ
    رَدٌّ (أي مردود عليه) . [1]


    وقوله صَلَّى اللَّهُ
    عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ .[2]


    فلا عبرة بالعمل ما لم
    يكن خالصا لله صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الفضيل بن عياض
    رحمه الله في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } (هود :
    7 ، الملك : 2) : " أخلصه وأصوبه " ، قيل : يا أبا علي ، وما أخلصه
    وأصوبه ؟ قال : " إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان
    صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا ، والخالص ما كان لله ، والصواب
    ما كان على السنة " [3]


    ومن الآيات الجامعة
    لهذين الشرطين قوله تعالى في آخر سورة الكهف : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
    مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ
    يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
    بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } (الكهف : 110) .


    الأمر الثانى :
    أنه لا يجوز العدول عن سنة النبى صلى الله عليه وسلم لقول أى أحد كائنا من كان .


    قال علي رضي الله عنه :]اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ
    واعرف الحق تعرف أهله ]


    وما أحسن قول أرسطو لما
    خالف أستاذه أفلاطون (( تخاصم الحق وأفلاطون وكلاهما صديق لي والحق أصدق منه))


    وقال الشيخ أحمد زروق في
    عمدة المريد الصادق ما نصه ((قال أبو إسحاق الشاطبي كل ما عمل به المتصوفة
    المعبرون في هذا الشأن - يعني كالجنيد وأمثاله - لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له
    أصل في الشريعة فهم خلفاؤه كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك وإن لم
    يكن له أصل في الشريعة فلا أعمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد
    من الأمة حجة على السنة ولأن السنة معصومة عن الخطأ وصاحبها معصوم وسائر الأمة لم
    تثبت لهم العصمة إلا مع إجماعهم خاصة وإذا أجمعوا تضمن إجماعهم دليلاً شرعياً
    والصوفية والمجتهدون كغيرهم ممن لم يثبت لهم العصمة ويجوز عليهم الخطأ والنسيان
    والمعصية كبيرها وصغيرها والبدعة محرمها ومكروهها ولذا قال العلماء كل كلام منه
    مأخوذ ومنه متروك إلا ما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام قال وقد قرر ذلك
    القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير فقال فإن قيل فهل يكون الولي معصوماً قيل أما
    وجوباً كما يكون للأنبياء فلا وأما أن يكون محفوظاً حتى لا يصر على الذنوب وإن
    حصلت منهيات أو زلات في أوقات فلا يمنع في وصفهم قال ولقد قيل للجنيد رحمه الله
    ((العارف يزني)) فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال ((وكان أمر الله قدراً مقدوراً ))
    وقال فهذا كلام منصف فكما يجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغير ذلك يجوز عليهم
    البدع فالواجب علينا أن نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه
    وما لم يقبلاه تركناه .


    الأمر الثالث
    : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( اتِّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتُم ))
    رواه الدارمي


    وحدَّ الشاطبي للبدعة
    الشرعية حداً ضبطها به ، فقال " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد
    بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه " . [4]


    ثم شرح الحدّ ، وذكر في
    شرحه أن قوله " في الدين " أخرج المبتدعات الدنيوية ، وقوله "
    تضاهي الشرعية " أي تشابه الطريقة المشروعة من حيث إن المبتدع جعل لبدعته
    رسوماً وهيئة واجتماعاً وخصها بخصائص كما للسنن الشرعية ، فمن أمثلة البدع التي
    التزم أصحابها هيئة وكيفية معينة لم يرد بها الشرع : الذكر الجماعي بصوت واحد ،
    واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً .


    وعن محمد بن عجلان عن عبيدالله بن عمر أن عمر بن
    الخطاب قال اتقوا الرأي في دينكم قال سحنون يعني البدع .


    وعن ابن عجلان عن صدقة
    بن أبي عبدالله أن عمر بن الخطاب كان يقول إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن
    يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا
    السنن برأيهم فإياكم وإياهم .


    عن عمرو بن حريث قال قال
    عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن
    يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا .


    قال أبو بكر بن أبي داود
    في قصيدته في السنة


    ودع عنك آراء الرجال
    وقولهم *** فقول رسول الله أزكى وأشرح


    وعن مسروق عن ابن مسعود
    قال ليس عام إلا والذي بعده شر منه ولا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام
    ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم
    فيهدم الإسلام ويثلم


    وقال مالك بن أنس : قبض
    رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار
    رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نتبع الرأي فإنه متى أتبع الرأي جاء رجل آخر
    أقوى في الرأي منك فأتبعته فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته أرى هذا لا يتم


    وعن الأوزاعي قال عليك
    بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول .


    ومن أكبر مصائب هذا
    الزمان هو تقديس الرجال ويكاد الكثيرين يعتقدون بعصمة عالم معين ، وهذا مما لا شك
    فيه خطر كبير ،فأخذوا يتحاججون بقول فلان وفلان ولا يحاججونك بقال الله قال رسوله
    والله المستعان فأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها ، لذلك كله، وتسهيلاً لطالب
    الحق، ولطالب العلم، وتبياناً للحق، وتنويراً لهؤلاء أعددنا هذه الرسالة المختصرة
    حول خطورة التقليد .


    فقد أمرنا الله تعالى
    باتباع كتابه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من القرآن ، فقال
    تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ، وقال
    تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } ، وقال تعالى : {
    فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
    أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وقال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
    آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ
    تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ
    يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ
    الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } الآية .


    وقد قال الله تعالى
    حاكياً عن بعض المقلدين على الضلال :- { يوم تقلب وجوهم في النار يقولون يا ليتنا
    أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا
    السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً } ( ) .


    فسوء عاقبة التقليد
    الأعمى خطيرة للغاية


    قال الله تعالى : { أم
    آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا
    على آثارهم مهتدون *


    وكذلك ما أرسلنا من قبلك
    في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم
    مقتدون } ( ) .


    وكما قيل في الاثر :-


    ما الفرق بين
    مقلدٍ في دينه وبهيمة عمياء قاد زمامها


    راضٍ بقائده
    الجهول الحائر أعمى على عوج الطريق
    الجائر


    ويرحم الله الإمام
    الشوكاني إذ يقول بعد تفسير الآيات المتقدمة : " وهذا من أعظم الأدلة الدالة
    على بطلان التقليد وقبحه ، فإن هؤلاء المقلده في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم
    بغير دليل نير ولا حجة واضحة بل مجرد قال وقيل ... الخ كلامه " .


    وأوصى الأئمة رحمهم الله
    أصحابهم بعدم التقليد وأوجبوا عليهم الأخذ بالدليل لأنه الفرض واللازم على جميع
    المسلمين ، فمن ظهر له الدليل وجب عليه اتباعه وترك ما عداه ، قال تعالى : {
    اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ
    دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } .


    وقد شهد الله تعالى
    بالهداية لمن أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما في سورة النور : { وَإِنْ
    تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } .


    ومن ترك الدليل لقول أبي
    حنيفة أو مالك والشافعي أو أحمد فقد خالف الأصل الذي أجمع عليه المسلمون .


    أما يفعله بعض الناس من
    التعصب لإمام مذهب من ينتسبون إليه فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة
    المذاهب ، فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب ، فالواجب على المسلم أن ينصر
    الدليل وأن يأخذ به ، سواء كان مع المالكي أو الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي
    أوالظاهري أو مع غيرهم ، فلم يحصر الله تعالى الحق في هذه المذاهب ، فاصحابها بشر
    يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين من الزلل والخطأ .


    وقد قال
    الله عز وجل { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }
    . وقال سفيان : الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم .


    وأمر
    الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان : أمر ظاهر بعمل الجوارح ، كالصلاة والصيام والحج
    والجهاد ونحو ذلك .


    وأمر باطن
    تقوم به القلوب ، كالإيمان بالله ومعرفته ومحبته وخشيته وإجلاله وتعظيمه والرضا
    بقضائه والصبر على بلائه .


    ولقد حرص الصحابة
    والسلف من بعدهم على امتثال أمره صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته لمعرفتهم بما
    يترتب على ذلك . ** فقد أفتى عمر السائل الثقفي في المرأة التي حاضت بعد أن زارت
    البيت يوم النحر ألا تنفر، فقال له الثقفي : إن رسول الله أفتاني في مثل هذه
    المرأة بغير ما أفتيت به ، فقام عمر إليه يضربه بالدرة ويقول له :لم تستفتيني في
    شيء قد أفتى فيه رسول الله ؟


    ** وكان ابن مسعود
    أفتى بأشياء فأخبره بعض الصحابة عن النبي ( بخلافه ، فانطلق عبد الله إلى الذين
    أفتاهم فأخبرهم أنه ليس كذلك .


    ** وقال عمر بن عبد
    العزيز : لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله .


    وقد قال العلامة
    الألبانى فى كتابه (الحديث حجة بنفسه - (1 / 73) )


    ** والخلاصة أنه يجب
    على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم
    به سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواترا أم آحادا وسواء أكان الآحاد
    عنده يفيد القطع واليقين أو الظن الغالب على ما سبق بيانه فالواجب في كل ذلك
    الإيمان به والتسليم له وبذلك يكون قد حقق في نفسه الاستجابة المأمور بها في قول
    الله تبارك وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما
    يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون }


    التقليد
    واتخاذه مذهبا ودينا


    حقيقة التقليد والتحذير منه : إن التقليد في
    اللغة مأخوذ من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها ومنه تقليد الهدي فكأن المقلد
    جعل ذلك الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق من قلده .


    واصطلاحا هو العمل
    بقول الغير من غير حجة فيخرج العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعمل
    بالإجماع ورجوع العامي إلى المفتي ورجوع القاضي إلى شهادة العدول فإنها قد قامت
    الحجة في ذلك . وقد أفادنا هذا النص الأصولي أمرين هامين :


    الأول : أن التقليد
    ليس بعلم نافع


    والآخر : أنه وظيفة
    العامي الجاهل


    ولا بد لبيان حقيقة هذين الأمرين من الوقوف
    عندهما قليلا والنظر إلى كل منهما على ضوء الكتاب والسنة مستشهدين على ذلك بأقوال
    الأئمة ثم نتبع ذلك بالنظر في أحوال المتبعين لهم بزعمهم ومدى صحة اتباعهم
    لأقوالهم .


    أما أن التقليد ليس
    بعلم فلأن الله تعالى قد ذمه في غير ما آية في القرآن الكريم ولذلك تتابعت كلمات
    الأئمة المتقدمين على النهي عنه وقد عقد إمام الأندلس ابن عبد البر رحمه الله
    تعالى في كتابه الجليل ( جامع بيان العلم وفضله ) بابا خاصا في تحقيق ذلك فقال ما
    ملخصه ( 2 / 109 - 114 ) : باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع :
    قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال : [ اتخذوا أحبارهم
    ورهبانهم أربابا من دون الله ] وروي عن حذيفة وغيره قالوا : " لم يعبدوهم من
    دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم " وقال عدي بن حاتم :
    " أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليب فقال لي : " يا
    عدي ألق هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة ( براءة ) حتى أتى على هذه
    الآية : [ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ] قال : قلت : يا رسول الله
    إنا لم نتخذهم أربابا قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون ما أحل
    الله لكم فتحرمونه ؟ فقلت : بلى فقال : تلك عبادتهم . وقال عز وجل : [ وكذلك ما أرسلنا
    من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على
    آثارهم مقتدون . قال : أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ؟ ] فمنعهم
    الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا : [ إنا بما أرسلتم به كافرون ] وقال جل
    وعز عائبا لأهل الكفر وذاما لهم : [ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ قالوا
    : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ] . ومثل هذا في القرآن كثير من ذمه تقليد الآباء
    والرؤساء . وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك
    من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع
    التشبيه بين التقليدين ( في كونهما اتباعا ) بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجلا فكفر
    وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير
    حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه "


    ثم روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : " اغد
    عالما أو متعلما ولا تغد إمعة فيما بين ذلك "


    ومن طريق أخرى عنه قال
    : " كنا ندعوا الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو
    فيكم اليوم المحقب دينه الرجال " يعني المقلد .


    وعن ابن عباس
    رضي الله عنهما قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم". قيل: وكيف ذاك يا
    أبا العباس؟، قال : "يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي صلى
    الله عليه وسلم فيدع ما كان عليه" وفي لفظ: "فيلقى من هو أعلم برسول
    الله صلى الله عليه وسلم منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم".


    ثم قال ابن عبد البر : " وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " تذهب العلماء ثم
    تتخذ الناس رؤوسا جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون " وهذا كله نفي
    للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده . . . . . ولا خلاف بين أئمة الأمصار في
    فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار ونقله ابن القيم في " الإعلام " ( 2
    / 294 - 298 )


    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : " لا
    يجوز الفتوى بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام ولا خلاف بين الناس أن
    التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم " ( الإعلام 1 / 51 ) .


    وكذلك قال السيوطي :
    إن المقلد لا يسمى عالما كما نقله أبو الحسن السندي الحنفي في أول حاشيته على ابن
    ماجه وجزم به الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 236 ) فقال : " إن التقليد جهل وليس
    بعلم " وهذا يتفق مع ما جاء في كتب الحنفية


    أنه لا يجوز تولية
    الجاهل على القضاء . ففسر العلامة ابن الهمام ( الجاهل ) بالمقلد .


    نهي الأئمة
    عن التقليد :


    جاء فى كتاب صفة
    الصلاة - (1 / 45) للعلامة الألبانى


    أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم
    المخالفة لها


    ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو
    بعضها لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات تقليدا أعمى -
    ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء والله عز وجل يقول : اتبعوا
    ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون .


    أ - أبو
    حنيفة رحمه الله


    فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه
    الله وقد روي عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو
    وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها :


    1 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( ابن عابدين
    في " الحاشية " 1 / 63 )


    2 - ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من
    أين أخذناه ) . ( ابن عابدين في " حاشيته على البحر الرائق " 6 / 293 )


    وفي رواية : ( حرام
    على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )


    زاد في رواية : ( فإننا بشر نقول القول اليوم
    ونرجع عنه غدا )


    وفي أخرى : ( ويحك يا يعقوب ( هو أبو يوسف ) لا
    تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه
    بعد غد )


    3 - ( إذا قلت قولا
    يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي ) ( الفلاني
    في الإيقاظ ص 50 )


    4- وقال أبو حنيفة: ( لا
    يحلُّ لمن يُفتي من كُتُبي أن يُفتي حتى يعلم من أين قلتُ ).


    ب - مالك بن
    أنس رحمه الله وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال :


    1 - ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي
    فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) . ( ابن
    عبد البر في الجامع 2 / 32 )


    2 - ( ليس أحد بعد
    النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم )
    . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 91 ) وقال
    أيضا : كل منا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار بيده إلى قبر النبي ـ
    صلى الله عليه وسلم


    3 - قال ابن وهب :
    سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال : ليس ذلك على الناس . قال
    : فتركته حتى خف الناس فقلت له : عندنا في ذلك سنة فقال : وما هي قلت : حدثنا
    الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد
    الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه
    وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه . فقال : إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط
    إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع . ( مقدمة الجرح والتعديل
    لابن أبي حاتم ص 31 - 32 )


    ج - الشافعي رحمه الله


    وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في
    ذلك أكثر وأطيب


    وأتباعه أكثر عملا بها
    وأسعد فمنها :


    1 - ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله
    صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
    قولي ) . ( تاريخ دمشق لابن عساكر 15 / 1 / 3 )


    2 - ( أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة
    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ) . ( الفلاني ص 68
    )


    3 - ( إذا وجدتم في
    كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه
    وسلم ودعوا ما قلت ) . ( وفي رواية ( فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ) . (
    النووي في المجموع 1 / 63 )


    4 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( النووي 1 /
    63 )


    5 - ( أنتم أعلم
    بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون : كوفيا أو
    بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا ) . ( الخطيب في الاحتجاج بالشافعي 8
    / 1 )


    6 - ( كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى
    الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي ) .
    ( أبو نعيم في الحلية 9 / 107 )


    7 - ( إذا رأيتموني أقول قولا وقد صح عن النبي
    صلى الله عليه وسلم خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب ) . ( ابن عساكر بسند صحيح 15 /
    10 / 1 )


    8 - ( كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه
    وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني ) . ( ابن عساكر بسند صحيح
    15 / 9 / 2 )


    9 - ( كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو
    قولي وإن لم تسمعوه مني ) . ( ابن أبي حاتم 93 - 94 )


    د - أحمد بن حنبل رحمه الله


    وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة
    وتمسكا بها حتى ( كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ) ولذلك قال :


    1 - ( لا تقلدني ولا
    تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ) . ( ابن القيم
    في إعلام الموقعين 2 / 302 )


    وفي رواية : ( لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما
    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير )



    وقال مرة : ( الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن
    النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير ) . ( أبو داود
    في مسائل الإمام أحمد ص 276 - 277 )


    2 - ( رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة
    كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 /
    149 )


    3 - ( من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
    فهو على شفا هلكة ) . ( ابن الجوزي في المناقب ( ص 182 )


    4- وقال أيضا: ( عجبت
    لأناس يعرفون الحديث وأسناده ويأخذون برأي سفيان) ويقصد برأي سفيان الثوري الذي هو
    خير علماء السلف وليس أي عالم فما بالك في فلان وعلان في عصرنا !!


    5- وقال الإمام أحمد: (
    من قِلة علم الرجل أن يقلِّد دينه علوم الرجال ).


    تلك هي أقوال الأئمة
    رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من
    الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في
    السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل
    هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك
    السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة
    والله تعالى يقول : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في
    أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما .


    وقال تعالى : فليحذر
    الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .


    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى :


    ( فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله
    عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي
    عظيم من الأمة فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأى
    أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل
    مخالف سنة صحيحة وربما أغلظوا في الرد لا بغضا له بل هو محبوب عندهم معظم في
    نفوسهم لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق فإذا تعارض أمر الرسول
    وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن
    كان مغفورا له بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر
    الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه


    قلت : كيف يكرهون ذلك وقد أمروا به أتباعهم كما
    مر وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة بل إن الشافعي رحمه الله أمر
    أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه ولو لم يأخذ بها أو أخذ بخلافها ولذلك لما
    جمع المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة
    الأربعة الحديث فيها انفرادا واجتماعا في مجلد ضخم قال في أوله : ( إن نسبة هذه المسائل
    إلى الأئمة المجتهدين حرام وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها لئلا يعزوها
    إليهم فيكذبوا عليهم )


    ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعا للسنة


    ولذلك كله كان أتباع
    الأئمة ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها بل قد
    تركوا كثيرا منها لما ظهر لهم مخالفتها للسنة حتى أن الإمامين : محمد بن الحسن
    وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة ( في نحو ثلث المذهب ) وكتب
    الفروع كفيلة ببيان ذلك ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي
    وغيره ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام ولخرجنا به عما قصدنا إليه
    في هذا البحث من الإيجاز فلنقتصر على مثالين اثنين :


    1 - قال الإمام محمد في " موطئه " ( ص
    158 ) : ( قال محمد : أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة وأما
    في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه ) إلخ


    2 - وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام
    محمد ومن الملازمين للإمام أبي يوسف ( كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيرا
    لأنه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به " ولذلك ( كان يرفع
    يديه عند الركوع والرفع منه ) كما هو في السنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم
    فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها وذلك ما يجب أن يكون عليه
    كل مسلم بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم


    وصدق أحمد المعلم حينما
    قال


    الله أكْبَرَ فِي
    الدِّفَاعِ سَأَبْتَدِي ... وَهُوَ المُعِينُ عَلَى نَجَاحِ المَقْصَدِ


    وَهُوَ الذِي نَصَرَ
    النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ... وَسَيَنْصُرُ المُتَّبِعِينَ لأَحْمَدَ


    وَبِهِ أَصُولُ عَلَى
    جَمِيعِ خُصُومِنَا ... وَأَعُدُّهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يَعْتَدِي


    سَأَسُلُّ سَهْمًا فِي
    كِنَانِةِ وَحْيِهِ ... وَبِهِ أَشُدُّ عَلَى كَتائبِ حُسَّدِي


    وَبِهِ سَأَجْدَعُ
    أَنْفَ كُلِّ مُكَابِرٍ ... وَبِهِ سَأَرْصُدُ لِلْكَفُورِ المُلْحِدِ


    وَسَأَسْتَجِيرُ بِذِي
    الجَلالِ وَذِي العُلا ... فَلَنْ أُضَامَ إِذَا اسْتَجَرْتُ بِسَيِّدِي


    وَسَأَسْتمِدُّ العَوْنَ
    مِنْهُ عَلَى الذِي ... لَمَزَ الأَحِبَّةَ بِالكَلامِ المُفْسِدِ


    حَتَّى أُشّتِّتَ
    شَمْلَهُمْ بِأَدِلَّةٍ ... مِثْلَ الصَّوَاعِقِ فِي السَّحِابِ الأَسْوَدِ


    وَبِنُورِ وَحْي الله
    أَكْشِفُ جَهْلَهُمْ ... حَتَّى يُبَيِّنَ عَلَى رُؤُوسِ المَشْهَدِ


    لا تَلْمِزُونَا يَا
    خَفَافِيشَ الدُّجَا ... بِتَطَرُّفٍ وَتَسَرُّعٍ وَتَشَدُّدِ


    لا تَقْذِفُونَا
    بِالشُّذُوذِ فَإِنَّنَا ... سِرْنَا عَلَى نَهْجِِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ


    وَلِكُلِّ قَوْل
    نَسْتَدِلُّ بِآيَةٍ ... أَوْ بِالحَدِيثِ المُسْتَقِيمِ المُسْنَدِ


    وَالنَّسْخَ نَعْرِفُ
    وَالعُمُومَ وَأَنَّنَا ... مُتَفَطِّنُونَ لِمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدِ


    وَنُصُوصُ وَحْي اللهِ
    نُتْقِنُ فَهْمَهَا ... لا تَحْسِبُونَ الفَهْمَ كَالرأْي الرَّدِي


    وَإِذَا تَعَارَضَتِ
    النُّصُوصُ فَإِنَّنَا ... بِأُصُولِ سَادَتِنَا الأئمةِ نَهْتَدِي


    وَنُحَارِبُ
    التَّقْلِيدَ طُولَ زَمَانِنَا ... مَعُ حُبِّنَا لِلْعَالِمِ المُتَجَرَّدِ


    وَكَذَا الأَئِمَّةُ
    حُبُّهُم مُتَمَكَّنٌ ... مِنْ كُلِّ نَفْسٍ يَا بَرِيَّةُ فَاشْهَدِي


    وَتَرِقُّ أَنْفُسُنَا
    لِرُؤْيَةِ مَنْ غَدَا ... فِي رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ شِبْهَ مُقَيَّدِ


    إِنَّا نَرِى
    التَّقْلِيدَ دَاءً قَاتِلاً ... حَجَبَ العُقُولَ عَنِ الطَّرِيقِ الأَرْشَدِ


    جَعَلَ الطَّرِيقَ عَلَى
    المُقَلِّدَ حَالِكًا ... فَتَرَى المُقَلَّدَ تِائِهًا لا يَهْتَدِي


    فَلِذَا بَدَأْنَا فِي
    اجْتِثَاثِ جُذُورِهِ ... مِنْ كُلِّ قَلْبٍ خَائِفٍ مُتَرَدِّدِ


    وَلَسَوْفَ نَدْمُلُ
    دَاءَهُ وَجِرَاحَهُ ... بِمَرِاهِمِ الوَحْيِ الشَّرِيفِ المُرْشِدِ


    نَدْعُو إِلَى
    التَّوْحِيدِ طُولَ حَيَاتِنَا ... فِي كُلِّ حِينٍ فِي الخَفَا وَالمَشْهَدِ


    وَنُحَارِبُ الشِّرْكِ
    الخَبِيثَ وَأَهْلَهُ ... حَرْبًا ضَرُوسًا بِاللَّسِانِ وَبِاليدِ


    وَكَذَلِكَ البِدَعُ
    الخَبِيثَةُ كُلَّهَا ... نَقْضِي عَلَيْهَا دونَ بَابِ المَسْجِدِ


    هَذِي طَرِيقَتُنَا
    وَهَذَا نَهْجُنَا ... فَعَلامَ أَنْتُمْ دُونَنَا بِالمَرْصَدِ


    لِمَا تَطْعَنُونَا
    وَتَلْمِزُونَا كَأَنَّنَا ... جِئْنَا بِرَأْيٍ لِلْعَقِيدَةِ مُفْسِدِ


    أَلِمَذْهَبٍ
    وَلِعَادَةٍ وَحُكُومَةٍ ... تَتَهَرَّبُونُ مِنَ الحَدِيثِ المُسْنَدِ


    هَذَا الحَدِيثُ
    تَلألأتْ أَنْوَارُهُ ... رَغْمَ الجَهُولِ وَرَغْمَ كُلِّ مُقَلِّدِ


    إِنْ كُنْتُمْ
    تَتَضَرَّرُونَ بِنُورِهِ ... فَالشَّمْسُ تَطْلَعُ رَغْمَ أَنْفِ الأَرْمَدِ


    بِاللهِ قُولُوا مَا
    الذِي أَنْكَرْتُمُوا ... عَلَى البَرِيَّةَ لِلْحَقِيقَةِ تَهْتَدِي


    هَدَّدْتُمونَا
    بِالمَذَاهِبِ بِعْدَ مَا ... وَضَحَ الدَّلِيلُ فَبِئْسَ مِِنْ مُتَهَدِّدِ


    وَبهتُمُونَا
    بِالقَبَائِحِ كُلِّهَا ... وَعَرَضْتُمُونَا بِالقَنَاعِ الأَسْوَدِ


    وَرَفَعْتَمُونَا
    لِلْوُلاةِ تَشَفِّيًا ... وَفَرَحْتُمُوا بِتَهَدُّدٍ وَتَوَعُّدِ


    لاكِنَّنَا لُذْنَا
    بِبَابِ إِلَهِنَا ... فَأَرَاحَنَا مِنْ كُلِّ خِصْمٍ مُعَْتَدِ


    وَجَلا الحقيقةَ
    لِلْمَلأ فَخَسَأْتُمُوا ... وَالسُّوءُ يَظْهَرُ مِنْ خَبِيثِ المَقْصَدِ


    يَا مَعْشَرِ
    الإِخْوَانِ سِيرُوا ... وَأَبْشِرُوا وَثِقُوا بِنَصْرِ الوَاحِدِ المُتَفَرِّدِ


    وَلِتُعْلِنُوهَا
    لِلْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... إِنَّا بِغَيْرِ مُحَمَّدٍ لا نَقْتَدِي


    لا نَطْلُبُ الدُّنْيَا
    وَلا نَسْعَى لَهَا ... اللهُ مَقْصَدُنَا وَنِعمَ المَقْصَدِ


    لَيْسَ المَنَاصِبُ
    هَمَّنَا وَمُرَادُنَا ... كَلا وَلا ثَوْبِ الخَدِيعَةِ نَرْتَدِي


    إِنَّا لنَسعْى فِي
    صَلاحِ نُفُوسِنَا ... بِعلاجِ أَنْفُسِنَا المَرِيضَةِ نَبْتَدِي


    وَنُحِبُّ أَنْ نَهْدِي
    البَرِيَّةِ كُلِّهَا ... نَدَعُ الْقَرِيب قَبِيلَ نُصْحِ الأَبْعَدِ


    وَبِوَاجِبِ المعروفِ
    نأْمر قَوْمَنَا ... وَنَقُومُ صَفَّا في الطَّرِيقِ المُفْسِدِ


    لَو تُبْصِرُ الإِخْوانَ
    في حَلَقَاتِنَا ... مِنْ عَالِمٍ أَوْ طالب مسترشدِ


    لَرَأَيْتَ عِلْمًا
    وَإِتِّبَاعًا صَادِقًا ... لِلسُّنَّةِ الغَرَّاءِ دُونَ تَرَدُّدِي


    أَنْعِمْ بطلاب الحديثِ
    وأَهْلِهِ ... وَأجِلُّهُم عن كل قَوْلِ مُفْسِدِ


    هُمْ زِينةُ الدُّنْيَا
    مَصَابِيحُ الهُدَى ... طُلَعُوا عَلَى الدُّنْيَا طُلُوع الغَرْقَدِ


    وَرِثُوا النَّبِيِّ
    فَأَحْسَنُوا فِي إِرْثِهِ ... وَحَمَوْهُ مِنْ كَيْدِ الخَبِيثِ المُعْتَدِي


    سَعِدُوا بِهَدْي
    مُحَمَّدٍ وَكَلامِهِ ... وَسِوَاهُمُ بِكَلامِهِ لَمْ يَسْعُدِ


    وَالدِّينُ قَالَ اللهُ
    قَالَ رَسُوله ... وَهُمْ لِدِينِ اللهِ أَفْضَلُ مُرْشِدِ


    وَالفِقْهُ فَهْمُ
    النَّصِ فَهْمًا وَاضِحًا ... مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَأْوِيلٍ رَدِيْ


    لا تَحْسَبَنَّ الفَقْه
    مَتْنًا خَالِيًا ... مِنْ كُلِّ قَولٍ لِلْمُشَرِّعِ مُسْنَدِ


    فَعَلَيْكَ
    بِالوَحْيَيْنِ لا تَعْدُوهُمَا ... وَاسْلُكْ طَرِيقهُمَا بِفهْمِ جَيِّدِ


    فَإِذَا تَعَذَّرَ
    فَهْمُ نَصٍّ غَامِضٍ ... فَاسْتَفْتِ أَهْلَ الذِّكْرِ كَالمُسْتَرْشِدِ


    بِالبَيَّنَاتِ
    وَالزَّبُورِ فَإِنَّهُ ... مِنْ أَمْرِ رَبَّكَ فِي الكِتابِ فَجَوِّدِ


    وَاعلم بأنَّ مَن
    اقْتَدَى بِمُحَمَّدٍ ... سَيَنَاله كَيْدُ الغُوَاةِ الحُسَّدِ


    وَيَذوق أَنْواعَ
    العَدَاوةِ وَالأَذَى ... مِنْ جَاهِلٍ وَمُكَابِرٍ وَمُقَلَّدِ


    فَاصْبِرْ عَلَيْهِ
    وَكُنْ بِرَبَّكَ وَاثِقًا ... هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى الهُدَى وَالسُّؤْدَدِ [5]


    وصدق شاعر اخر:


    العلم قال الله قال
    رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه


    ما العلم نصبك للخلاف
    سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه


    وقال بعضهم:


    كل العلوم سوى القرآن
    مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين


    العلم ما كان فيه قال
    حدّثنا وما سوى ذاك فوسواس الشياطين


    فالموفق من جعل كتاب
    الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حكماً على قول كل أحد ، وإن خالفه من خالفه أو
    بدّعه من بدّعه ، فقد جرت عادة المقلدين والمتعصبين في تبديع مخالفيهم وتضليلهم ،
    وهذا شأن كل مبطل ومنحرف عن الحق والصراط المستقيم إذا عجز عن إقامة الحجة والدليل
    ، لجأ إلى مثل هذه الأفاعيل .


    قال ابن عباس رضي الله
    عنهما: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع
    وتموت السنن".


    وعن جابر بن زيد أن ابن
    عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا
    بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت".


    وعن عبد الله بن عباس
    رضي الله عنهما أنه قال : "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى
    الشيطان هلاكا مني . فقيل: كيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب
    فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه".


    وعنه رضي الله عنه أنه
    قال : "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع".


    وعن معاذ بن جبل رضي
    الله عنه قال : "أوشك قائل من الناس يقول : قد قرأت القرآن ولا أرى الناس
    يتبعوني، ما هم متبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدُع فإن كل ما ابتدُع
    ضلالة".


    وعنه أنه قال :
    "أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع
    والتبدع والتنطع وعليكم بأمركم العتيق".


    وعن ابن عمر رضي الله
    عنهما قال : "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة".


    وعن الحسن البصري قال :
    "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا".


    وعنه قال: "لا
    تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك".


    وعن أيوب السختيانى أنه
    كان يقول : "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا".


    وعن سفيان الثوري قال :
    "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره. وإما أن
    يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله في النار . وإما أن يقول والله ما أبالي ما
    تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه".


    وقال : "البدعة أحب
    إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها".


    وعن أبي قلابة أنه قال :
    "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو
    يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون".


    وهذا ابن
    مسعود ينكر على قوم يذكرون الله ولكن ليس على طريقة وهدى النبى صلى الله عليه وسلم


    ** عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ
    ، قَالَ : كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَبْلَ
    صَلاَةِ الْغَدَاةِ ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ،
    فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ، فَقَالَ : أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو
    عَبْدِ الرَّحْمَانِ بَعْدُ ؟ قُلْنَا : لاَ ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ ،
    فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : يَا
    أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَانِ ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا
    أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ ، وَالْحَمْدُ ِللهِ ، إِلاَّ خَيْرًا ، قَالَ : فَمَا
    هُوَ ؟ فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ , قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ
    قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا ، يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ
    ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى , فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِئَةً ، فَيُكَبِّرُونَ
    مِئَةً ، فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِئَةً , فَيُهَلِّلُونَ مِئَةً ، وَيَقُولُ :
    سَبِّحُوا مِئَةً , فَيُسَبِّحُونَ مِئَةً ، قَالَ : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟
    قَالَ : مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا ، انْتِظَارَ رَأْيِكَ ، أَوِ انْتِظَارَ
    أَمْرِكَ ، قَالَ : أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ ،
    وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا
    مَعَهُ ، حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ،
    فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ
    الرَّحْمَانِ ، حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ ، وَالتَّهْلِيلَ ،
    وَالتَّسْبِيحَ ، قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ
    يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، مَا
    أَسْرَعَ هَلَكَتِكُمْ ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم
    مُتَوَافِرُونَ ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ،
    وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ
    مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ؟! أَوْ مُفْتَتِحُوا بَابَ ضَلاَلَةٍ ؟ قَالُوا : وَاللهِ ،
    يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَانِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ ، قَالَ : وَكَمْ
    مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم
    حدَّثنا ؛ أَنَّ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ.


    وَايْمُ اللهِ ، مَا
    أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ.


    فَقَالَ عَمْرُو بْنُ
    سَلِمَةَ : رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ ، يُطَاعِنُونَا يَوْمَ
    النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ. [6]


    فهؤلاء ذكروا
    الله ولكن على غير هدى النبى صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المسلمين مع الخوارج .
    فكيف بمن أشركوا بالله ترى مع أى فريق يكونون مع المسلمون أم مع الكافرون ؟


    وعنه أنه قال :
    "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة".


    وَقَالَ ابْنُ
    مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ : " أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ
    دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ
    فِي الشَّرِّ "


    وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
    بْنُ الْمُعْتَزِّ : " لَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةٍ تُقَادُ وَإِنْسَانٍ
    يُقَلِّدُ "


    وقال حذيفة:
    "اتبعوا سبيلنا، فلئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن خالفتمونا لقد
    ضللتم ضلالاً بعيداً".


    * وأنكر علي بن الحسين
    بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم على رجل رآه يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي
    صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو .


    * وسأل رجل الإمام
    مالكاً عن الإحرام بالعمرة من المسجد بدلاً عن الميقات فقال : لا تفعل فإني أخاف
    عليك الفتنة .


    فقال الرجل " ومافي
    هذا من الفتنة ؟ إنما هي أميال أزيدها " !


    فقال الإمام مالك "
    وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسوله صلى
    الله عليه وسلم "


    ولقد حارب السلف هذا
    النوع من التقليد وذموه واعتبروه مزلقا خطيرا يحرف المسلم وينحيه عن المنبع الذي
    يستمد منه دينه، ويجعله عرضة لكل بدعة، ومنقادا لكل شبهة، وتبعا لكل ناعق وإضافة
    إلى ذلك فإن التقليد له صلة وثيقة بالبدعة فالبدعة تؤخذ في غالب الأمر تقليدا لشيخ
    يعظم أو والد يحترم أو مجتمع تقدس فيه عاداته، ولذلك كان التقليد والابتداع سببين
    رئيسيين في ضلال الأمم وانحرافها عن منهج أنبيائهم.


    وقد حكى الله في كتابه
    العزيز عن بني إسرائيل أنهم سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها من الأصنام
    مقلدين في ذلك من مرّوا عليهم من عباد الأصنام قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي
    إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ
    قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
    قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا
    كَانُوا يَعْمَلُونَ}، كما ذكر سبحانه أن ما وقع فيه اليهود والنصارى من الكفر
    بقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله إنما هو نتيجة التقليد
    لمن قبلهم من الوثنيين قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
    وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ
    بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ
    اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.


    كما ذم سبحانه صنيع
    اليهود والنصارى مع علمائهم حيث قلدوهم في جميع ما يقولون، فأحلوا لهم ما حرم
    الله، وحرموا عليهم ما أحل الله قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
    وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}.


    كما ذم سبحانه وتعالى من
    امتنع عن قبول الحق تقليدا للآباء فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ
    قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا
    آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ
    جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا



    أُرْسِلْتُم بِهِ
    كَافِرُونَ }.


    قال ابن
    القيم: "والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا
    بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولابد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما
    يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض،
    وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل
    فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولابد فيحلون
    ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولابد لهم من ذلك إذ كانت
    العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولابد" .


    قال ابن القيم:
    "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وإهدار أقوال العلماء
    وإلغائها : أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من
    كان . بل تنظر في صحة الحديث أولا. فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك
    لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على
    مخالفة ما جاء به نبيها بل لابد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل
    جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف واعلم أنه قد قال
    به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد
    حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين
    والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه
    أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضا فهلا وافقته إن كنت
    صادقا؟.


    فمن عرض أقوال العلماء
    على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل
    اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم،
    فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي
    أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.


    ومن هنا يتبين الفرق بين
    تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه.


    فالأول يأخذ قوله من غير
    نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه
    يقلد به ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى
    سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول
    فإذا وصل استغنى بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه
    إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.


    قال الشافعي: "أجمع
    الناس على أن من استبانت له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها
    لقول أحد" .


    الأمر الرابع
    : أن الأصل في العبادات الحظر والمنع ، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها


    فالعبادات مبناها على
    الأمر، فما لم يثبت فيه أمر الشارع، فهو بدعة، قال صلى الله عليه وسلم : " من
    عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد " وقال: " إياكم ومحدثات الأمور، فإن
    كل بدعة ضلالة ".


    فمن تعبد بعبادة طولب
    بالدليل، لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها.
    وأما الأكل والمعاملات والآداب واللباس وغيرها، فالأصل فيها الإباحة، إلا ما قام
    الدليل على تحريمه.


    قال القائل


    وليس مشروعاً من الأمورِ
    ... غيرُ الذي في شرعنا مذكور


    لما كان الأصل في
    العادات الإباحة بين في القاعدة أن الأصل في العبادات الحظر والمنع وهذه قاعدة
    مهمة حتى لا يُخلط بين العادات والعبادات وهذا القول هو الذي يُعبر عنه الفقهاء
    بقولهم {الأصل في العبادات المنع} أو {أمر العبادات مبنية على التوقيف}.


    فبناءً على هذه القاعدة
    لا يجوز للإنسان أن يلزم نفسه أو غيره بعباده غير منصوص عليها بدليل شرعي من كتاب
    أو سنة أو إجماع أو قياس .


    وبناءً على ذلك يكون
    معنى القاعدة أن العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل لا يجوز أن يلزم
    أحد بها إلا بموجب نص شرعي وكذا لا يجوز أن تُعمل إلا على وفق ما أمر الله تعالى
    بها وكما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم . أما ما عدا هذه الأمور فمهما أعطاها
    الناس صيغة التشريع وألبسوها لباس الشرع فهي خارج دائرة العبادة بل يحرم أن تسمى
    عبادة حتى يأتي دليل من الشرع على مشروعية هذا الشيء.
    يتبع








    [1] صحيح البخاري






    [2] صحيح البخاري






    [3] حلية الأولياء






    [4] الاعتصام






    [5] موارد الظمآن لدروس
    الزمان - (5 / 286)









    [6] صححه الأالبانى فى
    السلسلة الصحيحة
    محمود محمدى العجوانى مُعاينة البيانات الشخصية
    رسالة خاصة
    أوجد جميع مواضيع العضو

    محمود محمدى العجوانى
    عضو فعال




    علم الدولة:
    عدد الرسائل: 313
    --------------------------------------------------------------------------------
    البلد: مصر
    --------------------------------------------------------------------------------
    العمل: صاحب شركة سياحة
    --------------------------------------------------------------------------------
    الهوايات: الدعوة إلى الله
    --------------------------------------------------------------------------------
    النشاط: 1377
    --------------------------------------------------------------------------------
    تقييم القراء: 3
    --------------------------------------------------------------------------------
    تاريخ التسجيل: 10/04/2010
    --------------------------------------------------------------------------------
    مساهمة رقم 3 رد: الرد الميسر على بطلان التوسل(1)
    من طرف محمود محمدى العجوانى في الخميس 22 أبريل - 7:45

    تابع الرد الميسر على بطلان التوسل

    ذكر بعض أنواع
    العبادة


    العبادة أنواعها كثيرة ،
    فكل عمل صالح يحبه الله ويرضاه قولي أو فعلي ظاهر أو باطن فهو نوع من أنواعها وفرد
    من أفرادها ، وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة على ذلك :


    1 - فمن أنواع
    العبادة : الدعاء ، بنوعيه دعاء المسألة ، ودعاء العبادة .


    قال الله تعالى : {
    فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (غافر : 14) ، وقال تعالى : {
    وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } (الجن : 18)
    ، وقال تعالى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا
    يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ
    }{ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ
    كَافِرِينَ } (الأحقاف : 5- 6) .


    فمن دعا غير الله عز وجل
    بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا ، ومن دعا
    حيا بما يقدر عليه مثل أن يقول : يا فلان أطعمني ، أو يا فلان اسقني ، ونحو ذلك
    فلا شيء عليه ، ومن دعا ميتا أو غائبا بمثل هذا فإنه مشرك ؛ لأن الميت والغائب لا
    يمكن أن يقوم . بمثل هذا .


    والدعاء نوعان : دعاء
    المسألة ودعاء العبادة .


    فدعاء المسألة ، هو سؤال
    الله من خيري الدنيا والآخرة ، ودعاء العبادة يدخل فيه كل القربات الظاهرة
    والباطنة ؛ لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة
    والإثابة عليها .


    وكل ما ورد في القرآن من
    الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة
    ودعاء العبادة .


    2 ، 3 ، 4 -
    ومن أنواع العبادة : المحبة والخوف والرجاء ، وقد تقدم الكلام عليها وبيان أنها
    أركان للعبادة .


    5 - ومن
    أنواعها : التوكل ، وهو الاعتماد على الشيء .


    والتوكل على الله : هو
    صدق تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتمادا عليه وثقة به مع مباشرة ما شرع وأباح من
    الأسباب لتحصيل المنافع ودفع المضار ، قال الله تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ
    فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (المائدة : 23) ، وقال تعالى : {
    وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (الطلاق : 3) .


    6 ، 7 ، 8-
    ومن أنواع العبادة : الرغبة والرهبة والخشوع .


    فأما الرغبة : فمحبة
    الوصول إلى الشيء المحبوب ، والرهبة : الخوف المثمر للهرب من المخوف ، والخشوع :
    الذل والخضوع لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي ، قال الله تعالى في
    ذكر هذه الأنواع الثلاثة من العبادة : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي
    الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }
    (الأنبياء : 90) .


    9 - ومن أنواع
    العبادة : الخشية ، وهي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه ، قال
    الله تعالى : { فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي } (البقرة
    : 150) .


    { فَلَا تَخْشَوْهُمْ
    وَاخْشَوْنِ } (المائدة : 3) .


    10- ومنها الإنابة ، وهي
    الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته ، قال الله تعالى : {
    وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } (الزمر : 54) .


    11 - ومنها :
    الاستعانة ، وهي طلب العون من الله في تحقيق أمور الدين والدنيا ، قال الله تعالى
    :{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس : « إذا استعنت فاستعن
    بالله » .


    12 - ومنها :
    الاستعاذة ، وهي طلب الإعاذة والحماية من المكروه ، قال الله
    تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ }{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وقال تعالى
    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ }{ مَلِكِ النَّاسِ }{ إِلَهِ النَّاسِ }{ مِنْ
    شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } .


    13 - ومنها
    الاستغاثة ، وهو طلب الغوث ، وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك
    ، قال الله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ }
    (الأنفال : 9) .


    14 - ومنها
    الذبح ، وهو إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه الخصوص
    تقربا إلى الله ، قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
    وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الأنعام : 162) ، وقال تعالى : {
    فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (الكوثر : 2) .


    15 - ومنها
    النذر ، وهو إلزام المرء نفسه بشيء ما ، أو طاعة لله
    غير واجبة ، قال الله تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ
    شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } (الإنسان : 7) .


    فهذه بعض الأمثلة على
    أنواع العبادة ، وجميع ذلك حق لله وحده لا يجوز صرف أى شيء منه لغير الله .


    والعبادة بحسب ما تقوم
    به من الأعضاء على ثلاثة أقسام :


    القسم الأول : عبادات
    القلب ، كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك .


    القسم الثاني : عبادات
    اللسان ، كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك .


    القسم الثالث : عبادات
    الجوارح ، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد ، ونحو ذلك .


    الأمر الخامس
    : حماية النبى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد من أى شائبة من شوائب الشرك صغيره
    وكبيره جليه وخفيه


    لقد كان النبي صلى الله
    عليه وسلم حريصا أشد الحرص على أمته ؛ لتكون عزيزة منيعة محققة لتوحيد الله عز وجل
    ، مجانبة لكل الوسائل والأسباب المفضية لما يضاده ويناقضه ، قال الله تعالى : {
    لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ
    حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (التوبة : 128) .


    وقد أكثر صلى الله عليه
    وسلم في النهي عن الشرك وحذر وأنذر وأبدأ وأعاد وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة
    ملة إبراهيم التي بعث بها من كل ما قد يشوبها من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها
    التوحيد أو ينقص ، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، فأقام
    الحجة ، وأزال الشبهة ، وقطع المعذرة ، وأبان السبيل .


    وفي المطالب التالية عرض
    يتبين من خلاله حماية النبى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده كل طريق يفضي إلى
    الشرك والباطل .


    المطلب الأول
    : الرقى .


    أ- تعريفها : الرقى جمع
    رقية ، وهي القراءة والنفث طلبا للشفاء والعافية ، سواء كانت من القرآن الكريم أو
    من الأدعية النبوية المأثورة .


    ب- حكمها : الجواز ، ومن
    الأدلة على ذلك ما يلي :


    عَنْ عَوْفِ بْنِ
    مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا
    رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا
    بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ .[1]


    عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَخَّصَ
    رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ
    الْعَيْنِ [2]وَالْحُمَةِ
    [3]وَالنَّمْلَةِ[4] .[5]


    وعن جابر بن عبد الله
    رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استطاع أن ينفع أخاه
    فليفعل » [6]


    وعن عائشة رضي الله عنها
    قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم
    قال : (أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر
    سقما) » ،.[7]


    ج- شروطها : ولجوازها
    وصحتها شروط ثلاثة :


    الأول : أن لا يعتقد
    أنها تنفع لذاتها دون الله ، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو محرم ، بل
    هو شرك ، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله .


    الثاني : أن لا تكون بما
    يخالف الشرع كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك ،
    فإنها محرمة ، بل شرك .


    الثالث : أن تكون مفهومة
    معلومة ، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة فإنها لا تجوز .



    محمود محمدى العجوانى
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 367
    البلد : مصر
    العمل : صاحب شركة سياحة
    الهوايات : الدعوة إلى الله
    تقييم القراء : 3
    النشاط : 4049
    تاريخ التسجيل : 10/04/2010

    خاطرة رد: لا تجعل قلبك يتعلق إلا بالله

    مُساهمة من طرف محمود محمدى العجوانى في السبت 4 ديسمبر - 16:57

    وقد سئل الإمام مالك
    رحمه الله : أيرقي الرجل ويسترقي ؟ فقال : " لا بأس بذلك ، بالكلام الطيب
    " .


    د- الرقية الممنوعة : كل
    رقية لم تتوفر فيها الشروط المتقدمة فإنها محرمة ممنوعة ، كأن يعتقد الراقي أو
    المرقي أنها تنفع وتؤثر بذاتها ، أو تكون مشتملة على ألفاظ شركية وتوسلات كفرية
    وألفاظ بدعية ، ونحو ذلك ، أو تكون بألفاظ غير مفهومة كالطلاسم ونحوها .


    المطلب
    الثاني : التمائم .


    أ- تعريفها : التمائم
    جمع تميمة ، وهي ما يعلق على العنق وغيره من تعويذات أو خرزات أو عظام أو نحوها
    لجلب نفع أو دفع ضر ، وكان العرب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم يتقون بها
    العين بزعمهم الباطل .


    ب- حكمها : التحريم ، بل
    هي نوع من أنواع الشرك ؛ لما فيها من التعلق بغير الله ؛ إذ لا دافع إلا الله ،
    ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته .


    عن ابن مسعود رضي الله
    عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الرقى والتمائم والتولة
    شرك » [8]


    وقَالَ النَّبِيُّ
    صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ . [9]


    وعن عُقْبَةَ بْنَ
    عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ
    وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ .[10]


    وعن عقبة بن عامر رضي
    الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من علق تميمة فقد أشرك »[11]


    فهذه النصوص وما في
    معناها في التحذير من الرقى الشركية التي كانت هي غالب رقى العرب فنهي عنها لما
    فيها من الشرك والتعلق بغير الله تعالى .


    ج- وإذا كان المعلق من
    القرآن الكريم ، فهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم ، فذهب بعضهم إلى جواز ذلك ،
    ومنهم من منع ذلك ، وقال لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء ، وهو الصواب لوجوه أربعة
    :


    1- عموم النهي عن تعليق
    التمائم ، ولا مخصص للعموم .


    2- سدا للذريعة ، فإنه
    يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن . وقد حدث ذلك فى كثير من بلاد المسلمين .


    3- أنه إذا علق فلا بد
    أن يمتهن المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ، ونحو ذلك .


    4- أن الاستشفاء بالقرآن
    ورد على صفة معينة ، وهي القراءة به على المريض فلا تتجاوز .


    المطلب
    الثالث : لبس الحلقة والخيط ونحوها .


    أ- الحلقة قطعة مستديرة
    من حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحو ذلك ، والخيط معروف ، وقد يجعل من الصوف أو
    الكتان أو نحوه ، وكانت العرب في الجاهلية تعلق هذا ومثله لدفع الضر أو جلب النفع
    أو اتقاء العين ، والله تعالى يقول : { قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ
    دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ
    أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ
    اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } (الزمر : 38) ، ويقول تعالى : {
    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ
    الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا } (الإسراء : 56) .


    وعن حذيفة بن اليمان رضي
    الله عنه : (أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى : { وَمَا
    يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } (يوسف : 106)


    ب- حكم لبس الحلقة
    والخيط ونحو ذلك ، محرم فإن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك
    شركا أكبر في توحيد الربوبية ؛ لأنه اعتقد وجود خالق مدبر مع الله تعالى الله عما
    يشركون .


    وإن اعتقد أن الأمر لله
    وحده وأنها مجرد سبب ، ولكنه ليس مؤثرا فهو مشرك شركا أصغر لأنه جعل ما ليس سببا
    سببا والتفت إلى غير ذلك بقلبه ، وفعله هذا ذريعة للانتقال للشرك الأكبر إذا تعلق
    قلبه بها ورجا منها جلب النعماء أو دفع البلاء . وإن لم يتعلق بها قلبه تعلق بها
    قلب من بعده .


    المطلب
    الرابع : التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها .


    التبرك هو طلب البركة ،
    وطلب البركة لا يخلو من أمرين :


    1 - أن يكون التبرك بأمر
    شرعي معلوم ، مثل القرآن ، قال الله تعالى : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ
    مُبَارَكٌ } (الأنعام : 92 ، 155) ، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور
    وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق ، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة .


    2 - أن يكون التبرك بأمر
    غير مشروع ، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك ، فهذا
    كله من الشرك .


    فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ
    اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا
    خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ
    أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ
    اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ النَّبِيُّ
    صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ
    مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
    لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ . [12]


    فقد دل هذا الحديث على
    أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف
    عندها والذبح لها هو الشرك ، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما
    قالوا لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما
    يتبرك المشركون ، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة ، فيكون في كلا الطلبين منافاة
    للتوحيد ؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك ، واتخاذ إله غير الله شرك واضح .


    وفي قوله صلى الله عليه
    وسلم في الحديث : « لتركبن سننة من كان قبلكم » إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في
    أمته صلى الله عليه وسلم ، وقد قال ذلك عليه الصلاة والسلام ناهيا ومحذرا .


    المطلب
    الخامس : النهي عن أعمال تتعلق بالقبور .


    هل بعث النبى
    صلى الله عليه وسلم ليربط الناس بالأموات والمقبورين أم ليربطهم بالله عز وجل ؟


    ولما كان التوسل
    بأصحاب القبور خاصة يفضى إلى الشرك بالله فقد أغلق الله ورسوله هذا الباب ونهوا
    عنه فى غير موضع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سدا لزريعة الشرك


    لقد كان الأمر في صدر
    الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه
    ، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد
    وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها .


    عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ
    عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَيْتُكُمْ
    عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ
    فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ
    إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا
    مُسْكِرًا .[13]


    عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ
    عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا
    تَذْكِرَةً .[14]


    وعن بريدة - رضي الله
    عنه - ، قَالَ : كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا
    خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ : (( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ
    أهلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُسلمينَ ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ
    للاَحِقونَ ، أسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ )) [15]


    عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
    بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
    وَسَلَّمَ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا
    تَقُولُوا هُجْرًا .[16]


    فهذه الأحاديث وما جاء
    في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين
    عظيمين وغايتين جليلتين :


    الأولى : التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى ، والاعتبار بأهل القبور
    مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله ، ويذهب عنه الإعراض
    والغفلة .


    الثانية : الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال
    الله العفو عنهم .


    هذا الذي دل عليه الدليل
    ، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان .


    ثم إن السنة قد جاءت
    بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها ، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه ،
    يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال ، ومن ذلك :


    1 - النهي عن
    قول الهجر عند زيارة القبور .


    وقد تقدم قوله صلى الله
    عليه وسلم : « ولا تقولوا هجرا » ، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا ، ويأتي في
    مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب
    المدد والعافية منهم ، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح ، وقد ثبت عن النبي
    صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله ،


    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
    بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ سَمِعْتُ
    النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ
    وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ
    فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ
    خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا
    بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ
    قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا
    الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ .[17]


    فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من
    العبادة لهم شرك أكبر ، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله
    الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة .


    وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
    اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
    اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ
    غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا .[18]


    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
    اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
    مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا
    قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ
    قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا .[19]


    2 - الذبح والنحر عند القبور .


    فإن كان ذلك تقربا إلى
    المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة
    التي هي من أعظم وسائل الشرك لما روى عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
    صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ عَبْدُ
    الرَّزَّاقِ كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً .[20]


    3 ، 4 ، 5 ، 6
    ، 7- رفعها زيادة على التراب الخارج منها ، وتجصيصها ، والكتابة عليها ، والبناء
    عليها ، والقعود عليها .


    فكل ذلك من البدع التي
    ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك


    فعَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى
    رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ
    وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ .[21]


    وعَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى
    رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ
    أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ يُجَصَّصَ زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَوْ
    يُكْتَبَ عَلَيْهِ .[22]


    8 - الصلاة
    إلى القبور وعندها .


    عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ
    الْغَنَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    يَقُولُ لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا .[23]


    وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ
    الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ .[24]


    وعبادة الله تعالى عند
    قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم، من محدثات الأمور التي نهينا عنها، وسيلة
    من وسائل


    الشرك، ولو كان هذا
    الفعل خيراً لسنه النبي صلى الله عليه وسلم للأمة؛ فإنه بلغ البلاغ المبين؛ وأدى
    الأمانة، ونصح للأمة، فلم يدع شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وبينه لنا صلى الله عليه
    وسلم.


    فلو كانت العبادة مشروعة
    عند قبور الصالحين، أو تحري الدعاء عند قبورهم له مزية وفيه فضل؛ لبينه النبي صلى
    الله عليه وسلم بياناً عاماً،ولفعله الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، الذين هم أحرص
    الناس على الخير، وأسرعهم مبادرة إليه، فلما لم يفعلوه؛علم أنه بدعة وضلالة ووسيلة
    من وسائل الشرك.


    والعبادات أيضا مبناها
    على التوقيف لا على الرأي والاستحسان، و إلا؛ لقال من شاء ما شاء، وانفتحت أبواب
    المحدثات من كل جانب.


    وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ
    بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ{ وَقَالَ
    رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }قَالَ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ
    وَقَرَأَ{ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ
    دَاخِرِينَ }[25]


    فكيف يأمرنا ربنا جل
    جلاله أن ندعوه وشرط فى الإستجابة أن ندعوه وحده ثم يأتى من يقول الدعاء عند القبر
    الفلانى مستجاب فمن أين لك هذا ؟ هل جاء هذا فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله صلى
    الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضى الله عنهم من بعده .


    والميت فى أمس الحاجة
    إلى دعاء الحى ولو كان هذا الحى أقل من صلاحا . فالحى هو الذى يستطيع أن يفيد الميت
    بالدعاء له وليس العكس . فهؤلاء الصحابة مع أن الله قد رضى عنهم ومع ذلك كانوا فى
    حاجة إلى دعاء الأحياء فكيف بمن دونهم . وقد شرعت صلاة الجنازة للدعاء للميت .


    فعن عائشة - رضي الله
    عنها - قالت : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : لو نجا أحد من ضمة
    القبر لنجا سعد بن معاذ و لقد ضم ضمة ثم روخي عنه .[26]


    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ
    مَالِكٍ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم
    صَلَّى عَلَى صَبِيَّةٍ - أَوْ صَبِيٍّ - فَقَالَ : لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ
    ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ.[27]


    وصدق القائل
    الناصح الأمين لهذا المتوسل بالأموات حيث قال


    لقد أسمعتَ
    لو ناديتَ حياً ... ولكن لا حياةَ لمن تنادي


    ولو ناراً
    لانفختَ بها أضاءتْ ... ولكن أنتَ تنفخُ في رمادِ


    والحاصل أن تحري الدعا
    عند القبر معروف أو غيره من الصالحين بدعة ووسيلة من وسائل الشرك، ولا يبعد أن
    يأتي جاهل من الجهلة فيسأل صاحب القبر، خصوصا في البلاد التي يكثر فيها الجهل !!


    وقد خيم الجهل على معظم
    البلاد في هذا الزمان، واستحكمت غربة الدين، وتسلط الحكام الظلمة المجرمون على
    عباد الله المؤمنين، وأرخوا العنان لأهل البدع والملحدين؛ فعثوا في الأرض فسادا؛
    فإنا لله وإنا إليه راجعون.


    9 - بناء
    المساجد عليها .


    وهو بدعة من ضلالات
    اليهود والنصارى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
    عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا
    قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ .[28]


    10 - اتخاذها
    عيدا .


    وهو من البدع التي جاء
    النهي الصريح عنها لعظم ضررها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
    اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا [29]وَلَا
    تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ
    صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي . [30]


    11 - شد
    الرحال إليها .


    وهو أمر منهي عنه لأنه
    من وسائل الشرك وقد نهينا أن نشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فعَنْ أَبِي
    هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
    تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ
    الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى .[31]


    فكيف ننهى عن شد الرحال
    إلى المساجد ثم نؤمر بشدها إلى القبور؟ ترى هل يستقيم هذا مع أصحاب الفطر والعقول
    السليمة.








    الرد الميسر على بطلان
    التوسل (3)


    المطلب
    السادس : التوسل .


    أ- تعريفه : التوسل
    مأخوذ في اللغة من الوسيلة ، والوسيلة والوصيلة معناهما متقارب ، فالتوسل هو
    التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه .


    وفي الشرع يراد به
    التوصل إلى رضوان الله والجنة ؛ بفعل ما شرعه وترك ما نهي عنه .


    ب- معنى الوسيلة في
    القرآن الكريم :


    وردت لفظة "
    الوسيلة " في القرآن الكريم في موطنين :


    1 - قوله تعالى : { يَا
    أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
    وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (المائدة : 35) .


    2 - قوله تعالى : {
    أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
    أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ
    رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } (الإسراء : 57) .


    والمراد بالوسيلة في
    الآيتين ، أي : القربة إلى الله بالعمل بما يرضيه ، فقد نقل الحافظ ابن كثير رحمه
    الله في تفسيره للآية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الوسيلة فيها
    القربة ، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن البصري وعبد الله بن كثير والسدي
    وابن زيد وغير واحد .[32]


    وأما الآية الثانية فقد
    بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح
    معناها فقال :


    قَالَ نَزَلَتْ فِي
    نَفَرٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ
    الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
    فَنَزَلَتْ


    { أُولَئِكَ الَّذِينَ
    يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ } [33]


    وهذا صريح في أن المراد
    بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة والعبادات الجليلة ،
    ولذلك قال : { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } أي يطلبون ما يتقربون
    به إلى الله وينالون به مرضاته من الأعمال الصالحة المقربة إليه .


    ج- أقسام التوسل :


    ينقسم التوسل إلى قسمين
    : توسل مشروع ، وتوسل ممنوع .


    1 - التوسل المشروع : هو
    التوسل إلى الله بالوسيلة الصحيحة المشروعة ، والطريق الصحيح لمعرفة ذلك هو الرجوع
    إلى الكتاب والسنة ومعرفة ما ورد فيهما عنها ، فما دل الكتاب والسنة على أنه وسيلة
    مشروعة فهو من التوسل المشروع ، وما سوى ذلك فإنه توسل ممنوع .


    والتوسل المشروع يندرج
    تحته ثلاثة أنواع :


    الأول : التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العظيمة ،
    كأن يقول المسلم في دعائه : اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم أن تعافيني ، أو
    يقول : أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي وترحمني ، ونحو ذلك .


    ودليل مشروعية هذا
    التوسل قوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }
    (الأعراف : 180) .


    الثاني : التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به العبد ، كأن يقول : اللهم بإيماني
    بك ، ومحبتي لك ، واتباعي لرسولك اغفر لي ، أو يقول : اللهم إني أسألك بحبي لنبيك
    محمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به أن تفرج عني ، أو أن يذكر الداعي عملا صالحا
    ذا بال قام به فيتوسل به إلى ربه ، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة التي سيرد
    ذكرها .


    ويدل على مشروعيته قوله
    تعالى : { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا
    ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (آل عمران : 16) ، وقوله تعالى : {
    رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
    الشَّاهِدِينَ } (آل عمران : 53) .


    ومن ذلك ما تضمنته قصة
    أصحاب الغار الثلاثة كما يرويها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول
    الله صلى الله عليه وسلم يقول : « بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم
    مطر ، فأووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا
    ينجيكم إلا الصدق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه ، فقال واحد منهم :
    اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه ، وأني عمدت
    إلى ذلك الفرق فزرعته ، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا ، وأنه أتاني يطلب أجره
    ، فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فسقها ، فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز ، فقلت
    له : اعمد إلى تلك البقر ، فإنها من الفرق ، فساقها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك
    من خشيتك ففرج عنا ، فانساخت [34] عنهم الصخرة
    ، فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت آتيهما كل
    ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عليهما ليلة ، فجئت وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون من
    الجوع ، فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أوقظهما ، وكرهت أن أدعهما
    فيستكنا لشربتهما ، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من
    خشيتك ففرج عنا ، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء ، فقال الآخر : اللهم
    إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي ، وإني راودتها عن نفسها فأبت
    إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت ، فأتيتها بها فدفعتها إليها
    فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها فقالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا
    بحقه ، فقمت وتركت المائة


    دينار ، فإن كنت تعلم
    أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ، ففرج الله عنهم فخرجوا » . [35]


    الثالث : التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحى الذي ترجى إجابة دعائه فيما
    أقدره الله عليه ، كأن يذهب المسلم إلى رجل يرى فيه الصلاح والتقوى والمحافظة على
    طاعة الله ، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج كربته وييسر أمره .


    ويدل على مشروعية هذا
    النوع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو
    لهم بدعاء عام ودعاء خاص .


    ففي الصحيحين من حديث
    أنس بن مالك رضي الله عنه : « أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول صلى الله عليه وسلم قائما
    فقال : يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا ، قال : فرفع
    رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم
    اسقنا ، قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة [36]ولا شيئا
    ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ، قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ،
    فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت ، قال : والله ما رأينا الشمس ستا ، ثم دخل
    رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة- ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب-
    فاستقبله قائما فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله
    يمسكها ، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم حوالينا
    ولا علينا ، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر ، قال : فانقطعت ،
    وخرجنا نمشي في الشمس » . قال شريك : فسألت أنسا : أهو الرجل الأول ؟ قَال : لا
    أدري .[37]


    وفي الصحيحين أن النبي صلى
    الله عليه وسلم لما « ذكر أن في أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب
    وقال : ( هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) قام
    عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : (أنت منهم) » [38]


    ومن ذلك حديث ذكر النبي
    صلى الله عليه وسلم أويسا القرني وفيه قال : « فاسألوه أن يستغفر لكم » .


    وهذا النوع من التوسل
    إنما يكون في حياة من يطلب منه الدعاء ، أما بعد موته فلا يجوز ؛ لأنه لا عمل له .
    ولو كان الميت نافعا أحدا لنفع نفسه فدفع عن نفسه ضمة القبر ولجعل قبره روضة من رياض
    الجنة . ولو كان الميت نافعا أحدا لنفع أولاده الذين صارت أحوالهم بعد موته ضنكا
    وعيشهم كدا وضلوا بعد ما اهتدوا . أليس هذا من باب أولى ؟


    2 - التوسل الممنوع : هو
    التوسل إلى الله تعالى بما لم يثبت في الشريعة أنه وسيلة ، وهو أنواع بعضها أشد
    خطورة من بعض ، منها :


    1 - التوسل إلى الله
    تعالى بدعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات
    ونحو ذلك ، فهذا من الشرك الأكبر الناقل من الملة .


    2 - التوسل إلى الله
    بفعل العبادات عند القبور والأضرحة بدعاء الله عندها ، والبناء عليها ، ووضع
    القناديل والستور ونحو ذلك ، وهذا من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد ، وهو
    ذريعة مفضية إلى الشرك الأكبر .


    3 - التوسل إلى الله
    بجاه الأنبياء والصالحين ومكانتهم ومنزلتهم عند الله ، وهذا محرم ، بل هو من البدع
    المحدثة ؛ لأنه توسل لم يشرعه الله ولم يأذن به . قال تعالى : { آللَّهُ أَذِنَ
    لَكُمْ } (يونس : 59) ولأن جاه الصالحين ومكانتهم عند الله إنما تنفعهم هم ، كما
    قال الله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } (النجم : 39)
    ، ولذا لم يكن هذا التوسل معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد
    نص على المنع منه وتحريمه غير واحد من أهل العلم :


    قال أبو حنيفة رحمه الله
    : (( يكره أن يقول الداعي : أسألك بحق فلان أو بحق أوليائك ورسلك أو بحق البيت
    الحرام والمشعر الحرام )) .


    4- التوسل بالأحياء فيما
    لايقدر عليه إلا الله وفيما لا يطلب إلا من الله .


    د- شبهات وردها في باب
    التوسل .


    قد يورد المخالفون لأهل
    السنة والجماعة بعض الشبهات والاعتراضات في باب التوسل ؛ ليتوصلوا بها إلى دعم
    تقريراتهم الخاطئة ، وليوهموا عوام المسلمين بصحة ما ذهبوا إليه ، ولا تخرج شبهات
    هؤلاء عن أحد أمرين :


    الأول : إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة يستدل بها هؤلاء على ما ذهبوا إليه ، وهذه
    يفرغ من أمرها بمعرفة عدم صحتها وثبوتها ، ومن ذلك :


    1 - حديث : « توسلوا
    بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم » ، أو « إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند
    الله عظيم » ، وهو حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ، ولا هو في شيء من كتب
    الحديث .


    2 - حديث : « إذا أعيتكم
    الأمور فعليكم بأهل القبور » ، أو « فاستغيثوا بأهل القبور » ، وهو حديث مكذوب
    مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء . هل
    إذا أعى الإنسان أمر فعليه باللجوء إلى الله أم يلجئ إلى أهل القبور ؟ ترى


    أى الأمرين
    يكون مقبولا عقلا ونقلا ؟


    من الذى يحتاج
    إلى الآخر ؟ هل الميت هو الذى يحتاج إلى الحى أمن الحى هو الذى يحتاج إلى الميت ؟
    أين أصحاب العقول ؟


    هل يملك الميت
    لنفسه نفعا أو ضرا فضلا من أن يملك لغيره ؟ لو كان هذا الميت حيا فهل يملك لنفسه
    نفعا أو ضرا فضلا من أن يملك لغيره ؟ فكيف وهو ميت ؟


    أَلَمْ
    يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا
    نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ
    فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
    (16)


    3 - حديث : « لو أحسن
    أحدكم ظنه بحجر لنفعه » ، وهو حديث باطل مناقض لدين الإسلام ، وضعه بعض المشركين .


    لو أحسن
    الإنسان نيته فى حجر فلو أننا أقررنا هذا الكلام أليس هذا إقرارا منا على عبادة
    الأوثان ؟ وكيف يدعو النبى صلى الله عليه وسلم الناس إلى عبادة الله وتوحيد الله
    وهو يقول لهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ؟ أليس هذا تناقض ممن يدعوا الناس إلى
    توحيد الله ثم هو يقول لهم لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ؟ وإذا انتفع الإنسان بالحجر فهل
    يتوجه هذا الإنسان بعد ذلك فى حاجاته إلى الله أم إلى الحجر ؟ لا شك أن العاقل
    يقول أنه يتجه إلى من أسدى إليه المنافع .


    4 - حديث : « لما اقترف
    آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي ، فقال : يا آدم وكيف عرفت
    محمدا ولم أخلقه ؟ قال : يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت
    على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى
    اسمك إلا أحب الخلق إليك ، فقال : غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك » [39]


    فمثل هذه الأحاديث
    المكذوبة والروايات المختلقة الملفقة لا يجوز لمسلم أن يلتفت إليها فضلا عن أن
    يحتج بها ويعتمدها في دينه.


    الثاني : أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم يسيء هؤلاء فهمها
    ويحرفونا عن مرادها ومدلولها ، ومن ذلك :


    1 - ما ثبت في الصحيح :
    « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ،
    فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا
    فاسقنا ، قال : فيسقون » [40]


    ففهموا من هذا الحديث أن
    توسل عمر رضي الله عنه إنما كان بالعباس رضي الله عنه ، وأن المراد بقوله : « كنا
    نتوسل إليك بنبينا [أي بجاهه] فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا » [أي بجاهه] .


    وهذا ولا ريبِ فهم خاطئ
    وتأويل بعيد لا يدل عليه سياق النص لا من قريب ولا من بعيد ؛ إذ لم يكن معروفا لدى
    الصحابة التوسل إلى الله بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه ، وإنما كانوا
    يتوسلون إلى الله بدعائه حال حياته كما تقدم بعض هذا المعنى ، وعمر رضي الله عنه لم يرد بقوله : « إنا نتوسل إليك بعم نبينا »
    أي ذاته أو جاهه ، وإنما أراد دعاءه ، ولو كان التوسل بالذات أو الجاه معروفا
    عندهم لما عدل عمر عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس رضي
    الله عنه ، بل ولقال له الصحابة إذ ذاك كيف نتوسل بمثل العباس ونعدل عن التوسل
    بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق ، فلما لم يقل ذلك أحد
    منهم ، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه ، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره
    علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل لا بذاته .


    وبهذا يتبين أن الحديث
    ليس فيه متمسك لمن يقول بجواز التوسل بالذات أو الجاه .


    2 - حديث عُثْمَانَ بْنِ
    حُنَيْفٍ : أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
    عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتَ
    دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ فَادْعُهْ قَالَ
    فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ
    اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ
    نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ
    لِتُقْضَى لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ .[41]


    ففهموا من الحديث أنه
    يدل على جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الصالحين ، وليس في
    الحديث ما يشهد لذلك ، فإن الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له
    بأن يرد الله عليه بصره ، فقال له : « إن شئت صبرت وإن شئت دعوت » ، فقال : فادعه
    ، إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في الحديث المصرحة بأن هذا توسل بدعاء النبي صلى
    الله عليه وسلم لا بذاته أو جاهه ؛ ولذا ذكر أهل العلم هذا الحديث من معجزات النبي
    صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب ، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا
    الأعمى أعاد الله عليه بصره ولهذا أورده البيهقي في دلائل النبوة .[42]


    وأما الآن وبعد موت
    النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون لتعذر دعاء النبي صلى الله
    عليه وسلم لأحد بعد الموت ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا مات الإنسان
    انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » [43]


    والدعاء من الأعمال
    الصالحة التي تنقطع بالموت .


    وعلى كل فإن جميع ما
    يتعلق به هؤلاء لا حجة فيه ؛ إما لعدم صحته ، أو لعدم دلالته على ما ذهبوا إليه .


    ومن العحيب أن
    هذا الرجل الضرير جاء إلى النبى وقال : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ
    إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ فَادْعُهْ
    فهو جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلب منه الدعاء وأجابه النبى صلى الله عليه
    وسلم إلى طلبه ولكن النبى صلى الله عليه وسلم أمره بأمر آخر فَأَمَرَهُ أَنْ
    يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ
    إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ
    الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى
    لِيَ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ . ومضمون هذا الأمر النبوى لهذا الرجل أن يتوضأ
    وأن يدعو الله أن يتقبل دعاء النبى صلى الله عليه وسلم له . وإلا لو كان الأمر كما
    يفهمه البعض لكان الصحابة أولى بذلك فهم أعلم منا وأحرص . وهم أشد منا حبا واتباعا
    للنبى صلى الله عليه وسلم ومهما ادعى أى إنسان أنه يحب النبى صلى الله عليه وسلم
    فلن تبلغ محبته ذرة واحدة من حب الصحابة للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما
    يفعل هذا المدعى المتوسل .


    هل فعل النبى
    ذلك أو أمر به أو فعله الصحابة وهم خير هذه الأمة من بعده صلى الله عليه وسلم ؟


    لو فعله
    النبى صلى الله عليه وسلم لفعله الصحابة من بعده فهم أولى بذلك منا وهم أعلم منا
    وأحرص .


    فإذا لم يفعل
    النبى صلى الله عليه وسلم ذلك ولا الصحابة من بعده فلا يسوغ لأى إنسان كائنا من
    كان أن يشرع بعد الله ورسوله .


    والله أنزل
    دينه كاملا فلا يسوغ لأى إنسان أن يزيد فيه ما ليس منه أو ينقص ما هو فيه .ففى
    الزيادة تحريف وفىالنقصان تحريف . وفى الزيادة دليل على أن الدين ناقص . وفى
    النقصان دليل على أن الدين ليس بكامل . وفى الزيادة والنقصان تشريع والتشريع لا
    يحق إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .


    المطلب السابع : الغلو .


    أ- تعريفه : الغلو في
    اللغة هو مجاوزة الحد ، بأن يزيد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق .


    وفي الشرع : هو مجاوزة
    حدود ما شرع الله لعباده سواء في العقيدة أو العبادة .


    ب- حكمه : التحريم ؛ لما
    جاء من النصوص في النهي عنه والتحذير منه وبيان سوء عواقبه على أهله في العاجل
    والآجل . قال الله تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
    وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } (النساء : 171) .


    وقال تعالى : { قُلْ يَا
    أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا
    أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ
    سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة : 77) .


    عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
    قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ
    الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقُطْ لِي حَصًى فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ
    حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ
    أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ
    وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ
    فِي الدِّينِ .[44]


    وعَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ
    قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
    وَسَلَّمَ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا .[45]


    واعلم أنه لا
    يحتج بأسماء الرجال وإنما يحتج بالرسول صلى الله عليه وسلم :


    قال: (واسمع مني بلا
    محاباة : لا تحتجن علي بأسماء الرجال، وتقول قد قال إبراهيم بن أدهم، قد قال بشر
    الحافي من احتج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم أقوى
    حجة).


    قول ابن الجوزي: إن
    فقيهاً واحداً أفضل من ألوف يتمسح العوام بهم تبركاً:


    من ورد المشرب الأول رأى
    سائر المشارب كدرة:


    فإن من ورد المشرب الأول
    رأى سائر المشارب كدرة، والمحنة العظمى مدائح العوام ، فكم غرت كما قال علي رضي
    الله عنه: (ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئاً) .





    بعض المراجع


    التوصل إلى حقيقة التوسل
    - (1 / 298)


    قواعد التحديث من فنون
    مصطلح الحديث - (1 / 245)


    أصول الإيمان في ضوء
    الكتاب والسنة - نخبة من العلماء - (1 / 34)


    إيقاظ همم أولي الأبصار
    للإقتداء بسيد المهاجرين والأنصار - (1 / 11)


    موسوعة الدفاع عن رسول
    الله صلى الله عليه وسلم - (4 / 262)


    حقوق النبي
    صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة - (1 / 235)


    القول المفيد
    على كتاب التوحيد - (1 / 211)


    شرح منظومة القواعد
    الفقهية للسعدي - (1 / 58)


    هذا ما تيسر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


    والحمد لله رب العالمين


    أخوكم
    ومحبكم فى الله محمود العجوانى








    [1] صحيح مسلم - (11 / 202)






    [2] «العين» إصابة العائن غيره بعينه بقدر الله .







    [3] «الحمة» بحاء مهملة مضمومة ثم ميم مخففة : وهي
    السم ومعناه : أذن في الرقية من كل ذات سم
    ، مثل لدغة الثعبان ، أو العقرب أو نحوهما .






    [4] «النملة» بفتح النون وإسكان الميم : قروح تخرج من
    الجنب .






    [5] صحيح مسلم - (11 / 195)






    [6] رواه مسلم






    [7] رواه البخاري ومسلم






    [8] السلسلة الصحيحة - (7 / 173) 2972 - ( الصحيحة )






    [9] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (5 / 72) تحقيق
    الألباني :حسن غاية المرام ( 297 )






    [10] مسند أحمد - (35 / 273)






    [11] السلسلة الصحيحة - (1 / 889) 492 - ( صحيح )






    [12] صحيح وضعيف سنن الترمذي
    - (5 / 180) تحقيق الألباني : صحيح ظلال الجنة ( 76 ) ، المشكاة ( 5369 )









    [13] صحيح مسلم - (5 / 107)






    [14]صحيح وضعيف
    سنن أبي داود - (7 / 235)تحقيق الألباني : صحيح






    [15] رواه مسلم . رياض الصالحين






    [16] مسند أحمد -






    [17] صحيح مسلم - (3 / 127)






    [18] صحيح البخاري - (5 / 190)






    [19] صحيح البخاري - (13 / 352)






    [20] صحيح وضعيف سنن أبي داود - (7 / 222) تحقيق
    الألباني :صحيح






    [21] صحيح مسلم - (5 / 90)






    [22] صحيح وضعيف سنن النسائي - (5 / 171)تحقيق
    الألباني :صحيح الأحكام ( 204 ) ، الإرواء ( 757 ) ، المشكاة ( 1709 )







    [23] صحيح مسلم - (5 / 95)






    [24] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (1 / 317)تحقيق
    الألباني :صحيح ، ابن ماجة ( 745 )






    [25] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (6 / 469) تحقيق
    الألباني :صحيح ، ابن ماجة ( 3828 )






    [26] تخريج السيوطي( طب ) عن ابن عباس .تحقيق
    الألباني( صحيح ) انظر حديث رقم : 5306 في صحيح الجامع .






    [27] صحيح وضعيف الجامع الصغير - (20 / 10)( صحيح )
    انظر حديث رقم : 5307 في صحيح الجامع .






    [28] صحيح مسلم - (3 / 125)






    [29] العيد هو الذي يعود ويتكرر مثل عيد الفطر وعيد
    الأضحى ، فكون الإنسان يكرر الزيارة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم كل يوم من أجل
    السلام فكأنه يتخذه عيدا ، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، أمر المسلم أن
    يصلي ويسلم عليه وهو في أي مكان كان لأن لله ملائكة سياحين يبلغون الرسول السلام
    وهذا من يسر هذا الدين إذ ليس باستطاعة كل مسلم أن يأتي إلى المدينة.







    [30] تلخيص أحكام الجنائز - (1 / 88) ( صحيح )






    [31] صحيح مسلم - (7 / 159)






    [32] تفسير ابن كثير






    [33] صحيح مسلم - (14 / 332)






    [34] فانفرجت شيئا لا
    يستطيعون الخروج منه ، كما في حديث سالم .






    [35] رواه البخاري






    [36] سحاب متفرق






    [37] صحيح البخاري






    [38] صحيح البخاري






    [39] وهو حديث باطل لا أصل له ، ومثله حديث : « لولاك
    ما خلقت الأفلاك » سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني .






    [40] صحيح البخاري






    [41] صحيح وضعيف سنن الترمذي - (8 / 78)تحقيق الألباني
    :صحيح ، ابن ماجة ( 1385 )







    [42] دلائل النبوة للبيهقي






    [43] رواه مسلم






    [44] صحيح وضعيف سنن ابن ماجة - (7 / 29)تحقيق
    الألباني :صحيح ، الصحيحة ( 1283 ) ، الظلال ( 98 )






    [45] صحيح مسلم - (13 / 154) [/b]

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 23 أغسطس - 14:54