دارة السادة الأشراف

مرحبا بك عزيزي الزائر
ندعوك أن تدخل المنتدى معنا
وإن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإنشائه
ونتشرف بدعوتك لزيارة الموقع الرسمي لدارة السادة الأشراف على الرابط :
www.dartalashraf.com

أنساب , مشجرات , مخطوطات , وثائق , صور , تاريخ , تراجم , تعارف , دراسات وأبحاث , مواضيع متنوعة

Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us

    تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    شاطر

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الثلاثاء 16 يونيو - 16:35

    تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

    بسم الله الرحمن الرحيم



    انا النهردة جايبلكم موضوع روعة
    اجمل موضوع تقروه فى حياتكم علشان طبعا مافيش احسن من القرأن الكريم


    انا جايبة تفسير القرأن الكريم لابن كثير بس تفسير السور عامة مش تفسير الايات وموضوع هيفدنا كلنا وكمان هو موضوع مختصر اوىى بالنسبة لكتاب التفسير نفسه يارب يعجبكم وربنا يعلم انا تعبت فى التوبيك ده اد ايه انا كنت متوقعة انه ينزل على 100 مرة بس لقت الموضوع بقى اكتر من كدة بكتير بس الحمد لله اهو الموضوع خلص ويارب يفدكم جميعا ان شاء الله



    اى حد عايز تفسير اى سورة يدخل على التوبيك وهيلاقى ترتبها زى القرأن بالظبط



    سورة الفاتحة
    ** بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    يقال لها الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطاً وبها تفتتح القراءة في الصلوات, ويقال لها أيضاً أم الكتاب عند الجمهور, ذكره أنس, والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك, قال الحسن وابن سيرين إنما ذلك اللوح المحفوظ, وقال الحسن الاَيات المحكمات هن أم الكتاب ولذا كرها أيضاً أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم» ويقال لها (الحمد) ويقال لها (الصلاة) لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث. فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها ويقال لها (الشفاء) لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعاً «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» ويقال لها (الرقية) لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «وما يدريك أنها رقية» ؟ وروى الشعبي عن ابن عباس أن سماها (أساس القرآن) قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم وسماها سفيان بن عيينه (بالواقية) وسماها يحيى بن أبي كثير (الكافية) لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة «أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها» ويقال لها سورة الصلاة والكنز, ذكرهما الزمخشري في كشافه.
    وهي مكية قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية, وقيل مدنية قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري ويقال نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة, والأول أشبه لقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} والله تعالى أعلم. وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الاَخر نزل بالمدينة وهو غريب جداً, نقله القرطبي عنه وهي سبع آيات بلا خلاف, وقال عمرو بن عبيد ثمان, وقال حسين الجعفي ستة, وهذان القولان ***ان وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء على ثلاثة أقوال كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
    قالوا وكلماتها خمس وعشرون كلمة وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفاً. قال البخاري في أول كتاب التفسير وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة, وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمرأو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع: أمّاً, فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أمّاً, واستشهد بقول ذي الرمة.
    على رأسه أم لنا نقتدي بهاجماع أمور ليس نعصي لها أمراً
    ـ يعني الرمح ـ قال وسميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها وقيل لأن الأرض دحيت منها. ويقال لها أيضاً: الفاتحة لأنها تفتتح بها القراءة وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام وصح تسميتها بالسبع المثاني قالوا لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة وإن كان للمثاني معنى آخر كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
    قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم القرآن: «هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم» ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني» وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره حدثنا أحمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن غالب بن حارث, حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي, حدثنا المعافى بن عمران عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن, وهي السبع المثاني والقرآن العظيم, وهي أم الكتاب, وفاتحة الكتاب» وقد رواه الدارقطني أيضاً عن أبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى {سبعاً من المثاني} بالفاتحة وأن البسملة هي الاَية السابعة منها وسيأتي تمام هذا عند البسملة. وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لابن مسعود: لمَ لم تكتب الفاتحة في مصحفك ؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة, قال أبو بكر بن أبي داود يعني حيث يقرأ في الصلاة, قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة وقيل: {ياأيها المدثر} كما في حديث جابر في الصحيح وقيل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وهذ هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه والله المستعان.
    ذكر ما ورد في فضل الفاتحة
    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت, قال: فأتيته فقال: «مامنعك أن تأتيني» ؟ قال قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قيل أن تخرج من المسجد» قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال: «نعم {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي بن المديني, كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به, ورواه في موضع آخر من التفسير, وأبو داوود والنسائي وابن ماجه من طرق عن شعبة به, ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب فذكر نحوه. وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ما ينبغي التنبيه عليه فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى ابن عامر بن كريز أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد فلما فرغ من صلاته لحقه قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها» قال أبي رضي الله عنه, فجعلت أبطى في المشي رجاء ذلك ثم قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني ؟ قال: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال فقرأت عليه {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه فإن ابن المعلى صحابي أنصاري وهذا تابعي من موالي خزاعة وذاك الحديث متصل صحيح, وهذا ظاهره منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبي بن كعب فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم والله أعلم. على أنه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه


    يتبع

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:51

    ورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم قال: إِن رجلاً قال لحذيفة رضي الله عنه: نشكو إِلى الله صحبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم, إِنكم أدركتموه ولم ندركه, ورأيتموه ولم نره, فقال حذيفة رضي الله عنه: ونحن نشكو إِلى الله إِيمانكم به ولم تروه, والله لا تدري ياابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون, لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة, ثم ذكر نحو ما تقدم مطولاً. وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة رضي الله عنه نحو ذلك أيضاً, وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك كنا فعلنا وفعلنا, فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك, لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً, وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا, وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا, وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه, فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِن بيوتنا عورة وما هي بعورة, فما يستأذنه أحد منهم إِلا أذن له, ويأذن لهم فيتسللون, ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إِذ استقبلنا رسول الله رجلاً رجلاً, حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إِلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي, قال: فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي فقال: «من هذا ؟» فقلت: حذيفة. قال: «حذيفة ؟» قتقاصرت الأرض فقلت: بلى يارسول الله كراهية أن أقوم, فقمت فقال «إِنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم» قال: وأنا من أشد الناس فزعاً وأشدهم قهراً. قال: فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته» قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعاً ولا قرّاً في جوفي إِلا خرج من جوفي, فما أجد فيه شيئاً, قال: فلما وليت, قال صلى الله عليه وسلم «يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئاً حتى تأتني» قال: فخرجت حتى إِذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد, فإِذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته, ويقول: الرحيل الرحيل, ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك, فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار, فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحدثن فيهم شيئاً حتى تأتيني» قال: فأمسكت ورددت سهمي إِلى كنانتي, ثم إِني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر, فإِذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإِذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً, فوالله إِني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفَرَسَتْهم, الريح تضربهم بها, ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحواً من ذلك إِذ أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتمين, فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم, فرجعت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملته يصلي, فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر, وجعلت أقرقف فأومأ إِلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي, فدنوت منه فأسبل عليّ شملته, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر صلى, فأخبرته خبر القوم, وأخبرته أني تركتهم يرتحلون, وأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إِذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً} وأخرج أبو داود في سننه منه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر صلى, من حديث عكرمة بن عمار به.
    وقوله تعالى: {إِذ جاؤوكم من فوقكم} أي الأحزاب {ومن أسفل منكم} تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة {وإِذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} أي شدة الخوف والفزع {وتظنون بالله الظنونا} قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين, وأن الله سيفعل ذلك. وقال محمد بن إِسحاق في قوله تعالى: {وإِذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر, وتظنون بالله الظنونا} ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق, حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر, وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إِلى الغائط.
    وقال الحسن في قوله عز وجل {وتظنون بالله الظنونا} ظنون مختلفة, ظن المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون, وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق, وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري, حدثنا أبو عامر, (ح) وحدثنا أبي, حدثنا أبو عامرالعقدي, حدثنا الزبير يعني ابن عبد الله مولى عثمان رضي الله عنه, عن رُتيج بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يارسول الله هل من شيء نقول, فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم, قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا» قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح, فهزمهم بالريح وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي
    ** هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النّبِيّ يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً يقول الله تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة, والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق, ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم, أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً, فحينئذ ظهر النفاق, وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم {وإِذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إِلا غروراً} أما المنافق فنجم نفاقه, والذي في قلبه شبهة أو حسيكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إِيمانه وشدة ماهو فيه من ضيق الحال, وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: {وإِذ قالت طائفة منهم ياأهل يثرب} يعني المدينة. كما جاء في الصحيح «أريت في المنام دار هجرتكم, أرض بين حرتين, فذهب وهلي أنها هجر فإِذا هي يثرب» وفي لفظ: المدينة.
    فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إِبراهيم بن مهدي, حدثنا صالح بن عمر عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى, إِنما هي طابة هي طابة» تفرد الإمام أحمد, وفي إِسناده ضعف, والله أعلم. ويقال كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له يثرب بن عبيد بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إِرم بن سام بن نوح, قاله السهيلي. قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إِن لها في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إِنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: ياطيبة وياطابة ويامسكينة لا تُقلي الكنوز أرفع أحاجرك على أحاجر القرى.
    وقوله {لا مقام لكم} أي ههنا يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة {فارجعوا} أي إِلى بيوتكم ومنازلكم {ويستأذن فريق منهم النبي} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق, وكذا قال غير واحد, وذكر ابن إِسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي, يعني اعتذروا في الرجوع إِلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو, فهم يخشون عليها منهم, قال الله تعالى: {وما هي بعورة} أي ليست كما يزعمون {إِن يريدون إِلا فراراً} أي هرباً من الزحف.


    ** وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا ثُمّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لاَتَوْهَا وَمَا تَلَبّثُواْ بِهَآ إِلاّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْئُولاً * قُل لّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاّ تُمَتّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً * قُلْ مَن ذَا الّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوَءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
    يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {يقولون إِن بيوتنا عورة وما هي بعورة إِن يريدون إِلا فراراً} أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها, ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً, وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع, هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد وابن جرير, وهذا ذم لهم في غاية الذم, ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف {وكان عهد الله مسئولا} أي وإِن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لا بد من ذلك, ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم بل ربما كان ذلك سبباً في تعجيل أخذهم غرة, ولهذا قال تعالى: {وإِذاً لا تمتعون إِلا قليلاً} أي بعد هربكم وفراركم {قل متاع الدنيا قليل, والاَخرة خير لمن اتقى} ثم قال تعالى: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي يمنعكم {إِن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} أي ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.

    يتبع .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:56

    قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً * أَشِحّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَىَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ أوْلَـَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً
    يخبر تعالى عن إِحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم {هلم إِلينا} إِلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار, وهم مع ذلك {لا يأتون البأس إِلا قليلاً* أشحة عليكم} أي بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي {أشحة عليكم} أي في الغنائم, {فإِذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إِليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} أي من شدة خوفه وجزعه, وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال {فإِذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي فإِذا كان الأمن تكلموا كلاماً بليغاً فصيحاً عالياً, وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة, وهم يكذبون في ذلك, وقال ابن عباس رضي الله عنهما {سلقوكم} أي استقبلوكم. وقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة: أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم, وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق, وهم مع ذلك أشحة على الخير, أي ليس فيهم خير قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير, فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:
    أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظةوفي الحرب أمثال النساء العوارك
    أي في حال المسالمة كأنهم الحمر, والأعيار جمع عير وهو الحمار, وفي الحرب كأنهم النساء الحيض, ولهذا قال تعالى: {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً} أي سهلاً هيناً عنده.


    ** يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدّواْ لَوْ أَنّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مّا قَاتَلُوَاْ إِلاّ قَلِيلاً
    وهذا أيضاً من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} بل هم قريب منهم وإِن لهم عودة إِليهم {وإِن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم} أي ويودون إِذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة, بل في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إِلا قليلاً} أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إِلا قليلاً لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم, والله سبحانه وتعالى العالم بهم.


    ** لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً * وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُواْ هَـَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً
    هذه الاَية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله, ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل, صلوات الله وسلامه عليه دائماً إِلى يوم الدين, ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم, ولهذا قال تعالى: {لمن كان يرجوا الله واليوم الاَخر وذكر الله كثيراً}.
    ثم قال تعالى مخبراً عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والاَخرة, فقال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين معه متى نصر الله ؟ ألا إِن نصر الله قريب} أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب, ولهذا قال تعالى: {وصدق الله ورسوله}. وقوله تعالى: {وما زادهم إِلا إِيماناً وتسليماً} دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إِلى الناس وأحوالهم, كما قال جمهور الأئمة: إِنه يزيد وينقص, وقد قررنا ذلك في أول شرح البخاري, ولله الحمد والمنة, ومعنى قوله جلت عظمته {وما زادهم} أي ذلك الحال والضيق والشدة {إِلا إِيماناً} بالله {وتسليماً} أي انقياداً لاَوامره وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.


    ** مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مّن قَضَىَ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُواْ تَبْدِيلاً * لّيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً
    لما ذكر عز وجل عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار, وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق {صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده وهو يرجع إِلى الأول {ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} أي وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها إِلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه, الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفرد به البخاري دون مسلم, وأخرجه أحمد في مسنده والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
    وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري, حدثني أبي عن ثمامة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الاَية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله} الاَية, انفرد به البخاري من هذا الوجه, ولكن له شواهد من طرق أخر. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس: عمي أنس بن النضر رضي الله عنه سميت به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فشق عليه, وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غُيّبت عنه, لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها, فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فاستقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه, فقال له أنس رضي الله عنه: ياأبا عمرو أين واهاً لريح الجنة إِني أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه, قال: فوجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية, فقالت أخته عمتي الربيع ابنة النضر فما عرفت أخي إِلا ببنانه, قال: فنزلت هذه الاَية {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه, وفي أصحابه رضي الله عنهم. ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ورواه النسائي أيضاً وابن جرير من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به نحوه.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس, رضي الله عنه قال: إِن عمه يعني أنس بن النضر رضي الله عنه, غاب عن قتال بدر, قال: غُيّبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين, لئن الله أشهدني قتالاً للمشركين ليرين الله تعالى ما أصنع, قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون, فقال: اللهم إِني أعتذر إِليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إِليك مما جاء به هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ رضي الله عنه دون أحد, فقال: أنا معك. قال سعد رضي الله عنه: فلم أستطع أن أصنع ما صنع, فلما قتل قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم, وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزلت {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد, والنسائي فيه أيضاً عن إِسحاق بن إِبراهيم, كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري في المغازي عن حسان بن حسان, عن محمد بن طلحة عن مصرف عن حميد عن أنس رضي الله عنه به, ولم يذكر نزول الاَية. ورواه ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان عن حميد عن أنس رضي الله عنه به.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني, حدثنا سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله , حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة رضي الله عنه قال: لما أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد صعد المنبر, فحمد الله تعالى وأثنى عليه, وعزى المسلمين بما أصابهم, وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر, ثم قرأ هذه الاَية {من المؤمنين رجال صدقو ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} الاَية كلها, فقام إِليه رجل من المسلمين فقال: يارسول الله من هؤلاء ؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان, فقال: «أيها السائل: هذا منهم» وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضاً, وابن جرير من حديث يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما رضي الله عنه به. وقال: حديث غريب, لا نعرفه إلا من حديث يونس. وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو عامر ـ يعني العقدي ـ حدثني إسحاق ـ يعني ابن طلحة بن عبيد الله ـ عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية رضي الله عنه, فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك ياابن أخي حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «طلحة ممن قضى نحبه».
    ورواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا عبد الحميد الحماني عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «طلحة ممن قضى نحبه» ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {فمنهم من قضى نحبه} يعني عهده {ومنهم من ينتظر} قال يوماً فيه القتال فيصدق في اللقاء. وقال الحسن {فمنهم من قضى نحبه} يعني موته على الصدق والوفاء, ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك, ومنهم من لم يبدل تبديلاً, وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم, نحبه نذره.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:59

    وقوله تعالى: {وما بدلوا تبديلاً} أي وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر, بل استمروا على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً* ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار}. وقوله تعالى: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب, فيظهر أمر هذا بالفعل, وأمر هذا بالفعل, مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه, ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم, كما قال تعالى: {ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلاً به قبل وجوده, وكذا قال الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب} ولهذا قال تعالى ههنا {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} أي بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه {ويعذب المنافقين} وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه, وعذابه, ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه, وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان, ولما كانت رحمته ورأفته تبارك وتعالى بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال {إن الله كان غفوراً رحيما}.
    ** يَأَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنّ وَأُسَرّحْكُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنّ تُرِدْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الاَخِرَةَ فَإِنّ اللّهَ أَعَدّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنّ أَجْراً عَظِيماً
    هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها, وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال, ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل, فاخترن رضي الله عنهنّ وأرضاهن الله ورسوله والدار الاَخرة, فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الاَخرة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه, قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه, قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: {ياأيها النبي قل لأزواجك}» إلى تمام الاَيتين, فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي, فإني أريد الله ورسوله والدار الاَخرة ؟ وكذا رواه معلقاً عن الليث, حدثني يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها فذكره, وزاد: قالت ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل مافعلت, وقد حكى البخاري أن معمراً اضطرب فيه, فتارة رواه عن الزهري عن أبي سلمة, وتارة رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها.
    وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي, حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل الخيار قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أريد أن أذكر لك أمراً, فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك» قالت: قلت: وما هو يارسول الله ؟ قال فرده عليها, فقالت: وما هو يارسول الله ؟ قالت فقرأ صلى الله عليه وسلم عليها {يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} إلى آخر الاَية, قالت: فقلت بل نختار الله ورسوله والدار الاَخرة, قالت: ففرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    وحدثنا ابن وكيع, حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ياعائشة إني عارض عليك أمراً فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان رضي الله عنهما» فقالت: يارسول الله وما هو ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: {ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاَخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً} قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الاَخرة ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان رضي الله عنهما. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقرأ الحجر فقال: «إن عائشة رضي الله عنها قالت كذا وكذا» فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة رضي الله عنهن كلهن. رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو به.
    قال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي, حدثنا أبي حدثنا محمد بن إِسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على نسائه أمر أن يخيرهن, فدخل علي فقال: «سأذكر لك أمراً فلا تعجلي حتى تستشيري أباك» فقلت: وما هو يارسول الله ؟ قال: «إِني أمرت أن أخيركن» وتلا عليها آية التخيير إِلى آخر الاَيتين, قالت: فقلت وما الذي تقول: لاتعجلي حتى تستشيري أباك ؟ فإِني أختار الله ورسوله. فسر صلى الله عليه وسلم بذلك, وعرض على نسائه فتتابعن كلهن, فاخترن الله وسوله صلى الله عليه وسلم.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري, حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح, حدثني الليث, حدثني عقيل عن الزهري, أخبرني عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير, فبدأ بي أول امرأة من نسائه, فقال صلى الله عليه وسلم: «إِني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك» قالت, وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه, قالت ثم قال: «إِن الله تبارك وتعالى قال: {ياأيها النبي قل لأزواجك} الاَيتين, قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإِني أريد الله وسوله والدار الاَخرة. ثم خير نساءه كلهن, فقلن ما قالت عائشة رضي الله عنهن, وأخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاخترناه, فلم يعدها علينا شيئاً, أخرجاه من حديث الأعمش وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو, حدثنا زكريا بن إِسحاق عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس, والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له, ثم أقبل عمر رضي الله عنه, فاستأذن فلم يؤذن له, ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما, فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه, وهو صلى الله عليه وسلم ساكت, فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك, فقال عمر رضي الله عنه: يارسول الله لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» فقام أبو بكر رضي الله عنه إِلى عائشة ليضربها, وقام عمر رضي الله عنه إِلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده, فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلن: والله لانسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده, قال: وأنزل الله عز وجل الخيار, فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: «إِني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت: وما هو ؟ قال: فتلا عليها: {ياأيها النبي قل لأزواجك} الاَية, قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله, وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت, فقال صلى الله عليه وسلم: «إِن الله تعالى لم يبعثني معنفاً, ولكن بعثني معلماً ميسراً, لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إِلا أخبرتها» انفرد بإِخراجه مسلم دون البخاري, فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إِسحاق المكي به.
    وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا سريج بن يونس, حدثنا علي بن هشام بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع, عن عثمان بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه الدنيا والاَخرة ولم يخيرهن الطلاق, وهذا منقطع. وقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك, وهو خلاف الظاهر من الاَية, فإِنه قال: {فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} أي أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن, وقد اختلف العلماء في جواز تزوج غيره لهن لو طلقهن على قولين, أصحهما نعم لو وقع ليحصل المقصود من السراح, والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيب وسودة وأم سلمة رضي الله عنهن, وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي النضيرية وميمونة بنت الحارث الهلالية, وزينب بنت جحش الأسدية, وجويرية بنت الحارث المصطلقية, رضي الله عنهن وأرضاهن جميعاً.


    ** يَنِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً
    يقول الله تعالى واعظاً نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الاَخر, واستقر أمرهن تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال بن عباس رضي الله عنهما: وهي النشوز وسوء الخلق, وعلى كل تقدير فهو شرط, والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: {ولقد أوحي إِليك وإِلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} وكقوله عز وجل: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} {قل إِن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هوالله الواحد القهار} فلما كانت محلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظاً صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع, ولهذا قال تعالى: {من يأن منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} قال مالك عن زيد بن أسلم {يضاعف لها العذاب ضعفين} قال: في الدنيا والاَخرة, وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله { وكان ذلك على الله يسيراً} أي سهلاً هيناً, ثم ذكر عدله وفضله في قوله: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} أي ويستجب {نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريماً} أي في الجنة فإِنهن في منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى العليين, فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إِلى العرش.

    يتبع .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:04

    ** يَنِسَآءَ النّبِيّ لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَآءِ إِنِ اتّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الاُولَىَ وَأَقِمْنَ الصّلاَةَ وَآتِينَ الزّكَـاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً * وَاذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىَ فِي بُيُوتِكُـنّ مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْــمَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً
    هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم ونساء الأمة تبع لهن في ذلك, فقال تعالى مخاطباً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إِذا اتقين الله عز وجل كما أمرهن, فإِنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة, ثم قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول} قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إِذا خاطبن الرجال, ولهذا قال تعالى: {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي دغل {وقلن قولاً معروفاً} قال ابن زيد: قولاً حسناً جميلاً معروفاً في الخير, ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم, أي لاتخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
    وقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} أي الزمن فلا تخرجن لغير حاجة, ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إِماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات» وفي رواية «وبيوتهن خير لهن». وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة, حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب ثقة, حدثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: جئن النساء إِلى رسول الله فقلن: يارسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى, فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قعدت ـ أو كلمة نحوها ـ منكن في بيتها, فإِنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إِلا روح بن المسيب, وهو رجل من أهل البصرة مشهور.
    وقال البزار أيضاً: حدثنا محمد المثنى, حدثني عمرو بن عاصم, حدثنا همام عن قتادة عن مورّق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِن المرأة عورة, فإِذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها» رواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه. وروى البزار بإِسناده المتقدم وأبو داوود أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها, وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» وهذا إِسناد جيد.
    وقوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال, فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} يقول: إِذا خرجتن من بيوتكن وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج, فنهى الله تعالى عن ذلك, وقال مقاتل بن حيان {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده, فيواري قلائدها وقرطها وعنقها, ويبدو ذلك كله منها, وذلك التبرج, ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
    وقال ابن جرير: حدثني ابن زهير, حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود ابن أبي الفرات, حدثنا علي بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تلا هذه الاَية {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال: كانت فيما بين نوح وإِدريس, وكانت ألف سنة, وإِن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والاَخر يسكن الجبل, وكان رجال الجبل صباحاً, وفي النساء دمامة. وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة, وإِن إِبليس لعنه الله أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام, فآجر نفسه منه فكان يخدمه, فاتخذ إِبليس شيئاً من مثل الذي يرمز فيه الرعاء, فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله, فبلغ ذلك من حوله فانتابوهم يسمعون إِليه, واتخذوا عيداً يجتمعون إِليه في السنة, فيتبرج النساء للرجال, قال ويتزين الرجال لهن, وإِن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك, فرأى النساء وصباحتهن, فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك, فتحولوا إِليهن فنزلوا معهن, وظهرت الفاحشة فيهن, فهو قول الله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.
    وقوله تعالى: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} نهاهن أولاً عن الشر ثم أمرهن بالخير من إِقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له, وإِيتاء الزكاة وهي الإحسان إِلى المخلوقين {وأطعن الله ورسوله} وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله تعالى: {إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا, لأنهن سبب نزول هذه الاَية وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً إِما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق {إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا زيد بن الحبّاب حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم, فإِن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح, وإِن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر, فإِنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
    (الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا حماد, أخبرنا علي بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إِذا خرج إِلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة ياأهل البيت, إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به. وقال: حسن غريب.
    (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبو نعيم, حدثنا يونس عن أبي إِسحاق, أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا طلع الفجر جاء إِلى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما, فقال: «الصلاة الصلاة, إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» أبو داود الأعمى هو نفيع بن الحارث كذاب.
    (حديث آخر) وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن مصعب, حدثنا الأوزاعي, حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. وعنده قوم, فذكروا علياً رضي الله عنه فشتموه, فشتمه معهم, فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل ؟ قلت: قد شتموه فشتمته معهم, ألا أخبركم بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: بلى , قال: أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي رضي الله عنه, فقالت: توجه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم, آخذ كل واحدٍ منهما بيده حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة رضي الله عنهما, وأجلسهما بين يديه, وأجلس حسناً وحسيناً رضي الله عنهما كل واحد منها على فخذه, ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساءه, ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي, وأهل بيتي أحق».
    وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن عبد الكريم بن أبي عمير عن الوليد بن مسلم, عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه, زاد في آخره قال واثلة رضي الله عنه: فقلت وأنا ـ يارسول الله صلى الله عليك ـ من أهلك ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «وأنت من أهلي» قال واثلة رضي الله عنه: وإِنها من أرجى ماأرتجي, ثم رواه أيضاً عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دكين, عن عبد السلام بن حرب عن كلثوم المحاربي عن شداد بن أبي عمار قال: إِني لجالس عند واثلة بن الأسقع رضي الله عنه, إِذ ذكروا علياً رضي الله عنه فشتموه, فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه إِني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم, فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له ثم قال لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي, اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» قلت: يارسول الله وأنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «وأنت» قال: فوالله إِنها لأوثق عمل عندي.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير, حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح, حدثني من سمع أم سلمة رضي الله عنها تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها, فأتته فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة, فدخلت عليه بها فقال صلى الله عليه وسلم لها: «ادعي زوجك وابنيك» قالت: فجاء علي وحسن وحسين رضي الله عنهم, فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له, وكان تحته صلى الله عليه وسلم كساء خيبري, قالت: وأنا في الحجرة أصلي, فأنزل الله عز وجل هذه الاَية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت رضي الله عنها: فأخذ صلى الله عليه وسلم فضل الكساء فغطاهم به, ثم أخرج يده فألوى بها إِلى السماء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي, فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» قالت: فأدخلت رأسي البيت, فقلت: وأنا معكم يارسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنك إِلى خير, إِنك إِلى خير» في إِسناده من لم يسم وهو شيخ عطاء, وبقية رجاله ثقات.
    (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا مصعب بن المقداد, حدثنا سعيد بن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة رضي الله عنها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة, تحملها على طبق, فوضعتها بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال: «أين ابن عمك وابناك ؟» فقالت رضي الله عنها في البيت, فقال صلى الله عليه وسلم: «ادعيهم» فجاءت إِلى علي رضي الله عنه فقالت: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وابناك, قالت أم سلمة رضي الله عنها: فلما رآهم مقبلين مد صلى الله عليه وسلم يده إِلى كساء كان على المنامة, فمده وبسطه وأجلسهم عليه ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله, فضمه فوق رؤوسهم, وأومأ بيده اليمنى إِلى ربه فقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي, فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».
    (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا عبد الله بن عبد القدوس, عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة رضي الله عنها فقالت: في بيتي نزلت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت أم سلمة: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى بيتي فقال: «لاتأذني لأحد» فجاءت فاطمة رضي الله عنها, فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها, ثم جاء الحسن رضي الله عنه, فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه, ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه عن جده صلى الله عليه وسلم وأمه رضي الله عنها ثم جاء علي رضي الله عنه, فلم أستطع أن أحجبه, فاجتمعوا فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه, ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي, فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» فنزلت هذه الاَية حين اجتمعوا على البساط, قالت: فقلت: يارسول الله وأنا ؟ قالت: فوالله ماأنعم, وقال: «إِنك إِلى خير».

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:12

    (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا الحسن بن عطية, حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إِن هذه الاَية نزلت في بيتي {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت: وأنا جالسة على باب البيت, فقلت: يارسول الله ألست من أهل البيت ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنك إِلى خير, أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.
    (طريق أخرى) رواها ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي الله عنها.
    (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا خالد بن مخلد, حدثني موسى بن يعقوب, حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص, عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة رضي الله عنها قالت: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم, ثم أدخلهم تحت ثوبه, ثم جأر إِلى الله عز وجل ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي» قالت أم سلمة رضي الله عنها: فقلت يارسول الله أدخلني معهم, فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت من أهلي».
    (طريق أخرى) رواها ابن جرير أيضاً عن أحمد بن محمد الطوسي, عن عبد الرحمن بن صالح, عن محمد بن سليمان الأصبهاني, عن يحيى بن عبيد المكي عن عطاء , عن عمر بن أبي سلمة عن أمه رضي الله عنها بنحو ذلك.
    (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا وكيع محمد بن بشير عن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة رضي الله عنها: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرطٌ مرحل من شعر أسود, فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله معه, ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي رضي الله عنه فأدخله معه, ثم قال صلى الله عليه وسلم: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
    (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث, حدثنا محمد بن يزيد عن العوام يعني ابن حوشب رضي الله عنه عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن علي رضي الله عنه, فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل من أحب الناس إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت تحته ابنته وأحب الناس إِليه ؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم, فألقى عليهم ثوباً فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي, فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» قالت: فدنوت منهم فقلت: يارسول الله, وأنا من أهل بيتك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «تنحي فإِنك على خير».
    (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى, حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي, حدثنا مندل عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نزلت هذه الاَية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}» قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي الله عنها كما تقدم, وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه موقوفاً, والله سبحانه وتعالى أعلم.
    (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى, حدثنا أبو بكر الحنفي, حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد رضي الله عنه قال: قال سعد رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي, فأخذ علياً وابنيه وفاطمة رضي الله عنهم, فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي».
    (حديث آخر) وقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد, عن ابن علية, قال زهير: حدثنا إِسماعيل بن إِبراهيم, حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلمة إِلى زيد بن أرقم رضي الله عنه, فلما جلسنا إِليه قال له حصين: لقد لقيت يازيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه, وغزوت معه, وصليت خلفه, لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ياابن أخي والله لقد كبرت سني, وقدم عهدي, ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما حدثتكم فاقبلوا, ومالا فلا تكلفونيه, ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطيباً بماء يدعى خماً, بين مكة والمدينة, فحمد الله تعالى وأثنى عليه, ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد, ألا أيها الناس فإِنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب, وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله تعالى, فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله عز وجل ورغب فيه, ثم قال «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثاً, فقال له حصين: ومن أهل بيته يازيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: نساؤه من أهل بيته, ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده, قال: ومن هم ؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم, قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده ؟ قال: نعم.
    ثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان عن حسان بن إِبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم رضي الله عنه, فذكر الحديث بنحو ما تقدم, وفيه فقلت له: من أهل بيته نساؤه ؟ قال: لا, وايم الله إِن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر, ثم يطلقها فترجع إِلى أبيها,, أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
    هكذا وقع في هذه الرواية, والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه, إِنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة, أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط, بل هم مع آله, وهذا الاحتمال أرجح جمعاً بينهما وبين الرواية التي قبلها, وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة إِن صحت, فإِن في بعض أسانيدها نظراً, والله أعلم, ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فإِن سياق الكلام معهن, ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} أي واعملن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة, قاله قتادة وغير واحد, واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس, أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس, وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أولاهن بهذه النعمة, وأحظاهن بهذه الغنيمة, وأخصهن من هذه الرحمة العميمة, فإِنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها, كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قال بعض العلماء رحمه الله: لأنه لم يتزوج بكراً سواها, ولم ينم معها رجل في فراشها سواه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها, فناسب أن تخصص بهذه المزية, وأن تفرد بهذه المرتبة العليا, ولكن إِذا كان أزواجه من أهل بيته, فقرابته أحق بهذه التسمية, كما تقدم في الحديث «وأهل بيتي أحق». وهذا مايشبه ماثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم, فقال: «هو مسجدي هذا» فهذا من هذا القبيل, فإِن الاَية إِنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر, ولكن إِذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم, فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بتسميته بذلك, والله أعلم.
    وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو الوليد, حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة قال: إِن الحسن بن علي رضي الله عنهما استخلف حين قتل علي رضي الله عنهما, قال: فبينما هو يصلي إِذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره, وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد, وحسن رضي الله عنه ساجد. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه, فمرض منها أشهراً ثم برأ, فقعد على المنبر فقال: ياأهل العراق اتقوا الله فينا, فإِنا أمراؤكم وضيفانكم, ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قال فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إِلا وهو يحن بكاءً.
    وقال السدي عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل من الشام: أما قرأت في الأحزاب {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ؟ فقال: نعم, ولأنتم هم ؟ قال: نعم. وقوله تعالى: {إِن الله كان لطيفاً خبيراً} أي بلطفه بكن, بلغتن هذه المنزلة, وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك. قال ابن جرير رحمه الله: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة, فاشكرن الله تعالى على ذلك واحمدنه {إِن الله كان لطيفاً خبيراً} أي ذا لطف بكن, إِذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة, وهي السنة. خبيراً بكن إِذ اختاركن لرسوله وقال قتادة {واذكرن مايتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} قال: يمتن عليهن بذلك, رواه ابن جرير. وقال عطية العوفي في قوله تعالى: {إِن الله كان لطيفاً خبيراً} يعني لطيفاً باستخراجها خبيراً بموضعها, رواه ابن أبي حاتم, ثم قال: وكذا روي عن الربيع بن أنس عن قتادة.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:19

    إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
    قال الإمام أحمد: حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثنا عثمان بن حكيم, حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إِلا ونداؤه على المنبر, وأنا أسرح شعري, فلففت شعري ثم خرجت إِلى حجرتي حجرة بيتي, فجعلت سمعي عند الجريد فإِذا هو يقول عند المنبر «ياأيها الناس إِن الله تعالى يقول: {إِن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات}» إِلى آخر الاَية, وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به مثله.
    (طريق أخرى عنها) قال النسائي أيضاً: حدثنا محمد بن حاتم, حدثنا سويد, أخبرنا عبد الله بن شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها, أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يانبي الله مالي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لايذكرون ؟ فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي معاوية, عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يارسول الله يذكر الرجال ولانذكر, فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} الاَية.
    (طريق أخرى) قال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يارسول الله يذكر الرجال ولانذكر, فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} الاَية.
    (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي, حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: ماله يذكر المؤمنين ولايذكر المؤمنات ؟ فأنزل لله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} الاَية, وحدثنا بشر حدثنا يزيد, حدثنا سعيد عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذكركن الله تعالى في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا مايذكر ؟ فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} الاَية, فقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} دليل على أن الإيمان غير الإسلام, وهو أخص منه لقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}. وفي الصحيحين «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فيسلبه الإيمان ولايلزم من ذلك كفره بإِجماع المسلمين, فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولاً في شرح البخاري.
    وقوله تعالى: {والقانتين والقانتات} القنوت هو الطاعة في سكون {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} وقال تعالى: {وله من في السموات والأرض كل له قانتون} {يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} {وقوموا لله قانتين} فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إِليها وهو الإيمان, ثم القنوت ناشىء عنهما {والصادقين والصادقات} هذا في الأقوال, فإِن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام, وهو علامة على الإيمان,)كما أن الكذب أمارة على النفاق, ومن صدق نجا, «عليكم بالصدق فإِن الصدق يهدي إِلى البر, وإِن البر يهدي إِلى الجنة, وإِياكم والكذب, فإِن الكذب يهدي إِلى الفجور, وإِن الفجور يهدي إِلى النار, ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً, ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».
    والأحاديث فيه كثيرة جداً, {والصابرين والصابرات} هذه سجية الأثبات, وهي الصبر على المصائب, والعلم بأن المقدر كائن لا محالة وتلقي ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى, أي أصعبه في أول وهلة, ثم مابعده أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها {والخاشعين والخاشعات} الخشوع: السكون والطمأنينة, والتؤدة والوقار, والتواضع, والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته, كما في الحديث «اعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك» {والمتصدقين والمتصدقات} الصدقة هي الإحسان إِلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب يعطون من فضول الأموال طاعة لله وإِحساناً إِلى خلقه. وقد ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله ـ فذكر منهم ـ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه» وفي الحديث الاَخر «والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار». والأحاديث في الحث عليها كثيرة جداً له موضع بذاته {والصائمين والصائمات} وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه «والصوم زكاة البدن» أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعاً وشرعاً, كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: {والصائمين والصائمات} ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإِنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإِنه له وجاء» ناسب أن يذكر بعده {والحافظين فروجهم والحافظات} أي عن المحارم والمآثم إِلا عن المباح كما قال عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإِنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.
    وقوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عبيد الله, حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذاأيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كُتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراُ والذاكرات» وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قلت يارسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» قال: قلت يارسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى ؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دماً, لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه».
    وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا عبد الرحمن بن إِبراهيم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة, فأتى على جمدان فقال «هذا جمدان سيروا فقد سبق المفردون» قالوا: وما المفردون ؟ قال صلى الله عليه وسلم «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» ثم قال صلى الله عليه وسلم «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: والمقصرين ؟ قال صلى الله عليه وسلم «اللهم اغفر للمحلقين» قالو, والمقصرين ؟ قال: «والمقصرين» تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم دون آخره.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى, حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إِنه بلغني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ماعمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله عز وجل» وقال معاذ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة, ومن أن تلقوا عدوكم غداً فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟» قالوا: بلى يارسول الله, قال صلى الله عليه وسلم «ذكر الله عز وجل».
    وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِن رجلاً سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجراً يارسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم «أكثرهم لله تعالى ذكراً» قال: فأي الصائمين أكثر أجراً ؟ قال صلى الله عليه وسلم «أكثرهم لله عز وجل ذكراً» ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة. كل ذلك يقول رسول الله «أكثرهم لله ذكراً» فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أجل». وسنذكر إِن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً} الاَية, إِن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم أي أن الله تعالى قد أعد لهم أي هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم وأجراً عظيماً وهو الجنة.


    ** وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً
    قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الاَية, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة رضي الله عنه, فدخل على زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها فخطبها, فقالت: لست بناكحته, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بلى فانكحيه» قالت: يارسول الله أؤامر في نفسي ؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الاَية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمراً} الاَية, قالت: قد رضيته لي يارسول الله منكحاً ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» قالت: إِذاً لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:34

    وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ اللّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمّا قَضَىَ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيَ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً
    يقول تعالى مخبراً عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه وهو الذي أنعم الله عليه أي بالإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم {وأنعمت عليه} أي بالعتق من الرق, وكان سيداً كبير الشأن جليل القدر حبيباً إِلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له الحب, ويقال لابنه أسامة الحب بن الحب, قالت عائشة رضي الله عنها: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إِلا أمره عليهم, ولو عاش بعده لاستخلفه, رواه الإمام أحمد عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد عن وائل بن داوود عن عبد الله البهي عنها.
    وقال البزار: حدثنا خالد بن يوسف, حدثنا أبو عوانة, ح وحدثنا محمد بن معمر, حدثنا أبو داود حدثنا أبو عوانة, أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: حدثني أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: فقالا: ياأسامة استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان, فقال صلى الله عليه وسلم: «أتدري ما حاجتهما ؟» قلت: لا يارسول الله, قال صلى الله عليه وسلم: «لكني أدري» قال: فأذن لهما, قالا: يارسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إِليك ؟ قال صلى الله عليه وسلم «أحب أهلي إِلي فاطمة بنت محمد» قالا: يارسول الله ما نسألك عن فاطمة, قال صلى الله عليه وسلم «فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها, وأمها أميمة بنت عبد المطلب, وأصدقها عشرة دنانير وستين درهما, وخماراً وملحفة ودرعاً, وخمسين مداً من طعام وعشرة أمداد من تمر, قاله مقاتل بن حيان, فمكث عنده قريباً من سنة أو فوقها, ثم وقع بينهما, فجاء زيد يشكوها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «أمسك عليك زوجك واتق الله» قال الله تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم, أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها.
    وقد روى الإمام أحمد ههنا أيضاً حديثاً من رواية حماد بن زيد عن ثابت, عن أنس رضي الله عنه فيه غرابة تركنا سياقه أيضاً. وقد روى البخاري أيضاً بعضه مختصراً فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم, حدثنا معلى بن منصور عن حماد بن زيد, حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن هذه الاَية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} نزلت في زيد, حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال: إن هذه الاَية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} نزلت في شأن زينب بنت حجش وزيد بن حارثة رضي الله عنهما. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن هاشم مرزوق, حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين رضي الله عنهما ما يقول الحسن في قوله تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} فذكرت له, فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها, فلما أتاه زيد رضي الله عنه ليشكوها إِليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك.
    وقال ابن جرير: حدثنا إِسحاق بن شاهين, حدثني خالد عن داود عن عامر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو كتم محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إِليه من كتاب الله تعالى لكتم {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} وقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} الوطر هو الحاجة والأرب, أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها, وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله عز وجل بمعنى أنه أوحى إِليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولامهر ولا شهود من البشر.
    قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم يعني ابن القاسم, أخبرنا النضر, حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة «اذهب فاذكرها علي» فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها, قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إِليها وأقول إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها, فوليتها ظهري ونكصت على عقبي, وقلت: يازينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك, قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي عز وجل, فقامت إِلى مسجدها, ونزل القرآن, وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إِذن, ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمنا عليها الخبز واللحم, فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته, فجعل صلى الله عليه وسلم يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يارسول الله كيف وجدت أهلك ؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر, فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه, فألقى الستر بيني وبينه, ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به {لا تدخلوا بيوت النبي إِلا أن يؤذن لكم} الاَية كلها, ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.
    وقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات, وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما, فقالت زينب رضي الله عنها: أنا الذي نزل تزويجي من السماء, وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا التي نزل عذري من السماء, فاعترفت لها زينب رضي الله عنها. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إِني لأدلي عليك بثلاث, وما من نسائك امرأة تدلي بهن: إِن جدي وجدك واحد, وإِني أنكحنيك الله عز وجل من السماء, وإِن السفير جبريل عليه الصلاة والسلام.
    وقوله تعالى: {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إِذا قضوا منهن وطراً} أي إِنما أبحنا لك تزويجها, وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه, فكان يقول له زيد بن محمد, فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ـ إِلى قوله تعالى ـ ادعوهم لاَبائهم هو أقسط عند الله} ثم زاد ذلك بياناً وتأكيداً بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها, لما طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه, ولهذا قال تعالى في آية التحريم {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ليحترز من الابن الدعي, فإِن ذلك كان كثيراً فيهم. وقوله تعالى: {وكان أمر الله مفعولاً} أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لامحالة, كانت زينب رضي الله عنها في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.


    ** مّا كَانَ عَلَى النّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللّهُ لَهُ سُنّةَ اللّهِ فِي الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُوراً
    يقول تعالى: {ماكان على النبي من حرج فيما فرض الله له} أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب رضي الله عنها التي طلقها دعيه زيد بن حارثة رضي الله عنه. وقوله تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج, وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصاً في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.


    ** الّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاَتِ اللّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً * مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً

    يمدح تبارك وتعالى {الذين يبلغون رسالات الله} أي إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها {ويخشونه} أي يخافونه ولا يخافون أحداً سواه, فلا تمنعهم سطوة أحد عن إِبلاغ رسالات الله تعالى {وكفى بالله حسيباً} أي وكفى بالله ناصراً ومعيناً, وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِنه قام بأداء الرسالة وإِبلاغها إِلى أهل المشارق والمغارب إِلى جميع أنواع بني آدم, وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع, فإِنه قد كان النبي قبله إِنما يبعث إِلى قومه خاصة, وأما هو صلى الله عليه وسلم فإِنه بعث إِلى جميع الخلق عربهم وعجمهم {قل ياأيها الناس إِني رسول الله إِليكم جميعاً} ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده, فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي الله عنهم, بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله, في ليله ونهاره, وحضره وسفره, وسره وعلانيته, فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إِلى زماننا هذا, فبنورهم يقتدي المهتدون, وعلى منهجهم يسلك الموفقون, فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.
    قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير, أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله, فيقول الله ما يمنعك أن تقول فيه ؟ فيقول رب خشيت الناس, فيقول: فأنا أحق أن يخشى» ورواه أيضاً عن عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجه عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:46

    ** إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لّيُعَذّبَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
    قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لاَدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال: يا رب وما فيها ؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله تعالى, {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض, عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك, وأشفقوا عليه من غير معصية, ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} يعني غراً بأمر الله.
    وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: عرضت على آدم, فقال: خذها بما فيها, فإن أطعت غفرت لك, وإن عصيت عذبتك, قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة, وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريباً من هذا, وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه, والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض, وقال آخرون: هي الطاعة, وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود, وقال بعضهم الغسل من الجنابة, وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري, حدثنا حماد بن واقد, يعني أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني عون بن معمر يحدث عن الحسن, يعني البصري أنه تلا هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} قال عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم, وحملة العرش العظيم, فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت, وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد, التي شدت بالأوتاد, وذللت بالمهاد, قال: فقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت, قالت: لا ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب, قال قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال لها: إن أحسنت جزيت, وإن أسأت عوقبت قالت: لا.
    وقال مقاتل بن حيان إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسموات والأرض والجبال فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة, وهي الطاعة, فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة, ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة ؟ فقلن: يا رب إنا لانستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون, ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني, وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا ؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب, ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها ؟ فقال عند ذلك آدم: مالي عندك ؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة, فلك عندي الكرامة والفضل, وحسن الثواب في الجنة, وإن عصيت, ولم ترعها حق رعاتها, وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار, قال: رضيت يا رب, وأتحملها, فقال الله عز وجل عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى: {وحملها الإنسان} رواه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب غرست في الأشجار وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة, وقالت الجبال مثل ذلك قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} في عاقبة أمره, وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن, وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب.
    ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي, حدثنا أبي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض} الاَية, قال الإنسان بين أذني وعاتقي, فقال الله عز وجل: إني معينك عليها, إني معينك على عينيك بطبقتين, فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق, ومعينك على لسانك بطبقتين, فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق, ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا. وقال ابن جرير: حدثنا يونس, حدثناء ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} الاَية, قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثواباً وعقاباً, ويستأمنهن على الدين, فقلن لا, نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً, قال: وعرض الله تبارك وتعالى على آدم فقال: بين أذني وعاتقي, قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك, أجعل لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك, فأرخ عليه حجابه واجعل للسانك باباً وغلقاً, فإذا خشيت فأغلق, وأجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
    وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني, حدثنا بقية, حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير رضي الله عنه, وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به, فمنهم رسول الله, ومنهم نبي , ومنهم نبي رسول, ونزل القرآن وهو كلام الله, وأنزلت العجمية والعربية, فعلموا أمر القرآن, وعلموا أمر السنن بألسنتهم, ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينه لهم, فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح, ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس, ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب, فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها, حتى وصل إليّ وإلى أمتي, ولا يهلك على الله إلا هالك, ولا يغفله إلا تارك, فالحذر أيها الناس, وإياكم والوسواس الخناس, فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» هذا حديث غريب جداً, وله شواهد من وجوه أخرى.
    ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني, حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, حدثنا أبو العوام القطان, حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن, وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ـ وكان يقول ـ وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة». قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة ؟ قال رضي الله عنه: الغسل من الجنابة, فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره, وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري, عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
    وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا تميم بن المنتصر, أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ـ أو قال ـ يكفر كل شيء إلا الأمانة, يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يارب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية, فيذهب به إلى الهاوية, فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها, فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم, حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الاَبدين» قال: والأمانة في الصلاة, والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء, والأمانة في الحديث, وأشد ذلك الودائع, فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال: صدق.
    وقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء, إسناده جيد, ولم يخرجوه. ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد. حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاَخر, حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال, ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه, فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك, تراه منتبراً وليس فيه شيء ـ قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال ـ فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً, حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان, ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلماً ليردنه علي دينه, وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه علي ساعيه, فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
    وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة, قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم أو قال: جبلة بن سحيم, قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة, فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمراً عظيماً, فقلت له: أكان يكره هذا ؟ قال: نعم, كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي, وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس, حدثنا زهير, حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بالأمانة فليس منا» تفرد به أبو داود رحمه الله.
    وقوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف, ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات, وهم الذين يظهرون الإيمان خوفاً من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله {والمشركين والمشركات} وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} أي وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته {وكان الله غفوراً رحيماً}. آخر تفسير سورة الأحزاب ولله الحمد والمنة.

    تمت سورة الاحزاب

    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 12:49

    سورة سبأ

    وهي مكية
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** الْحَمْدُ للّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الاَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرّحِيمُ الْغَفُورُ
    يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والاَخرة, لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والاَخرة, المالك لجميع ذلك, الحاكم في جميع ذلك, كما قال تعالى: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والاَخرة وله الحكم وإليه ترجعون} ولهذا قال تعالى ههنا: {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره, كما قال تعالى: {وإن لنا للاَخرة والأولى}, ثم قال عز وجل: {وله الحمد في الاَخرة} فهو المعبود أبداً, المحمود على طول المدى.
    وقوله تعالى: {هو الحكيم} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره {الخبير} الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء, وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه, حكيم بأمره, ولهذا قال عز وجل: {يعلم ما يلج في)الأرض وما يخرج منها} أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض, والحب المبذور, والكامن فيها, ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته {وما ينزل من السماء} أي من قطر ورزق, وما يعرج فيها, أي من الأعمال الصالحة وغير ذلك, {وهو الرحيم الغفور} أي الرحيم بعباده, فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة, الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.


    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلَىَ وَرَبّي لَتَأْتِيَنّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرّةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ * لّيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالّذِينَ سَعَوْا فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ هُوَ الْحَقّ وَيَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
    هذه إحدى الاَيات الثلاث التي لا رابع لهن مما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقع: المعاد, لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد, فإحداهن في سورة يونس عليه السلام, وهي قوله تعالى: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} والثانية هذه {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم}, والثالثة في سورة التغابن, وهي قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} فقال تعالى: {قل بلى وربي لتأتينكم} ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره, فقال: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه, أي الجميع مندرج تحت علمه, فلا يخفى عليه شيء, فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت, فهو عالم أين ذهبت , أين تفرقت, ثم يعيدها كما بدأها أول مرة, فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة, بقوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا في آياتنا معاجزين} أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله, {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} أي لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين, كما قال عز وجل: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}.
    وقوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها, وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا, رأوه حينئذ عين اليقين, ويقولون يؤمئذ أيضاً {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} يقال أيضاً {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع, بل قد قهر كل شيء وغلبه, الحميد, في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره, وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا.


    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَىَ رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلّ مُمَزّقٍ إِنّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنّةٌ بَلِ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضّلاَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىَ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ إِن نّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السّمَآءِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مّنِيبٍ
    هذا إخبار من الله عز وجل عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة, واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق} أي تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق {إنكم} أي بعد هذا الحال {لفي خلق جديد} أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك, وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك, أو أنه لم يتعمد, لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون, ولهذا قالوا: {أفترى على الله كذباً أم به جنة} قال الله عز وجل راداً عليهم {بل الذين لا يؤمنون بالاَخرة في العذاب والضلال البعيد} أي ليس الأمر كما زعموا, ولا كما ذهبوا إليه, بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد, الذي جاء بالحق, وهم الكذبة الجهلة الأغبياء {في العذاب} أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى {والضلال البعيد} من الحق في الدنيا, ثم قال تعالى منبهاً لهم على قدرته في خلق السموات والأرض, فقال تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} أي حيثما توجهوا وذهبوا, فالسماء مطلة عليهم, والأرض تحتهم, كما قال عز وجل : {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون}.
    قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} قال: إنك إن نظرت عن يمينك, أو عن شمالك, أو من بين يديك, أو من خلفك, رأيت السماء والأرض. وقوله تعالى: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم, ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا, ثم قال: {إن في ذلك لاَية لكل عبد منيب} قال معمر عن قتادة: {منيب} تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب المقبل إلى الله تعالى, أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله, على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد, لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها, وهذه الأرضين في انخفاضها, وأطوالها وأعراضها, إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام, كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} وقال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


    ** وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ وَالطّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدّرْ فِي السّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
    يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما آتاه من الفضل المبين, وجمع له بين النبوة والملك المتمكن, والجنود ذوي العدد والعدد, وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم, الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات, الصم الشامخات, وتقف له الطيور السارحات, والغاديات, والرائحات, وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل, فوقف فاستمع لقراءته, ثم قال صلى الله عليه وسلم «لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه, ومعنى قوله تعالى: {أوبي} أي سبحي, قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد, وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة, وفي هذا نظر, فإن التأويب في اللغة هو الترجيع, فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.
    وقوله تعالى: {وألنا له الحديد} قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله ناراً ولا يضربه بمطرقة, بل كان يفتله بيده مثل الخيوط, ولهذا قال تعالى: {أن اعمل سابغات} وهي الدروع قال قتادة, وهو أول من عملها من الخلق, وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا ابن سماعة حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم, ألفين له, ولأهله, وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري {وقدر في السرد} هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع وقال مجاهد في قوله تعالى: {وقدر في السرد} لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة, ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر, وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم, ولا تدقه فيقلق, وهكذا روي عن قتادة وغير واحد, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السرد حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق, واستشهد بقول الشاعر:
    وعليهما مسرودتان قضاهماداود أو صنع السوابغ تبع
    وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر, وفيه كلام, عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود عليه السلام كان يخرج متنكراً, فيسأل الركبان عنه وعن سيرته, فلا يسأل أحداً إلا أثنى عليه خيراً في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكاً في صورة رجل, فلقيه داود عليه الصلاة والسلام فسأله كما كان يسأل غيره, فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته, إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملاً. قال: ما هي قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين, يعني بيت المال, فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن يعلمه عملاً بيده يستغني به ويغني به عياله, فألان الله عز وجل له الحديد, وعلمه صنعة الدروع, فعمل الدروع, وهو أول من عملها, فقال الله تعالى: {أن اعمل سابغات وقدر في السرد} يعني مسامير الحلق, قال: وكان يعمل الدرع, فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها, واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله, وأمسك الثلث يتصدق به يوماً بيوم إلى أن يعمل غيرها, وقال: إن الله أعطى داود شيئاً لم يعطه غيره من حسن الصوت, إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر, وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج, إلا على أصناف صوته عليه السلام, وكان شديد الاجتهاد, وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير,وكان قد أعطي سبعين مزماراً في حلقه. وقوله تعالى: {واعملوا صالحاً} أي في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم {إني بما تعملون بصير} أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم, لا يخفى علي من ذلك شيء.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 13:02

    وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ غُدُوّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رّاسِيَاتٍ اعْمَلُوَاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ
    لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود, عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له, تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق, فينزل باصطخر يتغذى بها ويذهب رائحاً من اصطخر فيبيت بكابل, وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.
    وقوله تعالى: {وأسلنا له عين القطر} قال ابن عباس رضي لله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم, وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن, فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان عليه السلام قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله تعالى: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه. أي بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نذقه من عذاب السعير} وهو الحريق.
    وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً, فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح, حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير, عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء, وصنف حيات وكلاب, وصنف يحلون ويظعنون» رفعه غريب جداً. وقال أيضاً: حدثناأبي, حدثنا حرملة, حدثنا ابن وهب, أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب, وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض, وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة, وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلاً, وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين.
    وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق, حدثنا سلمة يعني ابن الفضل عن إسماعيل عن الحسن قال: الجن ولد إبليس, والإنس ولد آدم, ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون, وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب, ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً, فهو ولي الله تعالى, ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان.
    وقوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} أما المحاريب فهي البناء الحسن, وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد, وقال قتادة: هي القصور والمساجد. وقال ابن زيد: هي ا لمساكن. وأما التماثيل, فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله تعالى: {وجفان كالجواب وقدور راسيات} الجواب جمع جابية, وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء, كما قال الأعشى ميمون بن قيس:
    تروح على آل المحلق جفنةكجابية الشيخ العراقي تفهق
    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {كالجواب} أي كالجوبة من الأرض. وقال العوفي عنه كالحياض, وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. والقدور الراسيات, أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها, كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله تعالى: {اعملوا آل داود شكراً} أي وقلنا لهم: اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا, وشكراً مصدر من غير الفعل, أو أنه مفعول له, وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية, كما قال الشاعر:
    أفادتكم النعماء مني ثلاثةيدي ولساني والضمير المحجبا
    قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصيام شكر, وكل خير تعمله لله عز وجل شكر, وأفضل الشكر الحمد, رواه ابن جرير, وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح, وهذا لمن هو متلبس بالفعل, وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولاً وعملاً قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد الله بن أبي بكر, حدثنا جعفر يعني ابن سليمان عن ثابت البناني, قال: كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة, فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي, فغمرتهم هذه الاَية {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور} وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود, كان ينام نصف الليل, ويقوم ثلثه, وينام سدسه, وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود, كان يصوم يوماً ويفطر يوماً, ولا يفر إذا لاقى».
    وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام, لسليمان, يابني لا تكثر النوم بالليل, فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامة» وروى ابن أبي حاتم عن داود عليه الصلاة والسلام ههنا أثراً غريباً مطولاً جداً وقال أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا عمران بن موسى, حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكراً} قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك ؟ قال «الاَن شكرتني حين قلت إن النعمة مني». وقوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} إخبار عن الواقع.
    ** فَلَمّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلّهُمْ عَلَىَ مَوْتِهِ إِلاّ دَابّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمّا خَرّ تَبَيّنَتِ الْجِنّ أَن لّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ
    يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام, وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة, فإنه مكث متوكئاً على عصاه, وهي منسأته, كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: مدة طويلة نحواً من سنة, فلما أكلتها دابة الأرض, وهي الأرضة, ضعفت وسقطت إلى الأرض, وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضاً أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر.
    قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور, حدثنا موسى بن مسعود, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان نبي الله سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه, فيقول لها: ما اسمك ؟ فتقول كذا, فيقول: لأي شيء أنت ؟ فإن كانت تغرس غرست, وإن كانت لدواء كتبت, فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك ؟ قالت: الخروب, قال: لأي شيء أنت ؟ قالت: لخراب هذا البيت, فقال سليمان عليه السلام: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصاً فتوكأ عليها حولاً ميتاً والجن تعمل, فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين» قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك, قال: فشكرت الجن للأرضة, فكانت تأتيها بالماء, وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة, والأقرب أن يكون موقوفاً, وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.
    وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما, وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم. قال: كان سليمان عليه الصلاة والسلام يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين, والشهر والشهرين, وأقل من ذلك وأكثر, فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه, فأدخله في المرة التي توفي فيها, فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة, فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك ؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا, فإن كانت لغرس غرسها, وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت دواء كذا وكذا, فيجعلها كذلك, حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة, فسألها: ما اسمك ؟ قالت: أنا الخروبة, قال ولأي شي نبت ؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد, قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي, أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس, فنزعها وغرسها في حائط له, ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه, فمات ولم تعلم به الشياطين, وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم, وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب, وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه, فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب, فيدخل حتى يخرج من الجانب الاَخر, فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام في المحراب إلا احترق, فمر ولم يسمع صوت سليمان, ثم رجع فلم يسمع, ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق, ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً, فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات, ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته, وهي العصا بلسان الحبشة, قد أكلتها الأرضة, ولم يعلموا منذ كم مات, فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة, ثم حسبوا على ذلك النحو, فوجدوه قد مات منذ سنة, وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه, فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً, فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب, لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له, وذلك قول الله عز وجل: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم, ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام, ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب, ولكنا سننقل إليك الماء والطين, قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت, قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب ؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكراً لها, وهذا الأثر ـ والله أعلم ـ إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب, وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق, ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق, والباقي لا يصدق ولا يكذب.
    وقال ابن وهب وأسبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة, فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير وليس له باب, فقام يصلي فاتكأ على عصاه, قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكىء على عصاه, ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت, قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي, قال: فبعث الله عز وجل دابة الأرض, قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح, فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتاً, فلما رأت ذلك الجن, انفضوا وذهبوا, قال: فذلك قوله تعالى: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر, وذكر غير واحد من السلف نحواً من هذا, الله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 13:22

    وَلَقَدْ صَدّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنّهُ فَاتّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالاَخِرَةِ مِمّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكّ وَرَبّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ حَفُيظٌ
    لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان, أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى, فقال: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: هذه الاَية كقوله تعالى إخباراً عن إبليس حين امتنع من السجود لاَدم عليه الصلاة والسلام, ثم قال: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} وقال: {ثم لاَتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} والاَيات في هذا كثيرة, وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء, هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما, وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف, وكان ذلك ظناً من إبليس, فأنزل الله عز وجل {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه, فقال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت, ولا يدعوني إلا أجبته, ولا يسألني إلا أعطيته, ولا يستغفر إلا غفرت له», رواه ابن أبي حاتم.
    وقوله تبارك وتعالى: {وما كان له عليهم من سلطان} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرهم على شيء, وما كان إلا غروراً وأماني, دعاهم إليها فأجابوه, وقوله عز وجل: {إلا لنعلم من يؤمن بالاَخرة ممن هو منها في شك} أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالاَخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء, فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك.
    وقوله تعالى: {وربك على كل شيء حفيظ} أي ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس, وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.


    ** قُلِ ادْعُواْ الّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرّةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّىَ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ
    بين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد, الذي لا نظير له ولا شريك له, بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض, فقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي من الاَلهة التي عبدت من دونه {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في والأرض} كما قال تبارك وتعالى: {والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وقوله تعالى: {وما لهم فيها من شرك} أي لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا على سبيل الشركة {وما له منهم من ظهير} أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور, بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه, قال قتادة في قوله عز وجل: {وماله منهم من ظهير} من عون يعينه بشيء.
    ثم قال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة, كما قال عز وجل: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال جل وعلا: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم, وأكبر شفيع عند الله تعالى أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الاَن, ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع» الحديث بتمامه.
    وقوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق} وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة, وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه, أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي, قاله ابن مسعود رضي الله عنه ومسروق وغيرهما {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أي زال الفزع عنها, قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله عز وجل: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق} يقول: خلى عن قلوبهم, وقرأ بعض السلف, وجاء مرفوعاً إذا فرغ بالغين المعجمة ويرجع إلى الأول فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضاً ماذا قال ربكم ؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم, حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا, ولهذا قال تعالى: {قالوا الحق} أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان {وهو العلي الكبير}.
    وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا: ماذا قال ربكم ؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا, قال ابن أبي نجيح عن مجاهد {حتى إذا فزع عن قلوبهم} كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن {حتى إذا فزع عن قلوبهم} يعني ما فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {حتى إذ فزع عن قلوبهم} يعني ما فيها من الشك قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم {قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير} قال: وهذا في بني آدم هذا عند الموت, أقروا حين لا ينفعهم الإقرار, وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة, وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والاَثار, ولنذكر منها طرفاً يدل على غيره.
    قال البخاري عند تفسير هذه الاَية الكريمة في صحيحه, حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان, حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان, فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير, فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ ووصف سفيان بيده فحرفها, ونشر بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته, ثم يلقيها الاَخر إلى من تحته, حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن, فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها, وربما ألقاها قبل أن يدركه, فيكذب معها مائه كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا, كذا وكذا فيصد بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه, وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به, والله أعلم.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر, أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه, قال عبد الرزاق: من الأنصار, فرمي بنجم فاستنار, فقال صلى الله عليه وسلم: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية, قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته, ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً سبح حملة العرش, ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا, ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش, فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم, ويخبر أهل كل سماء سماء, حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون, فما جاؤوا به على وجهه فهو حق, ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون» هكذا رواه الإمام أحمد, وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله, أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن رجل من الأنصار به. وقال يونس عن رجال من الأنصار رضي الله عنهم, وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به, ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي, عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من الأنصار رضي الله عنه, والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 13:34

    قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * قُل لاّ تُسْأَلُونَ عَمّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِيَ الّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ
    يقول تعالى مقرراً تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضاً, فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض, أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله, فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل, والاَخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال, بل واحد منا مصيب, ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى, ولهذا قال: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين والله ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين.
    وقوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} معناه التبري منهم, أي لستم منا ولا نحن منكم, بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له, فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم, وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا, كما قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون}. وقال عز وجل: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين}.
    وقوله تعالى: {قل يجمع بيننا ربنا} أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد, ثم يفتح بيننا بالحق, أي يحكم بيننا بالعدل, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر, وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون * وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الاَخرة فأولئك في العذاب محضرون} ولهذا قال عز وجل: {وهو الفتاح العليم} أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
    وقوله تبارك وتعالى: {قل أروني الذين ألحقتم به شركاء} أي أروني هذه الاَلهة التي جعلتموها لله أنداداً وصيرتموها له عدلاً {كلا} أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: {بل هو الله} أي الواحد الأحد الذي لا شريك له {العزيز الحكيم} أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء, الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره, تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علواً كبيراً, والله أعلم.


    ** وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَـَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ لاّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ
    يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً}, {بشيراً ونذيراً} أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} كقوله عز وجل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}.
    قال محمد بن كعب في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الاَية: أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم, فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني, حدثنا حفص بن عمر العدني, حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة, قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبم فضله على الأنبياء ؟ قال رضي الله عنه: إن الله تعالى قال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم, والكل صحيح.
    ثم قال عز وجل مخبراً عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وهذه الاَية كقوله عز وجل: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} الاَية, ثم قال تعالى: {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص, فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم كما قال تعالى: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} وقال عز وجل: {وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأتِ لا تلكم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد}


    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَن نّؤْمِنَ بِهَـَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلّذِينَ اسْتُضْعِفُوَاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىَ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مّجْرِمِينَ * وَقَالَ الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نّكْفُرَ بِاللّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرّواْ النّدَامَةَ لَمّا رَأَوُاْ اْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِيَ أَعْنَاقِ الّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم, وبما أخبربه من أمر المعاد, ولهذا قال تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} قال الله عز وجل متهدداً لهم ومتوعداً ومخبراً عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم {يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا} وهم الأتباع {للذين استكبروا} منهم وهم قادتهم وسادتهم {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إِذ جاءكم ؟} أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان, وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لش*****كم واختياركم لذلك, ولهذا قالوا {بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} أي بل كنتم تمكرون بنا ليلاً نهاراً وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء, فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.
    قال قتادة وابن زيد {بل مكر الليل والنهار} يقول: بل مكركم بالليل والنهار, وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم بالليل والنهار {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} أي نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبهاً وأشياء من المحال تضلوننا بها {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم {هل يجزون إِلا ما كانوا يعملون} أي إِنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا فروة بن أبي المغراء, حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها, ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب». وحدثنا أبي, حدثنا أحمد بن أبي الحواري, حدثنا الطيب أبو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولامغار ولاغل ولاقيد ولاسلسلة إِلا اسم صاحبها عليها مكتوب, قال: فحدثته أبا سليمان, يعني الداراني رحمة الله عليه, فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه, فجعل القيد والغل في يديه, والسلسلة في عنقه, ثم أدخل النار وأدخل المغار ؟ اللهم سلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 13:36

    وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ
    يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وآمراً بالتأسي بمن قبله من الرسل, ومخبره بأنه ما بعث نبياً في قرية إِلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم, كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} {وما نراك اتبعك إِلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} وقال الكبراء من قوم صالح {للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قالوا إِنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إِنا بالذي آمنتم به كافرون} وقال عز وجل: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقال تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} وقال جل وعلا: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} وقال جل وعلا ههنا: {وما أرسلنا في قرية من نذير} أي نبي أو رسول {إِلا قال مترفوها} وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة, قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر {إِنا بما أرسلتم به كافرون} أي لا نؤمن به ولا نتبعه.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا هارون بن إِسحاق, حدثنا محمد بن عبد الوهاب عن سفيان بن عاصم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الاَخر, فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إِلى صاحبه يسأله ما فعل. فكتب إِليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إِنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم, قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه, قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب, قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِلام تدعو ؟ قال «أدعوا إلى كذا وكذا» قال: أشهد أنك رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم «وما علمك بذلك ؟» قال: إِنه لم يبعث نبي إِلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم, قال: فنزلت هذه الاَية {وما أرسلنا في قرية من نذير إِلا قال مترفوها إِنا بما أرسلتهم به كافرون} الاَية, قال: فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إِن الله عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت, وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم ؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل.
    وقال تبارك وتعالى إِخباراً عن المترفين المكذبين: {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد, واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم, وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الاَخرة وهيهات لهم ذلك قال الله تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} وقال تبارك وتعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنياوتزهق أنفسهم وهم كافرون} وقال عز وجل {ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد كلا إِنه كان لاَياتنا عنيداً سأرهقه صعوداً} وقد أخبر الله عز وجل عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد, ثم لم يغن عنه شيئاً بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الاَخرة, ولهذا قال عز وجل ها هنا: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب, فيفقر من يشاء ويغني من يشاء, وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون
    ** وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـَؤُلاَءِ إِيّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مّؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النّارِ الّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ
    يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على روؤس الخلائق, فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى, فيقول للملائكة {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم, كما قال تعالى في سورة الفرقان {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إِلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} وهكذا تقول الملائكة {سبحانك} أي تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله {أنت ولينا من دونهم} أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء {بل كانوا يعبدون الجن} يعنون الشياطين, لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم {أكثرهم بهم مؤمنون} كما قال تبارك وتعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله} قال الله عز وجل {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً, ولا ضراً} أي لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم «اليوم لايملكون لكم نفعاً ولا ضراً» {ونقول للذين ظلموا} وهم المشركون {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيجاً.


    ** وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـَذَا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدّكُمْ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـَذَآ إِلاّ إِفْكٌ مّفْتَرًى وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ لَمّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ * وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نّذِيرٍ * وَكَذّبَ الّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
    يخبر الله عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب, لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله صلى الله عليه وسلم {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} يعنون أن دين آبائهم هو الحق, وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل, عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى: {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون القرآن {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} قال الله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل عليناكتاب لكنا أهدى من غيرنا, فلما منّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.
    ثم قال تعالى: {وكذب الذين من قبلهم} أي من الأمم {وما بلغوا معشار ماآتيناهم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي من القوة في الدنيا. وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد, كما قال تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} أي وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده, بل دمر الله عليهم لماكذبوا رسله, ولهذا قال: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 13:57

    ** قُلْ إِنّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلّهِ مَثْنَىَ وَفُرَادَىَ ثُمّ تَتَفَكّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
    يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون {إنما أعظكم بواحدة} أي إنماآمركم بواحدة وهي {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي تقوموا قياماً خالصاً لله عز وجل من غير هوى ولا عصبية, فيسأل بعضكم بعضاً هل بمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضاً {ثم تتفكروا} أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه, ويتفكر في ذلك, ولهذا قال تعالى: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتاده وغيرهم, وهذا هو المراد من الاَية.
    فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أعطيت ثلاثاً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي, كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها, وبعثت إلى كل أحمر وأسود, وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة, قال الله تعالى: {أن تقوموا لله مثنى وفراد} وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» فهو حديث ضعيف الإسناد, وتفسير الاَية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد, ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة, فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها, والله أعلم.
    وقوله تعالى: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن خازم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش, فقالوا: مالك ؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني» قالوا: بلى, قال صلى الله عليه وسلم: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا. فأنزل الله عز وجل {تبت يدا أبي لهب وتب} وقد تقدم عند قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم. حدثنا بشير بن المهاجر, حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فنادى ثلاث مرات, فقال: «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟» قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم, فبعثوا رجلاً يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو, فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه, فأهوى بثوبه, أيها الناس أوتيتم أيها الناس أوتيتم» ثلاث مرات, وبهذا الإسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت لتسبقني» تفرد به الإمام أحمد في مسنده
    ** قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٍ * قُلْ إِنّ رَبّي يَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَآءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنّمَآ أَضِلّ عَلَىَ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيّ رَبّي إِنّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين {ما سألتكم من أجر فهو لكم} أي لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله {إن أجري إلا على الله} أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله {وهو على كل شيء شهيد} أي عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه.
    وقوله عز وجل: {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} أي يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض, وهو علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله تبارك وتعالى: {قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم, وذهب الباطل وزهق واضمحل, كقوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح, ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} {قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الاَية, كلهم من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة, عن ابن مسعود رضي الله عنه به, أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة وزعم قتاده والسدي أن المراد بالباطل ههنا إبليس, أي أنه لا يخلق أحداً ولا يعيده ولا يقدر على ذلك, وهذا وإن كان حقاً ولكن ليس هو المراد ههنا, والله أعلم.
    .** قُلِ ادْعُواْ الّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرّةٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّىَ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ
    بين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد, الذي لا نظير له ولا شريك له, بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض, فقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي من الاَلهة التي عبدت من دونه {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في والأرض} كما قال تبارك وتعالى: {والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وقوله تعالى: {وما لهم فيها من شرك} أي لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا على سبيل الشركة {وما له منهم من ظهير} أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور, بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه, قال قتادة في قوله عز وجل: {وماله منهم من ظهير} من عون يعينه بشيء.
    ثم قال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة, كما قال عز وجل: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال جل وعلا: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم, وأكبر شفيع عند الله تعالى أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الاَن, ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع, وسل تعطه, واشفع تشفع» الحديث بتمامه.
    وقوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق} وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة, وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه, أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي, قاله ابن مسعود رضي الله عنه ومسروق وغيرهما {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أي زال الفزع عنها, قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله عز وجل: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق} يقول: خلى عن قلوبهم, وقرأ بعض السلف, وجاء مرفوعاً إذا فرغ بالغين المعجمة ويرجع إلى الأول فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضاً ماذا قال ربكم ؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم, حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا, ولهذا قال تعالى: {قالوا الحق} أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان {وهو العلي الكبير}.
    وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا: ماذا قال ربكم ؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا, قال ابن أبي نجيح عن مجاهد {حتى إذا فزع عن قلوبهم} كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن {حتى إذا فزع عن قلوبهم} يعني ما فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {حتى إذ فزع عن قلوبهم} يعني ما فيها من الشك قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم {قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير} قال: وهذا في بني آدم هذا عند الموت, أقروا حين لا ينفعهم الإقرار, وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة, وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والاَثار, ولنذكر منها طرفاً يدل على غيره.
    قال البخاري عند تفسير هذه الاَية الكريمة في صحيحه, حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان, حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان, فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير, فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ ووصف سفيان بيده فحرفها, ونشر بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته, ثم يلقيها الاَخر إلى من تحته, حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن, فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها, وربما ألقاها قبل أن يدركه, فيكذب معها مائه كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا, كذا وكذا فيصد بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه, وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به, والله أعلم.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر, أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه, قال عبد الرزاق: من الأنصار, فرمي بنجم فاستنار, فقال صلى الله عليه وسلم: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم. قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية, قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته, ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً سبح حملة العرش, ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا, ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش, فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم, ويخبر أهل كل سماء سماء, حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون, فما جاؤوا به على وجهه فهو حق, ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون» هكذا رواه الإمام أحمد, وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله, أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن رجل من الأنصار به. وقال يونس عن رجال من الأنصار رضي الله عنهم, وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به, ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي, عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من الأنصار رضي الله عنه, والله أعلم.

    يتبع

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 14:01

    قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * قُل لاّ تُسْأَلُونَ عَمّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِيَ الّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ
    يقول تعالى مقرراً تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضاً, فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض, أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله, فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل, والاَخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال, بل واحد منا مصيب, ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى, ولهذا قال: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين والله ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين.
    وقوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} معناه التبري منهم, أي لستم منا ولا نحن منكم, بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له, فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم, وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا, كما قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون}. وقال عز وجل: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين}.
    وقوله تعالى: {قل يجمع بيننا ربنا} أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد, ثم يفتح بيننا بالحق, أي يحكم بيننا بالعدل, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر, وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون * وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الاَخرة فأولئك في العذاب محضرون} ولهذا قال عز وجل: {وهو الفتاح العليم} أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
    وقوله تبارك وتعالى: {قل أروني الذين ألحقتم به شركاء} أي أروني هذه الاَلهة التي جعلتموها لله أنداداً وصيرتموها له عدلاً {كلا} أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: {بل هو الله} أي الواحد الأحد الذي لا شريك له {العزيز الحكيم} أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء, الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره, تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علواً كبيراً, والله أعلم.
    ** وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَـَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ لاّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ
    يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً}, {بشيراً ونذيراً} أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} كقوله عز وجل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}.
    قال محمد بن كعب في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الاَية: أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم, فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني, حدثنا حفص بن عمر العدني, حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة, قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبم فضله على الأنبياء ؟ قال رضي الله عنه: إن الله تعالى قال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم, والكل صحيح.
    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَن نّؤْمِنَ بِهَـَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلّذِينَ اسْتُضْعِفُوَاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىَ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مّجْرِمِينَ * وَقَالَ الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نّكْفُرَ بِاللّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرّواْ النّدَامَةَ لَمّا رَأَوُاْ اْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِيَ أَعْنَاقِ الّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم, وبما أخبربه من أمر المعاد, ولهذا قال تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} قال الله عز وجل متهدداً لهم ومتوعداً ومخبراً عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم {يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا} وهم الأتباع {للذين استكبروا} منهم وهم قادتهم وسادتهم {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاؤونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إِذ جاءكم ؟} أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان, وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لش*****كم واختياركم لذلك, ولهذا قالوا {بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} أي بل كنتم تمكرون بنا ليلاً نهاراً وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء, فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.
    قال قتادة وابن زيد {بل مكر الليل والنهار} يقول: بل مكركم بالليل والنهار, وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم بالليل والنهار {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} أي نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبهاً وأشياء من المحال تضلوننا بها {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم {هل يجزون إِلا ما كانوا يعملون} أي إِنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا فروة بن أبي المغراء, حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها, ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب». وحدثنا أبي, حدثنا أحمد بن أبي الحواري, حدثنا الطيب أبو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولامغار ولاغل ولاقيد ولاسلسلة إِلا اسم صاحبها عليها مكتوب, قال: فحدثته أبا سليمان, يعني الداراني رحمة الله عليه, فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه, فجعل القيد والغل في يديه, والسلسلة في عنقه, ثم أدخل النار وأدخل المغار ؟ اللهم سلم.
    وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنّ رَبّي يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ
    يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وآمراً بالتأسي بمن قبله من الرسل, ومخبره بأنه ما بعث نبياً في قرية إِلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم, كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} {وما نراك اتبعك إِلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} وقال الكبراء من قوم صالح {للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قالوا إِنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إِنا بالذي آمنتم به كافرون} وقال عز وجل: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقال تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} وقال جل وعلا: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} وقال جل وعلا ههنا: {وما أرسلنا في قرية من نذير} أي نبي أو رسول {إِلا قال مترفوها} وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة, قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر {إِنا بما أرسلتم به كافرون} أي لا نؤمن به ولا نتبعه.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 14:05

    وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـَؤُلاَءِ إِيّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مّؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النّارِ الّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ
    يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على روؤس الخلائق, فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى, فيقول للملائكة {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم, كما قال تعالى في سورة الفرقان {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إِلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} وهكذا تقول الملائكة {سبحانك} أي تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله {أنت ولينا من دونهم} أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء {بل كانوا يعبدون الجن} يعنون الشياطين, لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم {أكثرهم بهم مؤمنون} كما قال تبارك وتعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله} قال الله عز وجل {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً, ولا ضراً} أي لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم «اليوم لايملكون لكم نفعاً ولا ضراً» {ونقول للذين ظلموا} وهم المشركون {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيجاً.


    ** وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـَذَا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدّكُمْ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـَذَآ إِلاّ إِفْكٌ مّفْتَرًى وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ لَمّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ * وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نّذِيرٍ * وَكَذّبَ الّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
    يخبر الله عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب, لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله صلى الله عليه وسلم {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} يعنون أن دين آبائهم هو الحق, وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل, عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى: {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون القرآن {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} قال الله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل عليناكتاب لكنا أهدى من غيرنا, فلما منّ الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه.
    ثم قال تعالى: {وكذب الذين من قبلهم} أي من الأمم {وما بلغوا معشار ماآتيناهم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي من القوة في الدنيا. وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد, كما قال تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} أي وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده, بل دمر الله عليهم لماكذبوا رسله, ولهذا قال: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي.
    ** قُلْ إِنّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلّهِ مَثْنَىَ وَفُرَادَىَ ثُمّ تَتَفَكّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
    يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون {إنما أعظكم بواحدة} أي إنماآمركم بواحدة وهي {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي تقوموا قياماً خالصاً لله عز وجل من غير هوى ولا عصبية, فيسأل بعضكم بعضاً هل بمحمد من جنون. فينصح بعضكم بعضاً {ثم تتفكروا} أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه, ويتفكر في ذلك, ولهذا قال تعالى: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتاده وغيرهم, وهذا هو المراد من الاَية.
    فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أعطيت ثلاثاً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي, كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها, وبعثت إلى كل أحمر وأسود, وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة, قال الله تعالى: {أن تقوموا لله مثنى وفراد} وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» فهو حديث ضعيف الإسناد, وتفسير الاَية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد, ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة, فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها, والله أعلم.
    ** قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٍ * قُلْ إِنّ رَبّي يَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَآءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنّمَآ أَضِلّ عَلَىَ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيّ رَبّي إِنّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين {ما سألتكم من أجر فهو لكم} أي لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله {إن أجري إلا على الله} أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله {وهو على كل شيء شهيد} أي عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه.
    وقوله عز وجل: {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} أي يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض, وهو علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله تبارك وتعالى: {قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم, وذهب الباطل وزهق واضمحل, كقوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح, ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} {قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد} رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الاَية, كلهم من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة, عن ابن مسعود رضي الله عنه به, أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة وزعم قتاده والسدي أن المراد بالباطل ههنا إبليس, أي أنه لا يخلق أحداً ولا يعيده ولا يقدر على ذلك, وهذا وإن كان حقاً ولكن ليس هو المراد ههنا, والله أعلم.
    يقول تبارك وتعالى: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة, فلا فوت أي فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ {وأخذوا من مكان قريب} أي لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب بل أخذوا من أول وهلة. قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم. وقال مجاهد وعطية العوفي وقتاده: من تحت أقدامهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: يعني عذابهم في الدنيا. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني قتلهم يوم بدر, والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة, وهو الطامة العظمى, وإِن كان ما ذكر متصلاً بذلك, وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس رضي الله عنهم. ثم أورد في ذلك حديثاً موضوعاً بالكلية, ثم لم ينبه على ذلك, وهذا أمر عجيب غريب منه {وقالوا آمنا به} أي يوم القيامة يقولون آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله كما قال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} ولهذا قال تعالى: {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} أي وكيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم, وصاروا إلى الدار الأخرة وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء, فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الأخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان, كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد.
    قال مجاهد {وأنى لهم التناوش} قال: التناول لذلك. وقال الزهري: التناوش تناولهم الإيمان وهم في الاَخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا, وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال تعاطوا الإيمان من مكان بعيد. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة, وكذا قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله.
    وقوله تعالى: {وقد كفروا به من قبل} أي كيف يحصل لهم الإيمان في الاَخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} قال مالك عن زيد بن أسلم {ويقذفون بالغيب} قال: بالظن, قلت: كما قال تعالى: {رجماً بالغيب} فتارة يقولون شاعر, وتارة يقولون كاهن, وتارة يقولون ساحر, وتارة يقولون مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة, ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد {ويقولون إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولانار.
    وقوله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما: يعني الإيمان وقال السدي {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} وهي التوبة, وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله. وقال مجاهد {وحيل بينهم وبين مايشتهون} من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل, وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس رضي الله عنهم, وهو قول البخاري وجماعه, والصحيح أنه لا منافاة بين القولين, فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنياوبين ما طلبوه في الأخرة فمنعوا منه.
    وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا أثراً غريباً عجيباً جداً فنذكره بطوله, فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا بشر بن حجر السامي, حدثنا علي بن منصور الأنباري عن الشرقي بن قطامي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} إلى آخر الاَية, قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحاً أي فتح الله تعالى له مالاً, فمات فورثه ابن له تافه أي فاسد, فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى عز وجل, فلما رأى ذلك أخوات أبيه, أتوا الفتى فعذلوه ولاموه, فضجر الفتى فباع عقاره بصامت, ثم رحل فأتى عيناً ثجاجة فسرح فيها ماله وابتنى قصراً, فبينما هو ذات يوم جالس إذ حملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً, أي ريحاً, فقالت: من أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل, قالت: فلك هذا القصر وهذا المال ؟ فقال: نعم. قالت: فهل لك من زوجة ؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك ؟ قال: قد كان ذاك, قال: فهل لك من بعل ؟ قالت: لا, قال: فهل لك إلا أن أتزوجك ؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل, فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني, وإِن رأيت في طريقك هولاً فلا يهولنك, فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق, فانتهى إلى قصر فقرع رتاجه, فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً, أي ريحاً, فقال: من أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا الإسرائيلي, قال: فما حاجتك ؟ قال: دعتني صاحبة القصر إلى نفسها, قال: صدقت, قال: فهل رأيت في الطريق هولاً ؟ قال: نعم ولولا أنها أخبرتني أن لابأس علي لهالني الذي رأيت, قال: ما رأيت ؟ قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحة فاها, ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها, وإذا جراؤها ينبحن من بطنها, فقال له الشاب: لست تدرك هذا, هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حفّل, وإذا فيها جدي يمصها, فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئاً فتح فاه يلتمس الزيادة, فقال: لست تدرك هذا, هذا يكون في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئاً فتح فاه يلتمس الزيادة, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة, فأردت قطعه فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله منا فخذ حتى ناداني الشجر أجمع يا عبد الله مني فخذ, فقال: لست تدرك هذا, هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال ويكثر النساء حتى أن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل, فإذا أنا برجل قائم على عين يغرف لكل إنسان من الماء, فإذا تصدعوا عنه صب في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء, فال: لست تدرك هذا, هذا يكون في آخر الزمان القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها, وإذا رجل قد أخذ بقرنيها, وإذا رجل قد أخذ بذنبها, وإذا راكب قد ركبها, وإذا رجل يحتلبها, فقال: أما العنز فهي الدنيا, والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها, وأما الذي أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقاً, وأما الذي أخذ بدنبها فقد أدبرت عنه, وأما الذي ركبها فقد تركها, وأما الذي يحلبها فبخ بخ ذهب ذلك بها, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتح على قليب كلما أخرج دلوه صبه في الحوض فانساب الماء راجعاً إلى القليب, قال: هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله, قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذراً فيستحصد فإذا حنطة طيبة, قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مستلق على قفاه, قال: يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني, فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى, فأخذت بيده, فقام يسعى حتى ما أراه, فقال له الفتى هذاعمر الأبعد نفد, أنا ملك الموت, وأنا المرأة التي أتتك أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان, ثم أصيره إلى نار جهنم, قال: ففيه نزلت هذه الاَية {وحيل بينهم وبين مايشتهون} الاَية, هذا أثر غريب وفي صحته نظر, وتنزيل الاَية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا, كما جرى لهذا المغرور المفتون, ذهب يطلب مراده فجاءه ملك الموت فجأة بغتة وحيل بينه وبين ما يشتهي.
    وقوله تعالى: {كما فعل بأشياعهم من قبل} أي كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون}. وقوله تبارك وتعالى: {إنهم كانوا في شك مريب} أي كانوا في الدنيا في شك ريبة, فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب, قال قتاده إياكم والشك والريبة, فإن من مات على شك بعث عليه, ومن مات على يقين بعث عليه. آخر تفسير سورة سبأ والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

    تمت سورة السبأ
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 14:25

    سورة فاطر
    وهي مكية
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** الْحَمْدُ للّهِ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيَ أَجْنِحَةٍ مّثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
    قال سفيان الثوري عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعربيان يختصمان في بئر, فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي بدأتها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً {فاطر السموات والأرض} أي بديع السموات والأرض. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السموات والأرض, فهو خالق السموات والأرض. وقوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً} أي بينه وبين أنبيائه {أولي أجنحة} أي يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعاً {مثنى وثلاث ورباع} أي منهم من له جناحان, ومنهم من له ثلاثة, ومنهم من له أربعة, ومنهم من له أكثر من ذلك, كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء وله ستمائة جناح, بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب, ولهذا قال جل وعلا: {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء وقال الزهري وابن جريج في قوله تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء} يعني حسنالصوت, رواه عن الزهري البخاري في الأدب, وابن أبي حاتم في تفسيره, وقرىء في ال*** {يزيد في الحلق} بالحاء المهلة, والله أعلم.


    ** مّا يَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِن رّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
    يخبر تعالى أنه ما شاء كان, وما لم يشأ لم يكن, وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي ولا منع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم, حدثنا مغيرة, أخبرنا عامر عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة اكتب لي بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من الصلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وسمعته ينهى عن قيل وقال: وكثرة السؤالن وإضاعة المال, وعن وأد البنات, وعقوق الأمهات, ومنع وهات, وأخرجاه من طرق عن ورّاد به. وثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «سمع الله لمن حمده, اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض, وملء ما شئت من شيء بعد, اللهم أهل الثناء والمجد, أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وهذه الاَية كقوله تبارك وتعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} ولها نظائر كثيرة. وقال الإمام مالك رحمة الله عليه: كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا مطروا يقول: مطرنا بنوء الفتح, ثم يقرأ هذه الاَية {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} ورواه ابن أبي حاتم عن يونس عن ابن وهب عنه.


    ** يَأَيّهَا النّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ
    ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق, فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان, ولهذا قال تعالى: {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان, ووضوح هذا البرهان, وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان, والله أعلم.


    ** وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ * يَأَيّهَا النّاسُ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ * إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السّعِيرِ
    ويقول تبارك وتعالى: وإِن يكذبوك يا محمد هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد, فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة, فإنهم كذلك جاؤوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم {وإلى الله ترجع الأمور} أي وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء ثم قال تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} أي المعاد كائن لا محالة {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم, فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية {ولا يغرنكم بالله الغرور} وهو الشيطان قاله ابن عباس رضي الله عنهما, أي لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته, فإنه غرار كذاب أفاك, وهذه الاَية كالاَية التي في آخر لقمان {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} وقال مالك عن زيد بن أسلم هو الشيطان, كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب {بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور}
    ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} أي هو مبارز لكم بالعداوة فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} أي إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير, فهذا هو العدو المبين نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتاب الله, والاقتفاء بطريق رسله, إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير, وهذه كقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لاَدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً}.


    ** الّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوَءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
    لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير, ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد, لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن, وأن الذين آمنوا بالله ورسله {وعملوا الصالحات لهم مغفرة} أي لما كان منهم من ذنب {وأجر كبير} على ما عملوه من خير. ثم قال تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} يعني كالكفار والفجار يعملون أعمالاً سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً, أي أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة, لاحيلة لك فيه {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} أي بقدره كان ذلك {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي لا تأسف على ذلك, فإن الله حكيم في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي, لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام, ولهذا قال تعالى: {إن الله عليم بما يصنعون}
    وقال ابن أبي حاتم عند هذه الاَية: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني أو ربيعة عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو في حائط بالطائف يقال له الوهط, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة, ثم ألقى عليهم من نوره, فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضل, فلذلك أقول جف القلم على ما علم الله عز وجل» ثم قال: حدثنا محمد بن عبدة القزويني, حدثنا حسان بن حسان البصري, حدثنا إبراهيم بن بشير, حدثنا يحيى بن معن, حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «الحمدلله الذي يهدي من الضلالة, ويلبس الضلالة على من أحب» وهذا أيضاً حديث غريب جداً.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 14:45

    للّهُ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىَ بَلَدٍ مّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النّشُورُ * مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزّةَ فَلِلّهِ الْعِزّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالّذِينَ يَمْكُرُونَ السّيّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىَ وَلاَ تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمّرُ مِن مّعَمّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتَابٍ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ
    كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها, كما في أول سورة الحج ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها, فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها, أنزل من تحت العرش مطراً يعم الأرض جميعاً, ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض ولهذا جاء في الصحيح «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب, منه خلق ومنه يركب» ولهذا قال تعالى: {كذلك النشور} وتقدم في الحج حديث أبي رزين قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ قال صلى الله عليه وسلم «يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلاً ثم مررت به يهتز خضراً» قلت: بلى, قال صلى الله عليه وسلم: «فكذلك يحيي الله الموتى»
    وقوله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} أي من كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والأخرة فليلزم طاعة الله تعالى, فإنه يحصل له مقصوده لأن الله تعالى مالك الدنيا والأخرة وله العزة جميعاً, كما قال تعالى: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً} وقال عز وجل: {ولا يحزنك قولهم, إن العزة لله جميعاً} وقال جل جلاله {و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} قال مجاهد {من كان يريد العزة} بعبادة الأوثان {فلله العزة جميعاً} وقال قتادة {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} أي فليتعزز بطاعة الله عز وجل, وقيل من كان يريد علم العزة لمن هي {فلله العزة جميعاً} وحكاه ابن جرير.
    وقوله تبارك وتعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} يعني الذكر والتلاوة والدعاء, قاله غير واحد من السلف. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى, إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر تبارك الله, أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا واستغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الله عز وجل, ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وحدثنا يعقوب بن إبراهيم , حدثنا ابن علية, أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لسبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن, وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه, وقد روي مرفوعاً.
    قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير, حدثنا موسى يعني ابن مسلم الطحان عن عون بن عبد الله عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله, يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل, يذكرن بصاحبهن, ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به» وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بشر خلف عن يحيى بن سعيد القطان عن موسى بن أبي عيسى الطحان, عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه أو عن أخيه, عن النعمان بن بشير رضي الله عنه به.
    وقوله تعالى: {والعمل الصالح يرفعه} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: الكلم الطيب ذكر الله تعالى, يصعد به إلى الله عز وجل, والعمل الصالح أداء الفريضة, فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله وذكر الله تعالى به إلى الله عز وجل, ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله, فكان أولى به, وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب, وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد. وقال إياس بن معاوية القاضي, لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل.
    وقوله تعالى: {والذين يمكرون السيئات} قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب: هم المراؤون بأعمالهم, يعني يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى, وهم بغضاء إلى الله عز وجل يراؤون بأعمالهم {ولا يذكرون الله إلا قليلاً} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون, والصحيح أنها عامة, والمشركون داخلون بطريق الأولى, ولهذا قال تعالى: {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى, فإنه ما أسر أحدٌ سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه, وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر, فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي, أما المؤمنين المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم, بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.
    وقوله تبارك وتعالى: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة} أي ابتدأ خلق أبيكم من تراب, ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين {ثم جعلكم أزواجاً} أي ذكراً وأنثى, لطفاً منه ورحمة أن جعل لكم أزواجاً من جنسكم لتسكنواإليها. وقوله عز وجل: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل {ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيص الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}.
    وقوله عز وجل: {وما يعمّر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول {وما ينقص من عمره} الضمير عائد على الجنس لا على العين, لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره, وإنما عاد الضمير على الجنس قال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه أي هو ونصف ثوب آخر, وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له, فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه, وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر, ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له, فذلك قوله تعالى: {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} يقول: كل ذلك في كتاب عنده, وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.
    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق على عمر واحد, بل لهذا عمر, ولهذا عمر هو أنقص من عمره. فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ, وقال بعضهم: بل معناه {وما يعمر من معمر} أي ما يكتب من الأجل {ولا ينقص من عمره} وهو ذهابه قليلاً قليلاً, الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة, وشهراً بعد شهر, وجمعة بعد جمعة, ويوماً بعد يوم, وساعة بعد ساعة, الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه, نقله ابن جرير عن أبي مالك, وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني, واختار ابن جرير الأول, وهو كما قال.
    وقال النسائي عند تفسير هذه الاَية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال: سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه». وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 14:55

    وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَىَ وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظّلُمَاتُ وَلاَ النّورُ * وَلاَ الظّلّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَآءُ وَلاَ الأمْوَاتُ إِنّ اللّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلاّ نَذِيرٌ * إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مّنْ أُمّةٍ إِلاّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ وَبِالزّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمّ أَخَذْتُ الّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
    يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان, بل بينهما فرق وبون كثير, وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا لظل ولا الحرور, كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات, كقوله تعالى: {أو من كان ميتاً فأحيييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن في مثله الظلمات ليس بخارج منها} وقال عز وجل: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً} فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والاَخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون, والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها, بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والاَخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم, وظل من يحموم لا بارد ولا كريم.
    وقوله تعالى: {إن الله يسمع من يشاء} أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والإنقياد لها. {وما أنت بمسمع من في القبور} أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها, كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم {إن أنت إلا نذير} أي إنما عليك البلاغ والإنذار, والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء, {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} أي بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين, {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر, وأزاح عنهم العلل, كما قال تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} وكما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} الاَية, والاَيات في هذا كثيرة.
    وقوله تبارك وتعالى: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات} وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات {وبال***} وهي الكتب {وبالكتاب المنير} أي الواضح البين {ثم أخذت الذين كفروا} أي ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاؤوهم به, فأخذتهم أي بالعقاب والنكال {فكيف كان نكير} أي فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيماً شديداً بليغاً, والله أعلم.


    ** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النّاسِ وَالدّوَآبّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
    يقول تعالى منبهاً على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد, وهو الماء الذي ينزله من السماء, يخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار, كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها, كما قال تعالى في الاَية الأخرى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لاَيات لقوم يعقلون}.
    وقوله تبارك وتعالى: {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان, كما هو المشاهد أيضاً من بيض وحمر, وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة, مختلفة الألوان أيضاً قال ابن عباس رضي الله عنهما: الجدد الطرائق, وكذا قال أبو مالك والحسن وقتاده والسدي, ومنها غرابيب سود. قال عكرمة: الغرابيب الجبال الطوال السود, وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة: وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب, ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الاَية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: {وغرابيب سود} أي سود غرابيب, وفيما قاله نظر.
    وقوله تعالى: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} أي كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب, وهو كل ما دب على القوائم, والأنعام, من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضاً, فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض, والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك, ولهذا قال تعالى في الاَية الأخرى: {واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لاَيات للعالمين} وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان, بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون, فتبارك الله أحسن الخالقين.
    وقد قال الحافظ أبو بكر البزارفي مسنده: حدثنا الفضل بن سهل, حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح, حدثنا زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيصبغ ربك ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم صبغاً لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض» وروي مرسلاً وموقوفاً, والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به, لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى, كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر.
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئاً, وأحل حلاله وحرم حرامه, وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل. وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب, ورغب فيما رغب الله فيه, وزهد فيما سخط الله فيه, ثم تلا الحسن {إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور}.
    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث, ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية, وإنّما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية, وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع, فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين, فهذا, لا يدرك إلا بالرواية, ويكون تأويل قوله: نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله, عالم بأمر الله, وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله, وعالم بأمر الله, ليس بعالم بالله, فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض, والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض, والعالم بأمر الله ليس العالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل.
    ** وَالّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنّ اللّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
    يقول تعالى: {والذي أوحينا إليك} يامحمد من الكتاب وهو القرآن {هو الحق مصدقاً لما بين يديه} أي من الكتب المتقدمة بصدقها كما شهدت له بالتنويه, وأنه منزل من رب العالمين {إن الله بعباده لخبير بصير} أي هو خبير بهم بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه, ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر, وفضل النبيين بعضهم على بعض, ورفع بعضهم درجات وجعل منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فوق جميعهم, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


    ** ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
    يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة, ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع, فقال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات {ومنهم مقتصد} وهو المؤدي للواجبات, التارك للمحرمات, وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات, {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} وهو الفاعل للواجبات والمستحبات, التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله, فظالمهم يغفر له, ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً, وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح, حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني. حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». قال ابن عباس رضي الله عنهما: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب, والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله, والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم, وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب.
    (الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلاً من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الأية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} قال «هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة, وكلهم في الجنة» هذا حديث غريب من هذا الوجه, وفي إسناده من لم يسم, وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبه به نحوه. ومعنى قوله بمنزلة واحدة, أي في أنهم من هذه الأمة, وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.
    (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عقبة, عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب, وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر, ثم هم الذين تلاقاهم الله برحمته, فهم الذين يقولون {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لايمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 15:39

    جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُواْ الْحَمْدُ للّهِ الّذِيَ أَذْهَبَ عَنّا الْحَزَنَ إِنّ رَبّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الّذِيَ أَحَلّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
    يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة, مأواهم جنات عدنٍ, أي جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله عز وجل {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً} كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». {ولباسهم فيها حرير} ولهذا كان محظوراً عليهم في الدنيا, فأباحه الله تعالى لهم في الاَخرة, وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الاَخرة» وقال«هي لهم في الدنيا, ولكم في الاَخرة».
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سواد السرحي, أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن أبا أمامة رضي الله عنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم, وذكر حلي أهل الجنة فقال «مسورون بالذهب والفضة مكللة بالدر, وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة, وعليهم تاج كتاج الملوك, شباب جرد مرد مكحولون» {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} وهو الخوف من المحذور, أزاحه عنا وأرحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والاَخرة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم, وكأني بأهل لاإله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» رواه ابن أبي حاتم من حديثه.
    وقال الطبراني: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي, حدثنا موسى بن يحيى المروزي, حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي عن عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور, وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن, إن ربنا لغفور شكور» قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: غفر لهم الكثير من السيئات, وشكر لهم اليسير من الحسنات {الذي أحلنا دار المقامة من فضله} يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنّه ورحمته, لم تكن أعمالنا تساوي ذلك, كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يارسول الله ؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب, وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم, أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم, والله أعلم, فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا, فسقط عنهم التكليف بدخولها, وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله تبارك وتعالى: {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية}.


    ** وَالّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنّمَ لاَ يُقْضَىَ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الّذِي كُـنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مّا يَتَذَكّرُ فِيهِ مَن تَذَكّرَ وَجَآءَكُمُ النّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ
    لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء, شرع في بيان مآل الأشقياء, فقال: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} كما قال تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيى} وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أما أهل النار الذين هم أهلها, فلا يموتون فيها ولا يحيون» وقال عز وجل: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم, ولكن لا سبيل إلى ذلك, قال الله تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} كما قال عز وجل: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} وقال جل وعلا: {كلما خبت زدناهم سعيراً} { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} ثم قال تعالى: {كذلك نجزي كل كفور} أي هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق.
    وقوله جلت عظمته: {وهم يصطرخون فيها} أي ينادون فيها يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم {ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل} أي يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول, وقد علم الرب جل جلاله أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه, وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم, كما قال تعالى مخبراً عنهم في قولهم {فهل إلى خروج من سبيل ؟ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا} أي لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك, ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه, ولذا قال ههنا: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ؟} أي أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم ؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا, فروي عن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة.
    وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة, فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر قد نزلت هذه الاَية {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة, وكذا قال أبو غالب الشيباني. وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن رجل عن وهب بن منبه في قوله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قال: عشرين سنة وقال هشيم عن منصور عن زاذان عن الحسن في قوله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قال: أربعين سنة, وقال هشيم أيضاً عن مجاهد عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة, فليأخذ حذره من الله عز وجل, وهذه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى, حدثنا بشر بن المفضل, حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} أربعون سنة, هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس رضي الله عنهما به, وهذا القول هو اختيار ابن جرير, ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس, كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} ستون سنة, فهذه الرواية أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما, وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضاً, لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده, لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك, لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره, وقد روى أصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه أنه قال: العمر الذي عيرهم الله به في قوله {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} ستون سنة.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا دحيم, حدثنا ابن أبي فديك, حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي عن ابن أبي حسين المكي, أنه حدثه عن عطاء هو ابن رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة, قيل: أين أبناء الستين ؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه{أولم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير}» وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به, وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به, وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل, والله أعلم.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ الستين أو سبعين سنة, لقد أعذر الله تعالى إليه, لقد أعذر الله تعالى إليه» وهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر عن عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري, عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله عز وجل إلى إمرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابن عجلان عن سعيد المقبري, فأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفزاري, حدثنا محمد بن سوار, أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر أي الإسكندري, حدثنا أبو حازم عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعاً عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن به.
    ورواه البزار قال: حدثنا هشام بن يونس, حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» يعني {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} وأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء, حدثنا أبو عبد الرحمن المقري, حدثنا سعيد بن أبي أيوب, حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله عز وجل إليه في العمر» وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقري به, ورواه أحمد أيضاً عن خلف عن أبي معشر عن أبي سعيد المقبري.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 16:34

    إِنّ اللّهَ عَالِمُ غَيْبِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * هُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَسَاراً
    يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض, وإنه يعلم ما تكنه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر, وسيجازى كل عامل بعمله, ثم قال عز وجل {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي يخلف قوم لاَخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم. كما قال تعالى: {ويجعلكم خلفاء الأرض} {فمن كفر فعليه كفره} أي فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره {ولا يزيد الكافرون كفرهم عند ربهم إلا مقتاً} أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى, وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين, فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله, ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.


    ** قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً * إِنّ اللّهَ يُمْسِكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون لله} أي من الأصنام والأنداد {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} أي ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطيمر. وقوله {أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه} أي أم أنزلنا عليهم كتاباً بما يقولون من الشرك والكفر ؟ ليس الأمر كذلك {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً} أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي يمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور.
    ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما, فقال {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} أي أن تضطربا عن أماكنهما, كما قال عز وجل: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} وقال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو, وهو مع ذلك حليم غفور أي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه, وهو يحلم فيؤخر, وينظر ويؤجل ولا يعجل, ويستر آخرين ويغفر, ولهذا قال تعالى: {إنه كان حليماً غفوراً}.
    وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً بل منكراً, فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد, حدثني إسحاق بن إبراهيم, حدثني هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه الصلاة والسلام على المنبر قال: وقع في نفس موسى عليه الصلاة والسلام: هل ينام الله عز وجل ؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً, وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة, وأمره أن يحتفظ بهما, قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان, ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان, قال: ضرب الله له مثلاً أن الله عز وجل لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض, والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة, فإن موسى عليه الصلاة والسلام أجل من أن يجوز على الله سبحانه وتعالى النوم, وقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز بأنه {الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض} وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, ويرفع إليه عمل الليل قبل)النهار, وعمل النهار قبل الليل, حجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
    وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه فقال: من أين جئت ؟ قال: من الشام, قال: من لقيت ؟ قال: لقيت كعباً, قال: ما حدثك ؟ قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك, قال: أفصدقته أو كذبته ؟ قال: ما صدقته ولا كذبته, قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها, كذب كعب إن الله تعالى يقول {إن الله يمسك السموات أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود رضي الله عنه.
    ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه. وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي سماه ـ سير الفقهاء ـ أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع عن وكيع عن الأعمش به, ثم قال: وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب عن مالك أنه قال: السماء لاتدور, واحتج بهذه الاَية, وبحديث «إن بالمغرب باباً للتوبة لا يزال مفتوحاً حتى تطلع الشمس منه» قلت: وهذا الحديث في الصحيح, والله سبحانه وتعالى أعلم.


    ** وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لّيَكُونُنّ أَهْدَىَ مِنْ إِحْدَى الاُمَمِ فَلَمّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مّا زَادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السّيّىءِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّةَ آلأوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً
    يخبر تعالى عن قريش والعرب, أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم}, أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل, قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} وكقوله تعالى: {وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون} قال الله تعالى: {فلما جاءهم نذير} وهو محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل معه من الكتاب العظيم, وهو القرآن المبين {ما زادهم إلا نفوراً} أي ما ازدادوا إلا كفراً إلى كفرهم, ثم بين ذلك بقوله: {استكباراً في الأرض} أي: استكبروا عن اتباع آيات الله {ومكر السيء} أي ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم.
    قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين, حدثنا ابن أبي عمر, حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياك ومكر السيء, فإنه لايحيق المكر السيء إلا بأهله, ولهم من الله طالب» وقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث, وتصديقها في كتاب الله تعالى: {ولايحيق المكر السيء إلا بأهله} {إنما بغيكم على أنفسكم} {ومن نكث فإنما ينكث على نفسه} وقوله عز وجل: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين} يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} أي لاتغير ولا تبدل, بل هي جارية كذلك في كل مكذب {ولن تجد لسنة الله تحويلاً} أي {وإذا أراد الله بقوم سوءاً قلا مرد له} ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد, والله أعلم.
    ** أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوَاْ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ إِنّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىَ ظَهْرِهَا مِن دَآبّةٍ وَلَـَكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً
    يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل, كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها, فخلت منهم منازلهم, وسلبوا ما كانوا فيه من نعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدد, وكثرة الأموال والأولاد, فما أغنى ذلك شيئاً, ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء, لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لايعجزه شيء إذا أراد كونه في السموات والأرض {إنه كان عليماً قديراً} أي عليم بجميع الكائنات قدير على مجموعها, ثم قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم, ثم قرأ {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}. وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة} أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب, {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذ, ويوفي كل عامل بعمله, فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية, ولهذا قال تبارك وتعالى: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً}. آخر تفسير سورة فاطر و لله الحمد والمنة.

    تمت سورة فاطر

    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 16:35

    سورة يس

    وهي مكية
    قال أبو عيس الترمذي: حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع, حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل شيء قلباً, وقلب القرآن يس, ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» ثم قال: هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن, وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ولا يصح لضعف إسناده. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: منظور فيه, أما حديث الصديق رضي الله عنه فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول, وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل, حدثنا زيد هو ابن الحباب, حدثنا حميد هو المكي مولى آل علقمة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس» ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد.
    وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل, حدثنا حجاج بن محمد عن هشام بن زياد عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ يس في ليلة أصبح مغفوراً له, ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفور له» إسناده جيد. وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف, حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني, حدثنا أبي, حدثنا زياد بن خيمثة, حدثنا محمد بن جحادة عن الحسن عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله عز وجل غفر له».
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** يسَ * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقّ الْقَوْلُ عَلَىَ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ

    قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى يا إنسان. وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة, وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى: {والقرآن الحكيم} أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {إنك} أي يا محمد{لمن المرسلين على صراط مستقيم} أي على منهج ودين قويم وشرع مستقيم {تنزيل العزيز الرحيم} أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين, كما قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور}.
    وقوله تعالى: {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} يعني بهم العرب, فإنه ما أتاهم من نذير من قبله, وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم, كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم, وقد تقدم ذكر الاَيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم عند قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}. وقوله تعالى: {لقد حق القول على أكثرهم} قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون {فهم لايؤمنون} بالله ولا يصدقون رسله.


    ** إِنّا جَعَلْنَا فِيَ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ * إِنّمَا تُنذِرُ مَنِ اتّبَعَ الذِكْرَ وَخشِيَ الرّحْمـَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىَ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيَ إِمَامٍ مّبِينٍ
    يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل, فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه, فارتفع رأسه فصار مقمحاً, ولهذا قال تعالى: {فهم مقمحون} والمقمح هو الرافع رأسه, كما قالت أم زرع في كلامها: وأشرب فأتقمح, أي أشرب فأروي, وأرفع رأسي تهنيئاً وتروياً, واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين, كما قال الشاعر:
    فماأدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني
    أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي لا يأتليني ؟
    فاكتفى بذكر الخير عن الشر, لما دل الكلام والسياق عليه, وهكذا هذا لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق, اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} قال: هو كقوله عز وجل: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد {فهم مقمحون} قال: رافعي رؤوسهم, وأيديهم موضوعة على أفواههم, فهم مغلولون عن كل خير.
    وقوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سداً} قال مجاهد: عن الحق {ومن خلفهم سداً} قال مجاهد: عن الحق فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. وقوله تعالى: {فأغشيناهم} أي أغشينا أبصارهم عن الحق {فهم لا يبصرون} أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ {فأعشيناهم} بالعين المهملة من العشا, وهو داء في العين, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان, فهم لا يخلصون إليه, وقرأ {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع.وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً لأفعلن ولأفعلن, فأنزلت {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ـ إلى قوله ـ فهم لا يبصرون} قال: وكانوا يقولون هذا محمد, فيقول: أين هو أين هو ؟ لا يبصره, رواه ابن جرير.
    وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكاً فإذا متم بعثتم بعد موتكم, وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن, وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح, ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب, وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه, فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ {يس والقرآن الحكيم ـ حتى انتهى إلى قوله تعالى ـ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لايبصرون} وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته, وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار, فقال: مالكم ؟ قالوا: ننتظر محمداً, قال: قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه تراباً, ثم ذهب لحاجته, فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي جهل فقال: «وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحاً وإنه أحدهم».
    وقوله تبارك وتعالى: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون} أي فقد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به, وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة, وكما قال تبارك وتعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون, ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} {إنما تنذر من اتبع الذكر} أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر وهو القرآن العظيم {وخشي الرحمن بالغيب} أي حيث لا يراه أحد إلا الله تبارك وتعالى يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل {فبشره بمغفرة } أي لذنوبه {وأجر كريم} أي كثير واسع حسن جميل, كما قال تبارك وتعالى: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} ثم قال عز وجل: {إنا نحن نحيي الموتى} أي يوم القيامة, وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار, الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق, كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الاَيات لعلكم تعقلون}.
    ** وَاضْرِبْ لَهُمْ مّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذّبُوهُمَا فَعَزّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوَاْ إِنّآ إِلَيْكُمْ مّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرّحْمَـَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قَالُواْ رَبّنَا يَعْلَمُ إِنّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ
    ويقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك {مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية وكان بها ملك يقال له أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام, فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل, وهم صادق وصدوق وشلوم, فكذبهم, وهكذا روي عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها أنطاكية, وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى.
    وقوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم إثنين فكذبوهما} أي بادروهما بالتكذيب {فعززنا بثالث} أي قويناهما وشددنا إزرهما برسول ثالث. قال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا, واسم الثالث بوليس, والقرية أنطاكية {فقالوا} أي لأهل تلك القرية {إنا إليكم مرسلون} أي من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له, قاله أبو العالية, وزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح عليه السلام إلى أهل أنطاكية {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا} أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر, فلم لا أوحي إلينا مثلكم ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة, وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة, كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} أي استعجبوا من ذلك وأنكروه.
    وقوله تعالى: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين}. وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: {ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون} وقوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً ؟} ولهذا قال هؤلاء {ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} أي أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين الله يعلم أنا رسله إليكم, ولوكنا كذبة عليه لا نتقم منا أشد الانتقام, ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار, كقوله تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً يعلم ما في السموات وما في الأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} {وما علينا إلا البلاغ المبين} يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم, فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والاَخرة, وإن لم تجيبوا فستعلمون غبّ ذلك, والله أعلم.

    يتبع.

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 16:38

    قَالُوَاْ إِنّا تَطَيّرْنَا بِكُمْ لَئِن لّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنّكُمْ وَلَيَمَسّنّكُمْ مّنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُواْ طَائِرُكُم مّعَكُمْ أَإِن ذُكّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مّسْرِفُونَ
    فعند ذلك قال لهم أهل القرية{إنا تطيرنا بكم} أي لم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا. وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم, {وليمسنكم منا عذاب أليم} أي عقوبة شديدة, فقالت لهم رسلهم {طائركم معكم} أي مردود عليكم, كقوله تعالى في قوم فرعون {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} وقال قوم صالح {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} وقال قتادة ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم. وقال عز وجل: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله, وإن تصبهم سيئة يقولون هذه من عندك, قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً} وقوله تعالى: {أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} أي من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له, قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا, بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا بل أنتم قوم مسرفون.


    ** وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ * اتّبِعُواْ مَن لاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مّهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرّحْمَـَنُ بِضُرّ لاّ تُغْنِ عَنّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ * إِنّيَ إِذاً لّفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * إِنّيَ آمَنتُ بِرَبّكُمْ فَاسْمَعُونِ
    قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم, فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى, أي لينصرهم من قومه, قالوا: وهو حبيب, وكان يعمل الجرير وهو الحبال وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام, وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة. وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم أو عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: اسم صاحب يس حبيب, وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن سري. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اسم صاحب يس حبيب النجار, فقتله قومه. وقال السدي: كان قصاراً. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافاً. وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك, {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم {اتبعوا من لايسألكم أجراً} أي على إبلاغ الرسالة وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له {ومالي لا أعبد الذي فطرني} أي وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لاشريك له {وإليه ترجعون} أي يوم المعاد, فيجازيكم على أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر {أأتخذ من دونه آلهة} استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون} أي هذه الاَلهة التي تعبدونها من دونه لايملكون من الأمر شيئاً, فإن الله تعالى لو أرادني بسوء {فلا كاشف له إلا هو} وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه, ولا ينقذونني مما أنا فيه{إني إذاً لفي ضلال مبين} أي إن اتخذتها آلهة من دون الله.
    وقوله تعالى: {إني آمنت بربكم فاسمعون} قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب: يقول لقومه {إني آمنت بربكم} الذي كفرتم به {فاسمعون} أي فاسمعوا قولي ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إني آمنت بربكم} أي الذي أرسلكم {فاسمعون} أي فاشهدوا لي بذلك عنده, وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل, وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي, إني آمنت بربكم واتبعتكم, وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى, والله أعلم. قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب رضي الله عنهما: فلما قال ذلك, وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه, ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون, فلم يزالوا به حتى أقعصوه, وهو يقول كذلك, فقتلوه رحمه الله.


    ** قِيلَ ادْخُلِ الْجَنّةَ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىَ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السّمَآءِ وَمَا كُنّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ
    قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود رضي الله عنه, أنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره, وقال الله له: {ادخل الجنة} فدخلها فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها. وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة, وذلك أنه قتل فوجبت له, فلما رأى الثواب {قال يا ليت قومي يعلمون} قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحاً لا تلقاه غاشاً. لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى: {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} تمنى على الله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هجم عليه. وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله {يا قوم اتبعوا المرسلين} وبعد مماته في قوله {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} رواه ابن أبي حاتم.
    وقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز {بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} بإيماني بربي وتصديقي المرسلين ومقصودة أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم, لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله ورضي عنه, فلقد كان حريصاً على هداية قومه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عبيد الله, حدثنا ابن جابر هو محمد عن عبد الملك يعني ابن عمير قال: قال عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أخاف أن يقتلوك» فقال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انطلق» فانطلق, فمر على اللات والعزى, فقال:لأصبحنك غداً بما يسوؤك, فغضبت ثقيف, فقال: يا معشر ثقيف إن اللات لالات وإن العزى لا عزى, أسلموا تسلموا, يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللات لالات, أسلموا تسلموا, قال ذلك ثلاث مرات, فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله, فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا مثله كمثل صاحب يس» { قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.
    وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدث عن كعب الأحبار, أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول لله صلى الله عليه وسلم, فجعل يقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فيقول: نعم, ثم يقول: أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول: لا أسمع, فيقول له مسيلمة لعنه الله: أتسمع هذا, ولا تسمع ذاك ؟ فيقول: نعم, فجعل يقطعه عضواً عضواً كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه, فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبيب.
    وقوله تبارك وتعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضباً منه تبارك وتعالى عليهم, لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليه, ويذكر عز وجل أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم, بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عنه أنه قال في قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} أي ما كاثرناهم بالجموع, الأمر كان أيسر علينا من ذلك {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} قال: فأهلك الله تعالى ذلك الملك الجبار, وأهلك أهل أنطاكية, فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية, وقيل {وما كنا منزلين} أي وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذاباً يدمرهم, وقيل المعنى في قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} أي من رسالة أخرى إليهم, قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} قال ابن جرير: والأول أصح, لأن الرسالة لا تسمى جنداً. قال المفسرون. بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام, فأخذ بعضادتي باب بلدهم, ثم صاح بهم صيحة واحدة, فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردد في جسد وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية, وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلاً من عند المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام, كما نص عليه قتادة وغيره, وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره, وفي ذلك نظر من وجوه:
    (أحدها) أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل, لا من جهة المسيح عليه السلام كما قال تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ـ إلى أن قالوا ـ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين} ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام. والله تعالى أعلم, ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم {إن أنتم إلا بشر مثلنا}.
    (الثاني) أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم, وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح, ولهذا كانت عندالنصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة, وهن: القدس لأنها بلد المسيح, وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها, والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين, ثم رومية لأنها مدنية الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده, ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها, كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم, كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين, فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت, فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم, والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 16:40

    يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مّن رّسُولٍ إِلاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ الْقُرُونِ أَنّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ * وَإِن كُلّ لّمّا جَمِيعٌ لّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يا حسرة على العباد} أي يا ويل العباد. وقال قتادة {يا حسرة على العباد} أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله, وفرطت في جنب الله, وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسهم, ومعنى هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب, كيف كذبوا رسل الله, وخالفوا أمر الله, فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} أي يكذبونه ويستهزئون به ويمجدون ما أرسل به من الحق.
    ثم قال تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل, كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة, ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى} وهم القائلون بالدور من الدهرية, وهم الذين يعتقدون جهلاً منهم أنهم يعودون إلى الدنيا, كما كانوا فيها, فرد الله تبارك وتعالى عليهم باطلهم, فقال تبارك وتعالى: {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون}.
    وقوله عز وجل: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} أي وإن جميع الأمم الماضية والاَتية ستحضر للحساب يوم القيامة بين يدي الله جل وعلا, فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها, ومعنى هذا كقوله جل وعلا: {وإن كلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم} وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف, فمنهم من قرأ {وإن كلاً لما} بالتخفيف فعنده أن إن للإثبات, ومنهم من شدد {لما} وجعل أن نافية, ولما بمعنى إلا, تقديره وما كل إلا جميع لدينا محضرون, ومعنى القراءتين واحد, والله سبحانه وتعالى أعلم.


    ** وَآيَةٌ لّهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنّاتٍ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الأزْوَاجَ كُلّهَا مِمّا تُنبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمّا لاَ يَعْلَمُونَ
    يقول تبارك وتعالى: {وآية لهم} أي دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى {الأرض الميتة} أي إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات, فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء, اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج, ولهذا قال تعالى: {أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} أي جعلناه رزقاً لهم ولأنعامهم {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون} أي جعلنا فيها أنهاراً سارحة في أمكنة يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره, لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم, عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.
    وقوله جل وعلا: {وما عملته أيديهم} أي وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم, قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتاده: ولهذا قال تعالى: {أفلا يشكرون} أي فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى, واختار ابن جرير ـ بل جزم به, ولم يحك غيره إلا احتمالاً ـ أن {ما} في قوله تعالى: {وما عملته أيديهم} بمعنى الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي غرسوه ونصبوه, قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {ليأكلوامن ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون}, ثم قال تبارك وتعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض} أي من زروع وثمار ونبات {ومن أنفسهم} فجعلهم ذكراً وأنثى {ومما لا يعلمون} أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها, كما قال جلت عظمته: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}


    ** وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ * وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّىَ عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ * لاَ الشّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ وَكُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
    يقول تعالى ومن الدلالة لهم على قدرته تبارك وتعالى العظيمة, خلق الليل والنهار هذا بظلامه وهذا بضيائه, وجعلهما يتعاقبان يجيء هذا فيذهب هذا, ويذهب هذا فيجيء هذا, كما قال تعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} ولهذا قال عز وجل ههنا: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} أي نصرمه منه, فيذهب فيقبل الليل, ولهذا قال تبارك وتعالى: {فإذا هم مظلمون} كما جاء في الحديث «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس, فقد أفطر الصائم» هذا هو الظاهر من الاَية, وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} وقد ضعف ابن جرير قول قتادة ههنا, وقال: إنما معنى الإيلاج الأخذ من هذا في هذا, وليس هذا مراداً في هذه الاَية, وهذا الذي قاله ابن جرير حق.
    وقوله جل جلاله: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} في معنى قوله: {لمستقر لها} قولان(أحدهما) أن المراد مستقرها المكاني, وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب, وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات, لأنه سقفها, وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة, وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة, وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس, فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش, فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل, صارت أبعد ما تكون إلى العرش, فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث.
    قال البخاري: حدثنا أبو نعيم, حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم: في المسجد عند غروب الشمس, فقال صلى الله عليه وسلم «يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس ؟» قلت: الله ورسوله أعلم, قال صلى الله عليه وسلم: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش, فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم}».
    حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي, حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه: قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تبارك وتعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} قال صلى الله عليه وسلم: «مستقرها تحت العرش» هكذا أورده ههنا, وقد أخرجه في أماكن متعددة, ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين غربت الشمس, فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس ؟» قلت: الله ورسوله أعلم, قال صلى الله عليه وسلم: «فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل, فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها, وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت, فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها ـ ثم قرأ ـ {والشمس تجري لمستقر لها} وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب ؟» قلت: الله ورسوله أعلم, قال صلى الله عليه وسلم: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش, فتستأذن فيؤذن لها, ويوشك أن تسجد, فلا يقبل منها ؟ وتستأذن فلا يؤذن لها, ويقال لها ارجعي من حيث جئت, فتطلع من مغربها, فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم}».
    وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما, قال في قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} قال: إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم, حتى إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت يؤذن لها, حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها, فتقول إن المسير بعيد, وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ فتحبس ماشاء الله أن تحبس, ثم يقال لها اطلعي من حيث غربت, قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل, أو كسبت في إيمانها خيراً. وقيل: المراد بمستقرها هو انتهاء سيرها, وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها, ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.
    (والقول الثاني) أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة, يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور, وينتهي هذا العالم إلى غايته, وهذا هو مستقرها الزماني. قال قتادة {لمستقر لها} أي لوقتها ولأجل لا تعدوه, وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها, ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها, يروى هذا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وقرأ ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم {والشمس تجري لمستقر لها} أي لا قرار لها ولا سكون, بل هي سائرة ليلاً ونهاراً, لا تفتر ولا تقف, كماقال تبارك وتعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة {ذلك تقدير العزيز} أي الذي لا يخالف ولا يمانع {العليم} بجميع الحركات والسكنات, وقد قدر ذلك ووقته على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس, كما قال عز وجل: {فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم} وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله تعالى: {ذلك تقدير العزيز العليم}.
    ثم قال جل وعلا: {والقمر قدرناه منازل} أي جعلناه يسير سيراً آخر يستدل به على مضي الشهور, كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار, كما قال عز وجل: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}. وقال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} الاَية, وقال تبارك وتعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً} فجعل الشمس لها ضوء يخصها, والقمر له نور يخصه, وفاوت بين سير هذه وهذا, فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد, ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفاً وشتاء, يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل, ثم يطول الليل ويقصر النهار, وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري, وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلاً قليل النور, ثم يزداد نوراً في الليلة الثانية ويرتفع منزلة, ثم كلما ارتفع ازداد ضياءً وإن كان مقتبساً من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة, ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهو أصل العذق. وقال مجاهد: العرجون القديم أي العذق اليابس يعني ابن عباس رضي الله عنهما أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى, وكذا قال غيرهما, ثم بعد هذا يبديه الله تعالى جديداً أول الشهر الاَخر, والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر, فيسمون الثلاث الأول غرر, واللواتي بعدها نقل واللواتي بعدها تسع, لأن أخراهن التاسعة واللواتي بعهدها عشر, لأن أولاهن العشرة, واللواتي بعدها البيض, لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن, واللواتي بعدهن درع جمع درعاء, لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه, ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود, وبعدهن ثلاث ظلم, ثم ثلاث حنادس, وثلاث دآدى, وثلاث محاق لانمحاق القمر أو الشهر فيهن. وكان أبو عبيدة رضي الله عنه ينكر التسع والعشر. كذا قال في كتاب غريب المصنف.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:38

    وَآيَةٌ لّهُمْ أَنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِن نّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاّ رَحْمَةً مّنّا وَمَتَاعاً إِلَىَ حِينٍ
    يقول تبارك وتعالى: ودلالة لهم أيضاً على قدرته تبارك وتعالى تسخيره البحر ليحمل السفن, فمن ذلك بل أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام, التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام غيرهم, ولهذا قال عز وجل: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} أي آباءهم {في الفلك المشحون} أي في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات, التي أمره الله تبارك وتعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المشحون الموقر, وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي. وقال الضحاك وقتادة وابن زيد: وهي سفينة نوح عليه الصلاة والسلام.
    وقوله جل وعلا: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بذلك الإبل, فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها, وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية, وعبد الله بن شداد وغيرهم: وقال السدي في رواية: هي الأنعام. وقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح, حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: أتدرون ما قوله تعالى: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} قلنا: لا, قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها, وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضاً المراد بقوله تعالى: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} أي السفن, ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية}.
    وقوله عز وجل: {وإن نشأ نغرقهم} يعني الذين في السفن {فلا صريخ لهم} أي لا مغيث لهم مما هم فيه{ولا هم ينقذون} أي مما أصابهم {إلا رحمة منا} وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر, ونسلمكم إلى أجل مسمى, ولهذا قال تعالى: {ومتاعاً إلى حين} أي إلى وقت معلوم عند الله عز وجل.
    ** وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ آيَةٍ مّنْ آيَاتِ رَبّهِمْ إِلاّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمّا رِزَقَكُمُ الله قَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَنُطْعِمُ مَن لّوْ يَشَآءُ اللّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ
    يقول تعالى مخبراً عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها, وما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} قال مجاهد: من الذنوب, وقال غيره بالعكس, {لعلكم ترحمون} أي لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه, وتقدير الكلام أنهم لا يجيبون إلى ذلك بل يعرضون عنه, واكتفى عن ذلك بقوله تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي على التوحيد وصدق الرسل {إلا كانوا عنها معرضين} أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها.
    وقوله عز وجل: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي إذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين {قال الذين كفروا للذين آمنوا} أي عن الذين آمنوا من الفقراء أي قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به{أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} أي هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه, فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم {إن أنتم إلا في ضلال مبين} أي في أمركم لنا بذلك. قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل للكفار حين ناظروا المؤمنين وردوا عليهم, فقال لهم: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} وفي هذا نظر, والله أعلم.


    ** وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ * فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىَ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
    يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: {متى هذا الوعد} {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} قال الله عز وجل: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة, وهذه والله أعلم ـ نفخة الفزع, ينفخ في الصور نفخة الفزع, والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم, فبينما هم كذلك إذ أمر الله عز وجل إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها, فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً, وهي صفحة العنق يتسمع الصوت من قبل السماء, ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار تحيط بهم من جوانبهم, ولهذا قال تعالى: {فلا يستطيعون توصية} أي على ما يملكونه, الأمر أهم من ذلك {ولا إلى أهلهم يرجعون} وقد وردت ههنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر, ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم, ثم بعد ذلك نفخة البعث.


    ** وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَإِذَا هُم مّنَ الأجْدَاثِ إِلَىَ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرّحْمـَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
    هذه هي النفخة الثالثة, وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور, ولهذا قال تعالى: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} والنسلان هو المشي السريع كما قال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ؟} يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها, فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم, لأنه بالنسبة إلى مابعده في الشدة كالرقاد. قال أبي بن كعب رضي الله عنه ومجاهد والحسن وقتادة: ينامون نومة قبل البعث. قال قتادة: وذلك بين النفختين, فلذلك يقولون من بعثنا من مرقدنا, فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون, قاله غير واحد من السلف {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة, ولا منافاة إذ الجمع ممكن, والله سبحانه وتعالى أعلم.
    وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} نقله ابن جرير, واختار الأول, وهو أصح, وذلك لقوله تبارك وتعالى في الصافات: {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} وقال الله عز وجل: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}.
    وقوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} كقوله عز وجل: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} وقال جلت عظمته: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} وقال جل جلاله: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} أي إنما نأمرهم أمراً واحداً, فإذا الجميع محضرون {فاليوم لاتظلم نفس شيئاً} أي من عملها {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون}.


    ** إِنّ أَصْحَابَ الْجَنّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأرَآئِكِ مُتّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مّا يَدّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رّبّ رّحِيمٍ
    يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات, فنزلوا في روضات الجنات, أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم. قال الحسن البصري وإسماعيل بن أبي خالد: في شغل عما فيه أهل النار من العذاب. وقال مجاهد {في شغل فاكهون} أي في نعيم معجبون أي به, وكذا قال قتادة, وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فاكهون أي فرحون. قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار, وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه {في شغل فاكهون} أي بسماع الأوتار, وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع, وإنما هوافتضاض الأبكار.
    وقوله عز وجل: {هم وأزواجهم} قال مجاهد: وحلائلهم, {في ظلال} أي في ظلال الأشجار {على الأرائك متكئون}. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف {الأرائك} هي السرر تحت الحجال. (قلت) نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين, والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله عز وجل: {لهم فيها فاكهة} أي من جميع أنواعها {ولهم ما يدّعون} أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار, حدثنا محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى. حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا)هل مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها, هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ, وريحانه تهتز, وقصر مشيد ونهر مطرد, وثمرة نضيجة, وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة, ومقام في أبد في دار سلامة, وفاكهة خضرة وخير ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها, قال صلى الله عليه وسلم: «قولوا إن شاء الله» فقال القوم: إن شاء الله, وكذا رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به.
    وقوله تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} قال ابن جريج: قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة, وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما, كقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام}. وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً, وفي إسناده نظر, فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف, حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب, حدثنا أبو عاصم العباداني, حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم, إذ سطع لهم نور, فرفعوا رؤوسهم, فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم, فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة, فذلك قوله تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} قال: فينظر إليهم وينظرون إليه, فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم». ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به.
    وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, حدثنا حرملة عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: إذا فرغ الله تعالى من أهل الجنة والنار, أقبل في ظلل من الغمام والملائكة, قال: فيسلم على أهل الجنة, فيردون عليه السلام, قال القرظي, وهذا في كتاب الله تعالى: {سلام قولاً من رب رحيم} فيقول الله عز وجل: سلوني, فيقولون: ماذا نسألك أي رب ؟ قال: بلى سلوني, قالوا: نسألك أي رب رضاك, قال: رضائي أحلكم دار كرامتي, قالوا: يا رب فما الذي نسألك, فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم لاينقصنا ذلك شيئاً. قال تعالى إن لدي مزيداً, قال: فيفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه, قال: ثم تأتيهم التحف من الله عز وجل, تحملهم إليهم الملائكة, ثم ذكر نحوه. وهذا خبر غريب, أورده ابن جرير من طرق, والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:43

    مْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيَ آدَمَ أَن لاّ تَعْبُدُواْ الشّيطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـَذَا صِرَاطٌ مّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلّ مِنْكُمْ جِبِلاّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
    يقول تعالى مخبراً عما يؤول إليه الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا بمعنى يميزون عن المؤمنين في موقفهم, كقوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} وقال عز وجل: {ويوم تقوم الساعة يومئذن يتفرقون} {يومئذ يصدعون} أي يصيرون صدعين فرقتين {احشرواالذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم}.
    وقوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاتعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم, الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين, وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم, ولهذا قال تعالى: {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} أي قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان, وأمرتكم بعبادتي, وهذا هو الصراط المستقيم, فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به ولهذا قال عز وجل: {ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً} يقال: جبلاً بكسر الجيم وتشديد اللام, ويقال جبلاً بضم الجيم والباء وتخفيف اللام, ومنهم من يسكن الباء, والمراد بذلك الخلق الكثير, قاله مجاهد وقتادة والسدي وسفيان بن عيينة.
    وقوله تعالى: {أفلم تكونوا تعقلون} أي أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له, وعدولكم إلى اتباع الشيطان. قال ابن جريج: حدثنا أبو كريب, حدثنا عبدالرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن رافع عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة, أمر الله تعالى جهنم, فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاتعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون} {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} فيتميز الناس ويجثون, وهي التي يقول الله عز وجل: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعلمون}».


    ** هَـَذِهِ جَهَنّمُ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصّرَاطَ فَأَنّىَ يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىَ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ
    يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعاً وتوبيخاً {هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي هذه التي حذرتكم الرسل, فكذبتموهم {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} كما قال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون}. وقوله تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترحوه في الدنيا, ويحلفون ما فعلوه, فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم بما عملت.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة, حدثنا منجاب بن الحارث التميمي, حدثنا أبو عامر الأزدي, حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم, فضحك حتى بدت نواجذه, ثم قال صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ممّ أضحك ؟» قلنا: الله ورسوله أعلم , قال صلى الله عليه وسلم: «من مجادلة العبد ربه يوم القيامة, يقول رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول: بلى, فيقول: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي, فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً, والكرام الكاتبين شهوداً, فيختم على فيه, ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بعمله, ثم يخلى بينه وبين الكلام, فيقول: بعداً لكن وسحقاً, فعنكن كنت أناضل» وقد رواه مسلم والنسائي, كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبي النضر, عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي, عن سفيان هو الثوري به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي, وهو حديث غريب, والله تعالى أعلم, كذا قال. وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي وهو العقدي عن سفيان.
    وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إنكم تدعون مفدماً على أفواهكم بالفدام, فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه, رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به, وقال سفيان بن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل, قال فيه: «ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت ؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك, وصمت وصليت وتصدقت, ويثني بخير ما استطاع ـ قال ـ فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا ؟ ـ قال ـ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه, فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي ـ قال ـ فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق, وذلك ليعذر من نفسه, وذلك الذي سخط الله تعالى عليه» ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله.
    ثم قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا إسماعيل بن عياش, حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه, فخذه من الرجل اليسرى» وروى ابن جرير عن محمد بن عوف عن عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش به مثله. وقد جود إسناده الإمام أحمد رحمه الله, فقال: حدثنا الحكم بن نافع, حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عمن حدثه, عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: «إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال».
    وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى هو الأشعري رضي الله عنه: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة, فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه, فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت, قال: فيغفر الله تعالى له ذنوبه ويستره منها, قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئاً وتبدو حسناته, فود أن الناس كلهم يرونها, ويدعى الكافر والمنافق للحساب, فيعرض عليه ربه عمله فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل, فيقول له الملك: أما علمت كذا يوم كذا في مكان كذا ؟ فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته, فإذا فعل ذلك ختم الله على فيه, قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى, ثم تلا {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}.
    وقوله تبارك وتعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: يقول ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى, فكيف يهتدون ؟ وقال مرة: أعميناهم: وقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم فجعلهم عمياً يترددون. وقال السدي: يقول ولو نشاء أعمينا أبصارهم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والسدي: فاستبقوا الصراط, يعني الطريق. وقال ابن زيد: يعني بالصراط ههنا الحق, فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فأنى يبصرون} لا يبصرون الحق.
    وقوله عز وجل: {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أهلكناهم. وقال السدي: يعني لغيرنا خلقهم. وقال أبو صالح: لجعلناهم حجارة. وقال الحسن البصري وقتادة: لأقعدهم على أرجلهم, ولهذا قال تبارك وتعالى: {فما استطاعوا مضياً} أي إلى أمام {ولا يرجعون} إلى وراء بل يلزمون حالاً واحداً لا يتقدمون و لا يتأخرون.


    ** وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا عَلّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مّبِينٌ * لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ
    يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره, رد إلى الضعف بعد القوة, والعجز بعد النشاط, كما قال تبارك وتعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} وقال عز وجل: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً} والمراد من هذا ـ والله أعلم الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال, لا دار دوام واسقرار, ولهذا قال عز وجل: {أفلا يعقلون} أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم, ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة, ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها, وهي الدار الاَخرة.
    وقوله تبارك وتعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} يقول عز وجل مخبراً عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ما علمه الشعر {وما ينبغي له} أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته, ولهذا ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه. وقال أبو زرعة الرازي: حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن هو البصري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:
    كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً
    فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله
    كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً

    قال أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما: أشهد أنك رسول الله, يقول تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه «أنت القائل:
    أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة

    فقال: إنما هو عيينة والأقرع, فقال صلى الله عليه وسلم: «الكل سواء» يعني في المعنى, صلوات الله وسلامه عليه, والله أعلم.
    وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه صلى الله عليه وسلم في هذا البيت مناسبة أغرب فيها, حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري لأنه ارتد أيام الصديق رضي الله عنه بخلاف ذاك, والله أعلم, وهكذا روى الأموي في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول «نفلق هاماً» فيقول الصديق رضي الله عنه متمماً للبيت:
    من رجال أعزة عليناوهم كانوا أعق وأظلما
    وهذا لبعض الشعراء العرب في قصيدة له وهي في الحماسة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم: حدثنا مغيرة عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود ـ وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضاً من حديث المقدام بن شريح بن هانىء عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها كذلك, ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى, حدثنا أسامة عن زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار: * ويأتك بالأخبار من لم تزود * ثم قال, ورواه غير زائدة عن سماك عن عطية عن عائشة رضي الله عنها, هذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة, وهذا المذكور منها أوله:

    يتبع

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:45

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
    ويأتيك بالأخبار من لم تبع لهبتاتاً ولم تضرب له وقت موعد
    وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قيل لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ قالت رضي الله عنها: كان أبغض الحديث إليه, غير أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل ببيت أخي بني قيس, فيجعل أوله آخره, وآخره أوله, فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هذا هكذا يا رسول الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي» رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وهذا لفظه. وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة رضي الله عنها سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ فقالت رضي الله عنها: لا. إلا بيت طرفة.
    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
    فجعل صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم تزود بالأخبار» فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا, فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم وكيل المتقي ببغداد, حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير, حدثنا علي بن عمرو الأنصاري, حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً.
    تفاءل بما تهوى يكن فلقلمايقال لشيء كان إِلا تحققا
    سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر, ولم يعرف شيخ الحاكم و لا الضرير, وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه, ولكن تبعاً لقول أصحابه رضي الله عنهم, فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون:
    لا همّ لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا
    فأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقينا
    إن الأُلى قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
    ويرفع صلى الله عليه وسلم صوته بقوله أبينا ويمدها, وقد روى هذا بزحاف في الصحيحين أيضاً, وكذا ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:
    )شعأنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب)
    لكن قالوا هذا وقع اتفاقاً من غير قصد لوزن شعر, بل جرى على اللسان من غير قصد إليه, وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار, فنكبت أصبعه, فقال صلى الله عليه وسلم:
    هل أنت إلا أصبع دميتوفي سبيل الله ما لقيت
    وسيأتي عند قوله تعالى {إلا اللمم} إنشاد:
    إن تغفر اللهم تغفر جماًوأي عبد لك ما ألما
    وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعراً وما ينبغي له, فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش, ولا كهانة, ولا مفتعل, ولا سحر يؤثر, كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال, وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعاً وشرعاً, كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر, حدثنا عبد الله بن يزيد, حدثنا سعيد بن أبي أيوب, حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقاً, أو تعلقت تميمة, أو قلت الشعر من قبل نفسي» تفرد به أبو داود
    وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل قال: سألت عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائغ عنده الشعر ؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة رضي عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء, ويدع ما بين ذلك: وقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً» انفرد به من هذا الوجه, وإسناده على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا قزعة بن سويد الباهلي عن عاص بن مخلد عن أبي الأشعث الصنعاني (ح) وحدثنا الأشيب, فقال عن أبي عاصم عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرض بيت شعر بعد العشاء الاَخرة, لم تقبل له صلاة تلك الليلة,» وهذا حديث غريب من هذا الوجه, ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة, والمراد بذلك نظمه لا إنشاده, والله أعلم, على أن الشعر ما هو مشروع, وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام, كحسان بن ثابت رضي الله عنه, وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وأمثالهم وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين, ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب, كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية, ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمن شعره, وكفر قلبه» وقد أنشد بعض الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت يقول عقب كل بيت «هيه» يعني يستطعمه, فيزيده من ذلك, وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب وبريده بن الحصيب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان سحراً, وإن من الشعر حكماً» ولهذا قال تعالى: {وما علمناه الشعر} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ما علمه الله الشعر «وما ينبغي له} أي وما يصلح له {إن هو ذكر وقرآن مبين} أي ما هذا الذي علمناه {إلا ذكر وقرآن مبين} أي بيّن واضح جلي لمن تأمله وتدبره, ولهذا قال تعالى: {لينذر من كان حياً} أي لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض, كقوله: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال جل وعلا: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة, كما قال قتادة: حي القلب حي البصر. وقال الضحاك يعني عاقلاً {ويحق القول على الكافرين} أي هو رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين.
    ** أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا خَلَقْنَا لَهُم مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
    يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم {فهم لها مالكون} قال قتادة: مطيقون, أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم, لا تمتنع منهم, بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه, ولوشاء لأقامه وساقه, وذاك ذليل منقاد معه, وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير. وقوله تعالى: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} أي منها ما يركبون في الأسفار ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار {ومنها يأكلون} إذا شاؤوا ونحروا واجتزروا {ولهم فيها منافع} أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين {ومشارب} أي من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك, {أفلا يشكرون} أي أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره ؟.


    ** وَاتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لّعَلّهُمْ يُنصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مّحْضَرُونَ * فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
    يقول تعالى منكراً على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الاَلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى, قال الله تعالى: {لايستطيعون نصرهم} أي لاتقدر الاَلهة على نصر عابديها بل هي أضعف من ذلك وأقل وأحقر وأدحر, بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها, ولا الإنتقام ممن أرادها بسوء, لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.
    وقوله تبارك وتعالى: {وهم لهم جند محضرون} قال مجاهد: يعني عند الحساب يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها, ليكون ذلك أبلغ في حزنهم وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة {لايستطيعون نصرهم} يعني الاَلهة {وهم لهم جند محضرون} والمشركون يغضبون للاَلهة في الدنيا, وهي لا تسوق إليهم خيراً ولا تدفع عنهم شراً, إنما هي أصنام, وهكذا قال الحسن البصري, وهذا القول حسن, وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: {فلا يحزنك قولهم} أي تكذيبهم لك وكفرهم بالله {إنا نعلم مايسرون وما يعلنون} أي نحن نعلم جميع ما هم فيه, وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلاً ولا حقيراً ولا صغيراً ولا كبيراً بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديماً وحديثاً.


    ** أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذِيَ أَنشَأَهَآ أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الّذِي جَعَلَ لَكُم مّنَ الشّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ
    قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم, وهو يفته ويذروه في الهواء, وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم يميتك الله تعالى, ثم يبعثك, ثم يحشرك إلى النار» ونزلت هذه الاَيات من آخر يس {أولم ير إلانسان أنا خلقناه من نطفة} إلى آخرهن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد, حدثنا محمد بن العلاء, حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففته بيده, ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا ما بعد أرى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم يميتك الله, ثم يحييك, ثم يدخلك جهنم» قال: ونزلت الاَيات من آخر يس, ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فذكرهو ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
    وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم, وهذا منكر, لأن السورة مكية وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة, وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الاَيات قد نزلت في أبي بن حلف أو العاص بن وائل أو فيهما, فهي عامة في كل من أنكر البعث, والألف واللام في قوله تعالى: {أولم ير الإنسان} للجنس يعم كل منكر للبعث {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} أي أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة, فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين, فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين, كماقال عز وجل: {ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم} وقال تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أي من نطفة من أخلاط متفرقة, فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته.
    أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السّمَاواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىَ وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ * إِنّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
    يقول تعالى مخبراً منبهاً على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع, وما فيه من جبال ورمال وبحار وقفار, وما بين ذلك, ومرشداً إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة, كقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} وقال عز وجل ههنا: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟} أي مثل البشر, فيعيدهم كما بدأهم, قاله ابن جرير: وهذه الاَية الكريمة كقوله عز وجل: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ؟ بل إنه على كل شيء قدير} وقال تبارك وتعالى ههنا {بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} أي إنما يأمر بالشيء أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار أو تأكيد:
    إذا ما أراد الله أمراً فإنمايقول له كن فيكون
    وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن نمير, حدثنا موسى بن المسيب عن شهر عن عبد الرحمن بن غنْم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت, فاستغفروني أغفر لكم, وكلكم فقير إلا من أغنيت, إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء, عطائي كلام وعذابي كلام, إذا أردت شيئاً فإنما أقول له كن فيكون».
    وقوله تعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض, وإليه يرجع الأمر كله, وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد, فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى قوله سبحانه وتعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} كقوله عز وجل {قل من بيده ملكوت كل شيء ؟} وكقوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت, ورهبة ورهبوت, وجبر وجبروت, ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد, والملكوت هو عالم الأرواح, والصحيح الأول, وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.
    قال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان, حدثنا حماد عن عبد الملك بن عمير, حدثني ابن عم لحذيفة عن حذيفة وهو ابن اليمان ـ رضي الله عنه, قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة, فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات, وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه, من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ثم قال: «الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» وكان ركوعه مثل قيامه, وسجوده مثل ركوعه, فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي. وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار, عن رجل من بني عبس عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل, وكان يقول: «الله أكبر ـ ثلاثاً ـ ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» ثم استفتح فقرأ البقرة, ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه, وكان يقول في ركوعه «سبحان ربي العظيم» ثم رفع رأسه من الركوع, فكان قيامه نحواً من ركوعه وكان يقول في قيامه «لربي الحمد» ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه, وكان يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى» ثم رفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده, وكان يقول رب اغفر لي, رب اغفر لي» فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة, وآل عمران , والنساء والمائدة أو الأنعام ـ شك شعبة ـ هذا لفظ أبي داود وقال النسائي: أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد, وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة, كذا قال, والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة, كما تقدم في رواية الإمام أحمد, والله أعلم. وأما رواية صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه, فإنها في صحيح مسلم, ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.
    وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح, حدثنا ابن وهب, حدثني معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس عن عاصم بن حميد عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة, فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل, ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ, قال: ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه, ثم قال في سجوده مثل ذلك, ثم قام فقرأ بآل عمران, ثم قرأ سورة سورة, ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي من حديث معاوية بن صالح به.

    تمت سورة يس

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:48

    سورة الصافات
    وهي مكية
    قال النسائي أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد ـ يعني ابن الحارث ـ عن ابن أبي ذئب قال أخبرنا الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمن بالصافات, تفرد به النسائي.
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** وَالصّافّاتِ صَفّا * فَالزّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتّالِيَاتِ ذِكْراً * إِنّ إِلَـَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رّبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبّ الْمَشَارِقِ
    قال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: {والصافات صفا} وهي الملائكة {فالزاجرات زجراً} هي الملائكة {فالتاليات ذكراً} هي الملائكة, وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء. وقال مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعل لنا ترابها طهوراً إذا لم نجد الماء» وقد روى مسلم أيضاً وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ؟» قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ قالصلى الله عليه وسلم «يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» وقال السدي وغيره معنى قوله تعالى: {فالزاجرات زجراً} أنها تزجر السحاب, وقال الربيع بن أنس {فالزاجرات زجراً} مازجر الله تعالى عنه في القرآن, وكذا روى مالك عن زيد بن أسلم {فالتاليات ذكراً} قال السدي الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس وهذه الاَية كقوله تعالى: {فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً}. وقوله عز وجل: {إن إلهكم لواحد رب السموات والأرض} هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لاإله إلاهو رب السموات والأرض {ومابينهما} أي من المخلوقات {ورب المشارق} أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه وقد صرح بذلك في قوله عز وجل: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} وقال تعالى في الاَية الاَخرى: {رب المشرقين ورب المغربين} يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر.


    ** إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مّن كُلّ شَيْطَانٍ مّارِدٍ * لاّ يَسّمّعُونَ إِلَىَ الْمَلإِ الأعْلَىَ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
    يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة الكواكب, قرىء بالإضافة وبالبدل وكلاهما بمعنى واحد فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال تبارك وتعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين * وأعتدنا لهم عذاب السعير} وقال عز وجل {ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} فقوله جل وعلا ههنا: {وحفظاً} تقديره وحفظناها حفظاً {من كل شيطان مارد} يعني المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ولهذا قال جل جلاله {لا يسمعون إلى الملأ الأعلى} أي لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى وهي السموات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدرته كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تبارك وتعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير} ولهذا قال تعالى: {ويقذفون} أي يرمون {من كل جانب} أي من كل جهة يقصدون السماء منها {دحوراً} أي رجماً يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون {ولهم عذاب واصب} أي في الدار الاَخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر كما قال جلت عظمته {وأعتدنا لهم عذاب السعير} وقوله تبارك وتعالى: {إلا من خطف الخطفة} أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته ويلقيها الاَخر إلى الذي تحته فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه فيذهب بها الأخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث ولهذا قال {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} أي مستنير. قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للشياطين مقاعد في السماء قال فكانوا يستمعون الوحي قال وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى قال فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعاً قال فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطان إذا قصد مقعده جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه قال فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال ما هو إلا من أمر حدث قال فبعث جنوده فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة قال وكيع يعني بطن نخلة قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال هذا الذي حدث, وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الاَثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخباراً عن الجن أنهم قالوا {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الاَن يجد له شهاباً رصداً * وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}.


    ** فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَم مّنْ خَلَقْنَآ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّن طِينٍ لاّزِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ * وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوَاْ إِن هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا الأوّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
    يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقاً هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ؟ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه أم من عددنا فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقاً منهم, وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث ؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا كما قال عز وجل: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: {إنا خلقناهم من طين لازب} قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك: هوالجيد الذي يلتزق بعضه ببعض, وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة هو اللزج الجيد, وقال قتادة هوالذي يلزق باليد, وقوله عز وجل: {بل عجبت ويسخرون} أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم ويسخرون مما تقول لهم من ذلك.
    قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم وسخر ضلاّل بني آدم {وإذا رأوا آية} أي دلالة واضحة على ذلك {يستسخرون} قال مجاهد وقتادة يستهزئون {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون} يستبعدون ذلك ويكذبون به {قل نعم وأنتم داخرون} أي قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون تراباً وعظاماً وأنتم داخرون أي حقيرون تحت القدرة العظيمة كما قال تبارك وتعالى: {وكل أتوه داخرين}. ثم قال جلت عظمته: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أي فإنما هو أمر واحد من الله عز وجل, يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض, فإذا هم بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة, والله تعالى أعلم.


    ** وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَـَذَا يَوْمُ الدّينِ * هَـَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ * احْشُرُواْ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنّهُمْ مّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
    يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا, فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} فتقول الملائكة والمؤمنون {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال النعمان بن بشير رضي الله عنه يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم, وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم, وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال إخوانهم. وقال شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر يقول {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أشباههم. قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا, وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر, وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أزواجهم نساؤهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه أزواجهم قرناؤهم وما كانوا يعبدون من دون الله أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم. وقوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي أرشدوهم إلى طريق جهنم وهذا كقوله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً} وقوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون} أي قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك عن ابن عباس يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا النفيلي حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت ليثاً يحدث عن بشير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفاً معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا يفارقه وإن دعا رجل رجلاً» ثم قرأ {وقفوهم إنهم مسؤولون} ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم, ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن معتمر عن ليث عن رجل عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً. وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه, ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ {ما لكم لا تناصرون ؟} أي كما زعمتم أنكم جمع منتصر {بل هم اليوم مستسلمون} أي ينقادون لأمر الله لا يخالفونه ولا يحيدون عنه, والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:51

    وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوَاْ إِنّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَآ إِنّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنّا كُنّا غَاوِينَ * فَإِنّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنّهُمْ كَانُوَاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتَارِكُوَ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مّجْنُونٍ * بَلْ جَآءَ بِالْحَقّ وَصَدّقَ الْمُرْسَلِينَ
    يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة كما يتخاصمون في دركات النار {فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول * يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أَنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين, وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} وهكذا قالوا لهم ههنا {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال الضحاك عن ابن عباس يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كناأذلاء وكنتم أعزاء, وقال مجاهد يعني عن الحق والكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قال من قبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه, وقال السدي تأتوننا من قبل الحق وتزينونا لنا الباطل وتصدونا عن الحق وقال الحسن في قوله تعالى: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} إي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه, وقال ابن زيد معناه تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به, وقال يزيد الشرك من قبل لا إله إلا الله وقال خصيف يعنون من قبل ميامنهم, وقال عكرمة {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال من حيث نأمنكم.
    وقوله تعالى: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} تقول القادة من الجن والإنس للأتباع ما الأمر كما تزعمون بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي من حجة على صحة ما دعوناكم إليه {بل كنتم قوماً طاغين} أي بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به فخالفتموه {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين} يقول الكبراء للمستضعفين حقت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة {فأغويناكم} أي دعوناكم إلى الضلالة {إنا كنا غاوين} أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا, قال الله تبارك وتعالى: {فإنهم يومئذٍ في العذاب مشتركون} أي الجميع في النار كل بحسبه {إنا كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا} أي في الدار الدنيا {إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون قال ابن أبي حاتم حدثنا عبيد الله بن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا الليث عن ابن مسافر يعني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل» وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قوماً استكبروا فقال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} وقال ابن أبي حاتم أيضاً حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله وعزيراً فيقال لهم: خذوا ذات الشمال, ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله والمسيح فيقال لهم: خذوا ذات الشمال, ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون فيقال لهم خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة فينطلقون أسرع من الطير. قال أبو العلاء ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم هل تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون نعم, فيقال لهم فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل له. قال فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس وينجي الله المؤمنين {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى تكذيباً لهم ورداً عليهم: {بل جاء بالحق} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب {وصدق المرسلين} أي صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة, والمناهج السديدة, وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} الاَية.


    ** إِنّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابَ الألِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مّكْرَمُونَ * فِي جَنّاتِ النّعِيمِ * عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذّةٍ لّلشّارِبِينَ * لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ عِينٌ * كَأَنّهُنّ بَيْضٌ مّكْنُونٌ
    يقول تعالى مخاطباً للناس: {إنكم لذائقو العذاب الأليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقال عز وجل: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقال تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} ولهذا قال جل وعلا ههنا {إلا عباد الله المخلصين} أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما شاء الله تعالى من التضعيف. وقوله جل وعلا: {أولئك لهم رزق معلوم} قال قتادة والسدي يعني الجنة ثم فسره بقوله تعالى: {فواكه} أي متنوعة {وهم مكرمون} أي يخدمون ويرفهون وينعمون {في جنات النعيم * على سرر متقابلين} قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا حسان بن حسان حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الاَية {على سرر متقابلين} ينظر بعضهم إلى بعض حديث غريب. وقوله تعالى: {يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} كما قال عز وجل في الاَية الأخرى {يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون} نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الاَفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة فقال تعالى ههنا: {يطاف عليهم بكأس من معين} أي بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها قال مالك عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء أي لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. وقوله عز وجل: {لذة للشاربين} أي طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك وقوله تعالى: {لا فيها غول} يعني لا تؤثر فيها غولاً وهو وجع البطن قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه لكثرة مائيتها, وقيل المراد بالغول ههنا صداع الرأس وروي هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة هو صداع الرأس ووجع البطن وعنه وعن السدي لا تغتال عقولهم كما قال الشاعر:
    فما زالت الكأس تغتالناوتذهب بالأول الأول
    وقال سعيد بن جبير لا مكروه فيها ولا أذى, والصحيح قول مجاهد أنه وجع البطن, وقوله تعالى: {ولا هم عنها ينزفون} قال مجاهد لا تذهب عقولهم وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم وقال الضحاك عن ابن عباس في الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال كما ذكر في سورة الصافات وقوله تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف} أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله تبارك وتعالى: {عين} أي حسان الأعين وقيل ضخام الأعين وهو يرجع إلى الأول وهي النجلاء العيناء فوصف عيونهن بالحسن والعفة كقول زليخا في يوسف عليه الصلاة والسلام حين جملته وأخرجته على تلك النسوة فأعظمنه وأكبرنه وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره قالت: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي وهكذا الحور العين {خيرات حسان}. ولهذا قال عز وجل: {وعندهم قاصرات الطرف عين} وقوله جل جلاله: {كأنهن بيض مكنون} وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {كأنهن بيض مكنون} يقول اللؤلؤ المكنون وينشد ههنا بيت أبي دهبل الشاعر وهو قوله في قصيدة له:
    هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا
    ص ميزت من جوهر مكنون
    وقال الحسن: {كأنهن بيض مكنون} يعني محصون لم تمسه الأيدي, وقال السدي: البيض في عشه مكنون وقال سعيد بن جبير {كأنهن بيض مكنون} يعني بطن البيض وقال عطاء الخراساني هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة, وقال السدي {كأنهن بيض مكنون} يقول بياض البيض حين نزع قشرته واختاره ابن جرير لقوله مكنون قال والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها والله أعلم. وقال ابن جرير حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: {حور عين} قال: «العين الضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل {كأنهن بيض مكنون} قال: رقتهن «كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الغرقىء». وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو غسان النهدي حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا, وأنا خطيبهم إذا وفدوا, وأنا مبشرهم إذا حزنوا, وأنا شفيعهم إذا حبسوا, لواء الحمد يومئذ بيدي, وأنا أكرم ولد آدم على الله عز وجل ولا فخر, يطوف عليّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون ـ أو اللؤلؤ المكنون ـ», والله تعالى أعلم بالصواب

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:54

    فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُمْ مّطّلِعُونَ * فَاطّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللّهِ إِن كِدتّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاّ مَوْتَتَنَا الاُولَىَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَـَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا وماذا كانوا يعانون فيها وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهم جلوس على السرر والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {قال قائل منهم إني كان لي قرين} قال مجاهد يعني شيطاناً. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا, ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس ويكون من الإنس فيقول كلاماً تسمعه الأذنان وكلاهما يتعاونان قال الله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} وكل منهما يوسوس كما قال الله عز وجل: {من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} ولهذا {قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين} أي أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد, {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} قال مجاهد والسدي لمحاسبون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي لمجزيون بأعمالنا وكلاهما صحيح قال تعالى: {قال هل أنتم مطلعون} أي مشرفون يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وخليد العصري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني يعني في وسط الجحيم, وقال الحسن البصري في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد, وقال قتادة ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي, وذكر لنا أن كعب الأحبار قال في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها فازداد شكراً {قال تالله إن كدت لتردين} يقول المؤمن مخاطباً للكافر والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} أي ولولا فضل الله عليّ لكنتُ مثلك في سواء الجحيم حيث أنت محضر معك في العذاب ولكنه تفضل عليّ ورحمني فهداني للإيمان وأرشدني إلى توحيده {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}. وقوله تعالى: {أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} هذا من كلام المؤمن مغبطاً نفسه لما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال عز وجل: {إن هذا لهو الفوز العظيم}. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: {كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون} قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله عز وجل: {هنيئاً} أي لا يموتون فيها فعندها قالوا: {أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا: {أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} قيل لا {إن هذا لهو الفوز العظيم} وقوله جل جلاله {لمثل هذا فليعمل العاملون} قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة, وقال ابن جرير هو من كلام الله تعالى ومعناه لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الاَخرة وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الاَية الكريمة, قال أبو جعفر بن جرير حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن فرات بن ثعلبة النهراني في قوله: {إني كان لي قرين} قال إن رجلين كانا شريكين فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار, وكان أحدهما له حرفة والاَخر ليس له حرفة, فقال الذي له حرفة للاَخر ليس عندك حرفة ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك فقاسمه وفارقه ثم إن الرجل اشترى داراً بألف دينار كانت لملك مات فدعا صاحبه فأراه فقال كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار ؟ قال ما أحسنها, فلما خرج قال اللهم إن صاحبي هذا ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك داراً من دور الجنة فتصدق بألف دينار, ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث, ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار فدعاه وصنع له طعاماً فلما أتاه قال إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار قال ما أحسن هذا فلما انصرف قال يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار, وإني أسألك امرأة من الحور العين فتصدق بألف دينار, ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار ثم دعاه فأراه فقال إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار قال ما أحسن هذا فلما خرج قال يا رب إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار وأنا أسألك بستانين في الجنة فتصدق بألفي دينار, ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله داراً تعجبه وإذا بامرأةٍ تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئاً الله به عليم فقال عند ذلك ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال فإنه ذاك ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة, قال فإنه كان لي صاحب يقول أئنك لمن المصدقين قيل له فإنه في الجحيم قال هل أنتم مطلعون ؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال عند ذلك {تا لله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} الاَيات قال ابن جرير

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 17:58

    وهذا يقوي قراءة من قرأ {أئنك لمن المصدقين} بالتشديد, وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار أخبرنا أبو حفص قال سألت إسماعيل السدي عن هذه الاَية {قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين} قال فقال لي ما ذكرك هذا قلت قرأته آنفاً فأحببت أن أسألك عنه فقال: أما فاحفظ, كان شريكان في بني إسرائيل أحدهما مؤمن والاَخر كافر فافترقا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا, ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك ؟ أضربت به شيئاً أتجرت في شيء ؟ فقال له المؤمن لا فما صنعت أنت ؟ فقال اشتريت به أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً بألف دينار ـ قال: فقال له المؤمن أو فعلت ؟ قال نعم, قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال: اللهم إن فلاناً ـ يعني شريكه الكافر ـ اشترى أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً بألف دينار ثم يموت غداً ويتركها اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضاً ونخلاً وثماراً وأنهاراً في الجنة ـ قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين ـ قال ـ ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء ؟ أتجرت به في شيء ؟ قال لا قال فما صنعت أنت ؟ قال كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها فاشتريت رقيقاً بألف دينار يقومون لي فيها ويعملون لي فيها فقال له المؤمن أو فعلت ؟ قال نعم ـ قال ـ فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال اللهم إن فلاناً ـ يعني شريكه الكافر ـ اشترى رقيقاً من رقيق الدنيا بألف دينار يموت غداً فيتركهم أو يموتون فيتركونه, اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقاً في الجنة ـ قال ـ ثم أصبح فقسمها في المساكين ـ قال ـ ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء أتجرت به في شيء ؟ قال لا فما صنعت أنت ؟ قال كان أمري كله قد تم إلا شيئاً واحداً فلانة قد مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار فجاءتني بها ومثلها معها فقال له المؤمن أو فعلت ؟ قال نعم قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه وقال اللهم إن فلاناً ـ يعني شريكه الكافر ـ تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غداً فيتركها أو تموت غداً فتتركه اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة ـ قال ـ ثم أصبح فقسمها بين المساكين ـ قال ـ فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال فلبس قميصاً من قطن وكساء من صوف ثم أخذ مراً فجعله على رقبته يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال فجاءه رجل فقال له يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهراً بشهر تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها قال أفعل قال فواجره نفسه مشاهرة شهراً بشهر يقوم على دوابه, قال وكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه ثم يقول له سرقت شعير هذه البارحة قال فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال لاَتين شريكي الكافر فلأعملن في أرضه فليطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا, قال فانطلق يريده فانتهى إلى بابه وهو ممس فإذا قصر مشيد في السماء وإذا حوله البوابون فقال لهم استأذنوا لي على صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك, فقالوا له انطلق إن كنت صادقاً فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له. قال فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له فخرج شريكه الكافر وهو راكب فلما رآه عرفه فوقف وسلم عليه وصافحه ثم قال له ألم تأخذ المال مثل ما أخذت ؟ قال بلى قال وهذه حالي وهذه حالك ؟ قال بلى قال أخبرني ما صنعت في مالك ؟ قال لا تسألني عنه, قال فما جاء بك ؟ قال جئت أعمل في أرضك هذه فتطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا, قال لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ولكن لا ترى مني خيراً حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال أقرضته قال من ؟ قال المليء الوفي قال من ؟ قال الله ربي قال وهو مصافحه فانتزع يده من يده ثم قال {أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} قال السدي محاسبون قال فانطلق الكافر وتركه, قال فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه, يعيش المؤمن في شدة من الزمان ويعيش الكافر في رخاء من الزمان قال فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول لمن هذا ؟ فيقال هذا لك فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا ؟ قال ثم يمر فإذ هو برقيق لا تحصى عدتهم فيقول لمن هذا ؟ فيقال هؤلاء لك, فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا, قال ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول لمن هذه فيقال هذه لك فيقول يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا, قال ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: {إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون} قال فالجنة عالية والنار هاوية قال فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول: {تا لله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون} بمثل ما قد منّ عليه. قال فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت.

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:00

    أَذَلِكَ خَيْرٌ نّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزّقّومِ * إِنّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لّلظّالِمِينَ * إِنّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيَ أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنّهُ رُءُوسُ الشّيَاطِينِ * فَإِنّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمّ إِنّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمّ إِنّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ * إِنّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلّينَ * فَهُمْ عَلَىَ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
    يقول الله تعالى أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة وعطاء {أم شجرة الزقوم} أي التي في جهنم وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة كما قال بعضهم إنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن, وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له الزقوم كقوله تعالى: {وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاَكلين} يعني الزيتونة ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لاَكلون من شجر من زقوم} وقوله عز وجل: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} قال قتادة ذكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة وقالوا صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله تعالى: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} غذيت من النار ومنها خلقت. وقال مجاهد {إنا جعلناها فتنة للظالمين} قال أبو جهل لعنه الله: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه. قلت ومعنى الاَية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختباراً نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب كقوله تبارك وتعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً}. وقوله تعالى: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي أصل منبتها في قرار النار {طلعها كأنه رؤوس الشياطين} تبشيع لها وتكريه لذكرها. قال وهب بن منبه شعور الشياطين قائمة إلى السماء, وإنما شبهها {برؤوس الشياطين} وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر, وقيل المراد بذلك ضرب من الحيات رؤوسها بشعة المنظر, وقيل جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة وفي هذين الاحتمالين نظر, وقد ذكرهما ابن جرير والأول أقوى وأولى, والله أعلم. وقوله تعالى: {فإنهم لاَكلون منها فمالئون منها البطون}. ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها لأنهم لا يجدون إلا إياها وما هو في معناها كما قال تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغني من جوع} وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا أبي حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الاَية وقال: «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه ؟» ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح. وقوله تعالى: {ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم} قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني شرب الحميم على الزقوم, وقال في رواية عنه شوباً من حميم, مزجاً من حميم, وقال غيره يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو وأخبرني عبيد الله بن بسر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول «يقرب ـ يعني إلى أهل النار ـ ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره» وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر وهارون بن عنترة عن سعيد بن جبير قال إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعو بالثبور. وقوله عز وجل: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج وجحيم تتوقد وسعير تتوهج فتارة في هذا وتارة في هذا كما قال تعالى: {يطوفون بينها وبين حميم آن} هكذا تلا قتادة هذه الاَية وهو تفسير حسن قوي, وقال السدي في قراءة عبد الله رضي الله عنه {ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم} وكان عبد الله رضي الله عنه يقول والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار, ثم قرأ {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً} وروى الثوري عن ميسرة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء قال سفيان أراه ثم قرأ {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً} ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم قلت على هذا التفسير تكون ثم عاطفة لخبر على خبر. وقوله تعالى: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان, ولهذا قال: {فهم على آثارهم يهرعون} قال مجاهد شبيهة بالهرولة, وقال سعيد بن جبير يسفهون.
    ** وَلَقَدْ ضَلّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلاّ عِبَادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ
    يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى, وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين}.


    ** وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرّيّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاَخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىَ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ
    لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلاً فذكر نوحاً عليه الصلاة والسلام وما لقي من قومه من التكذيب, وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم, وكلما دعاهم ازدادوا نفرة فدعا ربه أني مغلوب فانتصر, فغضب الله تعالى لغضبه عليهم, ولهذا قال عز وجل: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} أي فلنعم المجيبون له {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} وهو التكذيب والأذى {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تبارك وتعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام, وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} قال سام وحام ويافث وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم» ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد وهو ابن أبي عروبة عن قتادة به, قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر, وقد روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله, والمراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح عليه السلام ثلاثة: سام ويافث وحام, وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم, وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج, وولد حام القبط والسودان والبربر,وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: {وتركنا عليه في الاَخرين} قال ابن عباس رضي الله عنهما يذكر بخير, وقال مجاهد يعني لسان صدق للأنبياء كلهم, وقال قتادة والسدي أبقى الله عليه الثناء الحسن في الاَخرين. وقال الضحاك السلام والثناء الحسن, وقوله تعالى: {سلام على نوح في العالمين} مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك ثم قال تعالى: {إنه من عبادنا المؤمنين} أي المصدقين الموحدين الموقنين {ثم أغرقنا الاَخرين} أي أهلكناهم فلم يبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا عين ولا أثر, ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.


    ** وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَآءَ رَبّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنّكُم بِرَبّ الْعَالَمِينَ
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وإن من شيعته لإبراهيم} يقول من أهل دينه, وقال مجاهد على منهاجه وسنته {إذ جاء ربه بقلب سليم} قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم ؟ قال يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور, وقال الحسن: سليم من الشرك وقال عروة لا يكون لعاناً.
    وقوله تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال عز وجل {أئفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين} قال قتادة يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره.

    يتبع

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:03

    فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النّجُومِ * فَقَالَ إِنّي سَقِيمٌ * فَتَوَلّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَىَ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوَاْ إِلَيْهِ يَزِفّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُواْ ابْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ
    إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها فقال لهم كلاماً هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه {فتولوا عنه مدبرين} قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم, يعني قتادة أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يلهيهم به فقال {إني سقيم} أي ضعيف, فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى, قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله في سارة هي أختي» فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما, وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزاً وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى: {فقال إني سقيم} وقال {بل فعله كبيرهم هذا} وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي. قال سفيان في قوله {إني سقيم} يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم, وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجماً طلع فقال {إني سقيم} كابد نبي الله عن دينه {فقال إني سقيم}. وقال آخرون {فقال إني سقيم} بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت, وقيل أراد {إني سقيم} أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى, وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال {إني سقيم} وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. ورواه ابن أبي حاتم, ولهذا قال تعالى: {فتولوا عنه مدبرين} أي ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء {فقال ألا تأكلون ؟} وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاماً قرباناً لتبارك لهم فيه. وقال السدي: دخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الاَلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاماً ووضعوه بين أيدي الاَلهة وقالوا إذا كان حين نرجع وقد باركت الاَلهة في طعامنا أكلناه, فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال {ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون} وقوله تعالى: {فراغ عليهم ضرباً باليمين} قال الفراء معناه مال عليهم ضرباً باليمين. وقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم ضرباً باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاداً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. وقوله تعالى ههنا: {فأقبلوا إليه يزفون} قال مجاهد وغير واحد أي يسرعون, وهذه القصة ههنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا فعرفوا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال {أتعبدون ما تنحتون} أي أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم {والله خلقكم وما تعملون} يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم ويحتمل أن تكون بمعنى الذي تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم, والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني عن مروان بن معاوية عن أبي مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته» وقرأ بعضهم {والله خلقكم وما تعملون} فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا {ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم} وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها ولهذا قال تعالى: {فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين}.
    ** وَقَالَ إِنّي ذَاهِبٌ إِلَىَ رَبّي سَيَهْدِينِ * رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينِ * فَبَشّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنّيَ أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ * فَلَمّا أَسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدّقْتَ الرّؤْيَآ إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاَخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مّنَ الصّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرّيّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لّنَفْسِهِ مُبِينٌ
    يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه بعد ما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الاَيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال {إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب هب لي من الصالحين} يعني أولاداً مطيعين عوضاً من قومه وعشيرته الذين فارقهم, قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة, وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة أخرى بكره فأقحموا ههنا كذباً وبهتاناً إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابه وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره, وأيضاً فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضاً وليس ذلك في كتاب ولا سنة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلم من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك {وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا {إنا نبشرك بغلام عليم}. وقال تعالى: {وبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام ؟ وقوله تعالى: {فلما بلغ معه السعي} أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرهما وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعاً إلى هناك والله أعلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وسعيد ين جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم {فلما بلغ معه السعي} بمعنى شب وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الاَية {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}. وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو عبد الملك الكرندي حدثنا سفيان بن عيينة عن إسرائيل بن يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي» ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه {قال يا أَبت افعل ما تؤمر} أي امض لما أمرك الله من ذبحي {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً}. وقال تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين} أي فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت وقيل أسلما يعني استسلما وانقادا, إبراهيم امتثل أمر الله تعالى)وإسماعيل طاعة لله ولأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم ومعنى تله للجبين أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة {وتله للجبين} أكبّه على وجهه.

    يتبع

    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:05

    وقال الإمام أحمد حدثنا سريج ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم ذهب به جبريل عليه الصلاة والسلام إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات ثم تله للجبين وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض فقال يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش, وذكر هشام الحديث في المناسك بطوله. ثم رواه أحمد بطوله من يونس عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكره إلا أنه قال إسحاق فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة عن جعفر بن إياس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك وتعالى: {وفديناه بذبح عظيم} قال خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفاً فأرسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابنه واتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه فو الذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزابِ الكعبة حتى وحش يعني يبس. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنا القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» فقال له كعب أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال فداك أبي وأمي ـ أو فداه أبي وأمي ـ أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً فخرج إبراهيم عليه الصلاة والسلام بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت غدا به لبعض حاجته قال فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه قالت ولم يذبحه ؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت فقد أحسن أن يطيع ربه فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام أين يذهب بك أبوك, قال لبعض حاجته قال فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك قال ولم يذبحني ؟ قال يزعم أن ربه أمره بذلك قال فو الله لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن قال فيئس منه فتركه ولحق بإبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال أين غدوت بابنك, قال لحاجة قال فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت به لتذبحه قال ولم أذبحه ؟ قال تزعم أن ربك أمرك بذلك قال فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن قال فتركه ويئس أن يطاع وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن يونس عن ابن يزيد عن ابن شهاب قال إن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعباً قال لأبي هريرة فذكره بطوله وقال في آخره وأوحى الله تعالى إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجبت لك فيها قال إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والاَخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تبارك وتعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له يا إسحاق سل تعط فقال أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان, اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً فاغفر له وأدخله الجنة» هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق إلى آخره والله أعلم فهذا إن كان محفوظاً فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرفوه بإسحاق حسداً منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لاإسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام. وقوله تعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي قد حصل المقصود من رؤياك واضجاعك ولدك للذبح وذكر السدي وغيره أنه أمرّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئاً بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك {قد صدقت الرؤيا}. وقوله تعالى: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً} وقد استدل بهذه الاَية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافاً لطائفة من المعتزلة والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء وإنما كان المقصود من شرعه أولاً إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: {إن هذا لهو البلاء المبين} أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلماً لأمر الله تعالى منقاداً لطاعته ولهذا قال تعالى: {وإبراهيم الذي وفى}. وقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه {وفديناه بذبح عظيم} قال بكبش أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطاً بسمرة في ثبير, وقال الثوري أيضاً عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا داود العطار عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه فكان مخزوناً حتى فدي به إسحاق وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال كان الكبش يرتع في الجنة حتى فدي به إسحاق, وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر, وعن الحسن البصري أنه قال كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير وقال ابن جريج قال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام وقال مجاهد ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هشيم عن سيار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما كان أفتى الذي جعل عليه نذراً أن ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيه بكبش لأجزأه أن يذبح كبشاً فإن الله تعالى قال في كتابه: {وفديناه بذبح عظيم} والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش. وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} قال وعل وقال محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول ما فدي إسماعيل عليه السلام إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. وقد قال الإمام أحمد حدثنا سفيان حدثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة رضي الله عنه, وقالت مرة أنها سألت عثمان لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» قال سفيان لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإن قريشاً توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفاً عن سلف وجيلاً بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:07

    ** فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلاَ إِنّهُم مّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللّهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَىَ الْبَنِينَ * مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلاَ تَذَكّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنّةُ إِنّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ
    يقول تعالى منكراً على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي من الذكور أي يودون لأنفسهم الجيد {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم} أي يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين, يقول عز وجل فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم ولهذا قال تعالى: {فاستفتهم} أي سلهم على سبيل الإنكار عليهم {ألربك البنات ولهم البنون} كقوله عز وجل: {ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذاً قسمة ضيزى}. وقوله تبارك وتعالى: {أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون}أي كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله جل وعلا {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} أي يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله جلت عظمته: {ألا إنهم من إفكهم} أي من كذبهم {ليقولون ولد الله} أي صدر منه الولد {وإنهم لكاذبون} فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب, فأولاً جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولداً تعالى وتقدس, وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال تعالى منكراً عليهم {أصطفى البنات على البنين} أيْ أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله عز وجل: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً ؟ إنكم لتقولون قولاً عظيماً} ولهذا قال تبارك وتعالى: {مالكم يكف تحكمون} أي مالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون {أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين} أي حجة على ما تقولونه, {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} أي هاتوا برهاناً على ذلك يكون مستنداً إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال مجاهد: قال المشركون الملائكة بنات الله تعالى فقال أبو بكر رضي الله عنه فمن أمهاتهن, قالوا بنات سروات الجن وكذا قال قتادة وابن زيد ولهذا قال تبارك وتعالى: {ولقد علمت الجنة} أي الذين نسبوا إليهم ذلك {إنهم لمحضرون} أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم, وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قال زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, حكاه ابن جرير. وقوله جلت عظمته: {سبحان الله عما يصفون} أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه به الظالمون الملحدون علواً كبيراً. قوله تعالى: {إلا عباد الله المخلصين} استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير قوله تعالى: {عما يصفون} عائد إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل, وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: {إنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين} وفي هذا الذي قاله نظر والله سبحانه وتعالى أعلم.


    ** فَإِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنّآ إِلاّ لَهُ مَقَامٌ مّعْلُومٌ * وَإِنّا لَنَحْنُ الصّآفّونَ * وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبّحُونَ * وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأوّلِينَ * لَكُنّا عِبَادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
    يقول تعالى مخاطباً للمشركين: {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم} أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرىء للنار {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها, ولهم آذان لا يسمعون بها, أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال تبارك وتعالى: {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل, ثم قال تبارك وتعالى منزهاً للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله {وما منا إلا له مقام معلوم} أي له موضع مخصوص في السموات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه. وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه وكان بايع يوم الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه: «أطّت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد» ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون} وقال الضحاك في تفسيره {وما منا إلا له مقام معلوم} قال كان مسروق يروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم» فذلك قوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم}.
    وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه {وما منا إلا له مقام معلوم} وكذا قال سعيد بن جبير وقال قتادة كانوا يصلون الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت {وما منا إلا له مقام معلوم} فتقدم الرجال وتأخر النساء {وإنا لنحن الصافون} أي نقف صفوفاً في الطاعة كما تقدم عند قوله تبارك وتعالى: {والصافات صفاً} قال ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزل {وإنا لنحن الصافون} فصفوا وقال أبو نضرة كان عمر رضي الله عنه إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم استووا قياماً يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول {وإنا لنحن الصافون} تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجعلت لنا الأرض مسجداً, وتربتها طهوراً» الحديث {وإنا لنحن المسبحون} أي نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد {وما منا إلا له مقام معلوم} الملائكة {وإنا لنحن الصافون} الملائكة {وإنا لنحن المسبحون} الملائكة تسبح الله عز وجل. وقال قتادة {وإنا لنحن المسبحون} يعني المصلون يثبتون بمكانهم من العبادة كما قال تبارك وتعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} وقوله جل وعلا: {وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين} أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال جل جلاله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً} وقال تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} ولهذا قال تعالى هاهنا: {فكفروا به فسوف يعلمون} وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:09

    وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلّ عَنْهُمْ حَتّىَ حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلّ عَنْهُمْ حَتّىَ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
    يقول تبارك وتعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والاَخرة كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوي عزيز} وقال عز وجل: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ولهذا قال جل جلاله: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون} أي في الدنيا والاَخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين {وإن جندنا لهم الغالبون} أي تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا: {فتول عنهم حتى حين} أي اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر, ولهذا قال بعضهم غيا ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضاً في معناها, وقوله جلت عظمته {وأبصرهم فسوف يبصرون} أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد {فسوف يبصرون} ثم قال عز وجل: {أفبعذابنا يستعجلون} أي هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك ويعجل لهم العقوبة ومع هذا أيضاً كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله تبارك وتعالى: {فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين} أي فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم, وقال السدي {فإذا نزل بساحتهم} يعني بدارهم {فساء صباح المنذرين} أي فبئس ما يصبحون أي بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ورواه البخاري من حديث مالك عن حميد عن أنس رضي الله عنه. وقال الإمام أحمد حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: لما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضهم, فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا مدبرين فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين, وقوله تعالى: {وتول عنهم حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون} تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.


    ** سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ الْعِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىَ الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
    ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علواً كبيراً ولهذا قال تبارك وتعالى: {سبحان ربك رب العزة} أي ذي العزة التي لا ترام {عما يصفون} أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين {وسلام على المرسلين} أي سلام الله عليهم في الدنيا والاَخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته {والحمد لله رب العالمين} أي له الحمد في الأولى والاَخرة في كل حال, ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال تبارك وتعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}, وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين». هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك, وقد أسنده ابن أبي حاتم رحمه الله فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو بكر الأعين ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين» وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا نوح حدثنا أبو هارون عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين» ثم يسلم, إسناده ضعيف. وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمار بن خالد الواسطي حدثنا شبابة عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين}. وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي رضي الله عنه قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن منجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن سهلويه حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: من أحب ان يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} . وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس عن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال «من قال دبر كل صلاة {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر» وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءاً على حدة والله سبحانه وتعالى أعلم.

    تمت سورة الصافات

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:10

    سورة ص
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** صَ وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ * بَلِ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ
    أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {والقرآن ذي الذكر} أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: {ذي الذكر} كقوله تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} أي تذكيركم وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي {ذي الذكر} ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة, ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} وقيل قوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير وضعفه ابن جرير, وقال قتادة جوابه {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه {ص} بمعنى صدق حق {والقرآن ذي الذكر} وقيل جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم, وقوله تبارك وتعالى: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} أي استكبار عنه وحمية {وشقاق} أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة, ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء, فقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي من أمة مكذبة {فنادوا} أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئاً كما قال عز وجل: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} أي يهربون {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون} قال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله تبارك وتعالى: {فنادوا ولات حين مناص} قال ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما ليس بحين مغاث وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: ـ تذكر ليلى لات حين تذكر ـ وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: {فنادوا ولات حين مناص} يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم, واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم, وقال قتادة لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء, وقال مجاهد {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة, وعن مالك عن زيد بن أسلم {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء, وهذه الكلمة وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون ثمت ورب فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها, ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره وليس الحين حين مناص ومنهم من جوز النصب بها, وأنشد:
    تذكر حب ليلى لات حيناوأضحى الشيب قد قطع القرينا
    ومنهم من جوز الجر بها وأنشد:
    طلبوا صلحنا ولات أوانفأجبنا أن ليس حين بقاء
    وأنشد بعضهم أيضاً:
    ولات ساعة مندم
    بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون النوص التأخر والبوص التقدم, ولهذا قال تبارك وتعالى: {ولات حين مناص} أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.


    ** وَعَجِبُوَاْ أَن جَآءَهُم مّنذِرٌ مّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـَذَا سَاحِرٌ كَذّابٌ * أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىَ آلِهَتِكُمْ إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَـَذَا فِى الْمِلّةِ الاَخِرَةِ إِنْ هَـَذَا إِلاّ اخْتِلاَقٌ * أَاُنزِلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكّ مّن ذِكْرِي بَل لّمّا يَذُوقُواْ عَذَابِ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ * أَمْ لَهُم مّلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسْبَابِ * جُندٌ مّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الأحَزَابِ
    يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً كما قال عز وجل: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقال جل وعلا ههنا: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} أي بشر مثلهم وقال الكافرون {هذا ساحر كذاب * أجعل الاَلهة إلهاً واحداً} أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو ؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا {أجعل الاَلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم} وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين {امشوا} أي استمروا على دينكم {واصبروا على آلهتكم} ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد, وقوله تعالى: {إن هذا لشيء يراد} قال ابن جرير إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه.

    (ذكر سبب نزول هذه الاَيات الكريمات) قال السدي إن ناساً من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلاً منهم يقال له المطلب فاستأذن لهم على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه, قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال صلى الله عليه وسلم: «يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم» قال وإلام تدعوهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم «أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها قال صلى الله عليه وسلم: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا وقالوا سلنا غيرها قال صلى الله عليه وسلم: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» فقاموا من عنده غضاباً وقالوا والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قوله لا إله إلا الله فأبى وقال بل على دين الأشياخ ونزلت {إنك لا تهدي من أحببت}.
    قال أبو جعفر بن جرير حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول, فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟ قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشراً فقالوا وما هي ؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال صلى الله عليه وسلم «لا إله إلا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أجعل الاَلهة إلهاً واحداً ؟ إن هذا لشيء عجاب} قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله {بل لما يذوقوا عذاب} لفظ أبي كريب وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه, ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكر نحوه. وقال الترمذي حسن. وقولهم {ما سمعنا بهذا في الملة الاَخرة} أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الاَخرة.
    قال مجاهد وقتادة وأبو زيد يعنون دين قريش وقال غيرهم يعنون النصرانية قاله محمد بن كعب والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما سمعنا بهذا في الملة الاَخرة يعني النصرانية قالوا لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى {إن هذا إلا اختلاق} قال مجاهد وقتادة كذب وقال ابن عباس تخرص. وقولهم {أأنزل عليه الذكر من بيننا} يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الاَية الأخرى: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} قال الله تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:12

    كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُوْلَـَئِكَ الأحْزَابُ * إِن كُلّ إِلاّ كَذّبَ الرّسُلَ فَحَقّ عِقَابِ * وَمَا يَنظُرُ هَـَؤُلاَءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً مّا لَهَا مِن فَوَاقٍ * وَقَالُواْ رَبّنَا عَجّل لّنَا قِطّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ
    يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى: {أولئك الأحزاب} أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال عز وجل: {إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.
    وقوله تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية أي ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل.
    وقوله جل جلاله: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب وقيل هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد سألوا تعجيل العذاب, زاد قتادة كما قالوا {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} وقيل سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد. قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بالصبر على أذاهم ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر.


    ** اصْبِر عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيْدِ إِنّهُ أَوّابٌ * إِنّا سَخّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِالْعَشِيّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطّيْرَ مَحْشُورَةً كُلّ لّهُ أَوّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ
    يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيد القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد, الأيد القوة, وقرأ ابن زيد {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} وقال مجاهد الأيد القوة في الطاعة. وقال قتادة أعطي داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام, وقد ذكر لنا أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر, وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود, وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه, وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى وأنه كان أواباً» وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشؤونه.
    وقوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال عز وجل: {يا جبال أوبي معه والطير} وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعاً له. قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بلغه أن أم هانىء رضي الله عنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول عز وجل: {يسبحن بالعشى والإشراق} ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يصلي الضحى فأدخلته على أم هانىء رضي الله عنها فقلت أخبري هذا ما أخبرتني به فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الاَن {يسبحن بالعشي والإشراق} وكنت أقول أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول صلاة الإشراق ولهذا قال عز وجل: {والطير محشورة} أي محبوسة في الهواء {كل له أواب} أي مطيع يسبح تبعاً له, وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد {كل له أواب} أي مطيع.
    وقوله تعالى: {وشددنا ملكه} أي جعلنا له ملكاً كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك, قال ابن أبي نجي عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطاناً, وقال السدي كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف, وقال بعض السلف بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل, وقال غيره أربعون ألفاً مشتملون بالسلاح, وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الاَخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقراً فأنكر الاَخر ولم يكن للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود عليه الصلاة والسلام في المنام بقتل المدعي, فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري ؟ فقال له إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة, فقال والله إن الله لم يأمر بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود عليه السلام فقتل, قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله عز وجل {وشددنا ملكه}.
    وقوله عز وعلا: {وآتيناه الحكمة} قال مجاهد يعني الفهم والعقل والفطنة, وقال مرة: الحكمة والعدل, وقال مرة: الصواب, وقال قتادة كتاب الله واتباع ما فيه, فقال السدي {الحكمة} النبوة وقوله جل جلاله {وفصل الخطاب} قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان وقال قتادة شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل أو قال المؤمنون والصالحون وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة, وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي وقال مجاهد والسدي هو إصابة القضاء وفهم ذلك وقال مجاهد أيضاً هو الفصل في الكلام وفي الحكم وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شيبة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أول من قال: أما بعد داود عليه السلام وهو فصل الخطاب, وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد.


    ** وَهَلْ أَتَاكَ نَبَاُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوّرُواْ الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَىَ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىَ بَعْضُنَا عَلَىَ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَىَ سَوَآءِ الصّرَاطِ * إِنّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مّا هُمْ وَظَنّ دَاوُودُ أَنّمَا فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىَ وَحُسْنَ مَـآبٍ
    قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم حديثاً لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضاً. وقوله تعالى: {ففزع منهم} إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما وقوله عز وجل: {وعزني في الخطاب} أي غلبني يقال عز يعز إذا قهر وغلب. وقوله تعالى: {وظن داود أنما فتناه} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أي اختبرناه. وقوله تعالى {وخر راكعاً} أي ساجداً {وأناب} ويحتمل أنه ركع أولاً ثم سجد بعد ذلك, وقد ذكر أنه استمر ساجداً أربعين صباحاً {فغفرنا له ذلك} أي ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:14

    يَدَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَىَ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
    هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله, وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد حدثنا مروان بن جناح حدثني إبراهيم أبو زرعة وكان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت فقلت يا أمير المؤمنين أقول ؟ قال: قل في أمان الله, قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام, إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} الاَية وقال عكرمة {لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا, وقال السدي لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب وهذا القول أمشى على ظاهر الاَية والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.


    ** وَمَا خَلَقْنَا السّمَآءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لّلّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتّقِينَ كَالْفُجّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ
    يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تبارك وتعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا} أي الذين لا يرون بعثاً ولا معاداً وإنما يعتقدون هذه الدار فقط {فويل للذين كفروا من النار} أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم, ثم بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض * أم نجعل المتقين كالفجار} أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا, وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} أي ذوو العقول وهي الألباب جمع لب وهو العقل, قال الحسن البصري والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل, رواه ابن أبي حاتم.


    ** وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّيَ أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّىَ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالأعْنَاقِ
    يقول تعالى مخبراً أنه وهب لداود سليمان أي نبياً كما قال عز وجل: {وورث سليمان داود} أي في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر. وقوله تعالى: {نعم العبد إنه أواب} ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن خالد حدثنا الوليد حدثنا ابن جابر حدثنا مكحول قال لما وهب الله تعالى لداود سليمان قال له يا بني ما أحسن ؟ قال سكينة الله والإيمان ؟ قال فما أقبح ؟ قال كفر بعد إيمان قال فما أحلى, قال روح الله بين عباده قال فما أبرد ؟ قال عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض قال داود عليه السلام فأنت نبي.
    وقوله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} أي إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات قال مجاهد وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة والجياد السراع وكذا قال غير واحد من السلف, وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قال كانت عشرين فرساً ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير.
    وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس فعقرها وهذا أشبه, والله أعلم, وقال أبو داود حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي س*****ها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي الله عنها لعب فقال صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا عائشة ؟» قالت رضي الله عنها بناتي ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع فقال صلى الله عليه وسلم: «ما هذا الذي أرى وسطهن ؟» قالت رضي الله عنها فرس, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا الذي عليه ؟» قالت رضي الله عنها جناحان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فرس له جناحان ؟» قالت رضي الله عنها أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة قالت رضي الله عنها فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه. وقوله تبارك وتعالى: {فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب} ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمداً بل نسياناً كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر رضي الله عنه قال جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما صليتها» فقال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. ويحتمل أنه كان سائغاً في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال, والخيل تراد للقتال وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعاً فنسخ ذلك بصلاة الخوف, ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب لأنه قال بعده {ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} قال الحسن البصري: لا, قال: والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك, ثم أمر بها فعقرت وكذا قال قتادة, وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.
    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حباً لها وهذا القول اختاره ابن جرير قال لأنه لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة ويهلك مالاً من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيماإذا كان غضباً لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله عز وجل ما هو خير منها وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل, قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل وقال: «إنك لا تدع شيئاً اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله عز وجل خيراً منه».


    ** وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىَ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمّ أَنَابَ * قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاّ يَنبَغِي لأحَدٍ مّن بَعْدِيَ إِنّكَ أَنتَ الْوَهّابُ * فَسَخّرْنَا لَهُ الرّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشّيَاطِينَ كُلّ بَنّآءٍ وَغَوّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرّنِينَ فِي الأصْفَادِ * هَـَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىَ وَحُسْنَ مَآبٍ
    يقول تعالى: {ولقد فتنا سليمان} أي اختبرناه بأن سلبناه الملك {وألقينا على كرسيه جسداً} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني شيطاناً {ثم أناب} أي رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته. قال ابن جرير, وكان اسم ذلك الشيطان صخراً قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وقيل آصف قاله مجاهد وقيل صرد قاله مجاهد أيضاً وقيل حقيق قاله السدي وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة, وقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال أمر سليمان عليه الصلاة والسلام ببناء بيت المقدس فقيل له ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد, قال فطلب ذلك فلم يقدر عليه فقيل إن شيطاناً في البحر يقال له صخر شبه المارد قال فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة فنزح ماءها وجعل فيها خمراً فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً, قال ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً, قال ثم شربها حتى غلب على عقله قال فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل, قال وكان ملكه في خاتمه فأتى به سليمان عليه الصلاة والسلام فقال إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا لا يسمعن فيه صوت حديد قال فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليها فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة وكان سليمان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بالخاتم فانطلق يوماً إلى الحمام, وذلك الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه قال فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه وألقي على الشيطان شبه سليمان قال فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه فجعل يقضي بينهم وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا فتن نبي الله وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القوة فقال والله لأجربنه قال: فقال يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمداً حتى تطلع الشمس أترى عليه بأساً قال: لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم {وألقينا على كرسيه جسداً} قال هو الشيطان صخر.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:15

    وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنّا وَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نّعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ
    يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه, ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة, وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا, فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحاً ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريباً, فلما طال المطال, واشتد الحال, وانتهى القدر, وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال {إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} وفي هذه الاية الكريمة قال: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} قيل بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عيناً وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى, ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عيناً أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً, ولهذا قال تبارك وتعالى: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعاً حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان, فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك ؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له, فقال أيوب عليه الصلاة والسلام لا أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق, قال وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام أن {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى, فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً قال فإني أنا هو, قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض, هذا لفظ ابن جرير رحمه الله.
    وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال عليه الصلاة والسلام بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك» انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به, ولهذا قال تبارك وتعالى: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} قال الحسن وقتادة أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم.
    وقوله عز وجل: {رحمة منا} أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته {وذكرى لأولي الألباب} أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. وقوله جلت عظمته: {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته قيل باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة, وقيل لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله عز وجل وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثاً وهو الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره, وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه, ولهذا قال جل وعلا: {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب} أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه {نعم العبد إنه أواب} أي رجاع منيب, ولهذا قال جل جلاله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً*} واستدل كثير من الفقهاء بهذه الاَية الكريمة على مسائل في الإيمان وغيرها. وقد أخذوها بمقتضاه والله أعلم بالصواب.


    ** عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ * إِنّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلّ مّنَ الأخْيَارِ * هَـَذَا ذِكْرٌ وَإِنّ لِلْمُتّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ
    يقول تبارك وتعالى مخبراً عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {أولي الأيدي} يقول أولي القوة والعبادة {والأبصار} يقول الفقه في الدين. وقال مجاهد {أولي الأيدي} يعني القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني البصر في الحق وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين.
    وقوله تبارك وتعالى: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} قال مجاهد أي جعلناهم يعملون للاَخرة ليس لهم غيرها وكذا قال السدي ذكرهم للاَخرة وعملهم لها. وقال مالك بن دينار نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الاَخرة وذكرها, وكذا قال عطاء الخراساني. وقال سعيد بن جبير يعني بالدار الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها, وقال في رواية أخرى ذكرى الدار عقبى الدار, وقال قتادة كانوا يذكرون الناس الدار الاَخرة والعمل لها, وقال ابن زيد جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الاَخرة.
    وقوله تعالى: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} أي لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.
    وقوله تعالى: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار} قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ههنا.
    وقوله عز وجل: {هذا ذكر} أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر, قال السدي يعني القرآن العظيم.


    ** وَإِنّ لِلْمُتّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنّاتِ عَدْنٍ مّفَتّحَةً لّهُمُ الأبْوَابُ * مُتّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ أَتْرَابٌ * هَـَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنّ هَـَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نّفَادٍ
    يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الاَخرة لحسن مآب وهو المرجع والمنقلب ثم فسره بقوله تعالى: {جنات عدن} أي جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام ههنا بمعنى الإضافة كأنه يقول مفتحة لهم أبوابها أي إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها, قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن ثواب الهباري حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله بن مسلم يعني ابن هرمز عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله ـ أو لا يسكنه ـ إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل» وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.
    وقوله عز وجل: {متكئين فيها} قيل متربعين على سرر تحت الحجال {يدعون فيها بفاكهة كثيرة} أي مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا {وشراب} أي من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام {بأكواب وأباريق وكأس من معين} {وعندهم قاصرات الطرف} أي عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن {أتراب} أي متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي {هذا ما توعدون ليوم الحساب} أي هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار. ثم أخبر تبارك وتعالى عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: {إن هذا لرزقنا ماله من نفاد} كقوله عز وجل {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وكقوله جل وعلا {عطاء غير مجذوذ} وكقوله تعالى: {لهم أجر غير ممنون} أي غير مقطوع وكقوله عز وجل: {أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} والاَيات في هذا كثيرة جداً.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:16

    هَـَذَا وَإِنّ لِلطّاغِينَ لَشَرّ مَآبٍ * جَهَنّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَـَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَـَذَا فَوْجٌ مّقْتَحِمٌ مّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنّهُمْ صَالُو النّارِ * قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُواْ رَبّنَا مَن قَدّمَ لَنَا هَـَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النّارِ * وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىَ رِجَالاً كُنّا نَعُدّهُمْ مّنَ الأشْرَارِ * أَتّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَـرُ * إِنّ ذَلِكَ لَحَقّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النّارِ
    لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال عز وجل: {هذا وإن للطاغين} وهم الخارجون عن طاعة الله عز وجل المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم {لشر مآب} أي لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا: {جهنم يصلونها} أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم {فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق} أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره, وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.
    ولهذا قال عز وجل: {وآخر من شكله أزواج} أي وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال لا نعرفه إلا من حديث رشدين كذا قال وقد تقدم في غير حديثه, ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به.
    وقوله عز وجل: {هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار} هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية {هذا فوج مقتحم} أي داخل {معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار} أي لأنهم من أهل جهنم {قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم} أي فيقول لهم الداخلون {بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدمتموه لنا} أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير {فبئس القرار} أي فبئس المنزل والمستقر والمصير {قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار} كما قال عز وجل: {قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار * قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} أي لكل منكم عذاب بحسبه {وقالوا مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار ؟} هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالاً كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا مالنا لا نراهم معنا في النار. قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول مالي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً وفلاناً وفلاناً وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار, فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا {مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخرياً} أي في الدار الدنيا {أم زاغت عنهم الأبصار ؟} يسألون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم, فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ـ إلى قوله ـ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} وقوله تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك.


    ** قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـَهٍ إِلاّ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ * رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَـَلإِ الأعْلَىَ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىَ إِلَيّ إِلاّ أَنّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مّبِينٌ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر لست كما تزعمون {وما من إله إلا الله الواحد القهار} أي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه {رب السموات والأرض وما بينهما} أي هو مالك جيمع ذلك ومتصرف فيه {العزيز الغفار} أي غفار مع عظمته وعزته {قل هو نبأ عظيم} أي خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم {أنتم عنه معرضون} أي غافلون, قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله عز وجل: {قل هو نبأ عظيم} يعني القرآن.
    وقوله تعالى: {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون} أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى ؟ يعني في شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هشام حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج صلى الله عليه وسلم سريعاً فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال صلى الله عليه وسلم: «كما أنتم» ثم أقبل إلينا فقال: «إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى, قلت لا أدري يا رب ـ أعادها ثلاثاً ـ فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات ؟ قلت: نقل الأقدام في الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات ؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام, قال: سل, قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني, وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون, وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إنها حق فادرسوها وتعلموها» فهو حديث المنام المشهور, ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق, وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به, وقال الحسن صحيح وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر, وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو في قوله تعالى


    ** إِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ * فَإِذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُـلّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنّكَ رَجِيمٌ * وَإِنّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيَ إِلَىَ يَوْمِ الدّينِ * قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِيَ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىَ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزّتِكَ لاُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنكَ وَمِمّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
    هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر وسبحان والكهف وههنا وهي أن الله سبحانه وتعالى أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر الله عز وجل فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنساً. كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لاَدم وخاصم ربه عز وجل فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه, وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله عز وجل وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه, وحضرة قدسه, وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى
    وقال: {فبعزتك لأغزينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} كما قال عز وجل: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي * لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} وهؤلاء هم المستثنون في الاَية الأخرى وهي قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً}.

    وقوله تبارك وتعالى: {قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق أقول, وفي رواية عنه: الحق مني وأقول الحق, وقرأ آخرون بنصبهما قال السدي هو قسم أقسم الله به (قلت) وهذه الاَية كقوله تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وكقوله عز وجل: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً}.
    قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ
    يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجراً تعطونيه من عرض الحياة الدنيا {وما أنا من المتكلفين} أي وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه, وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الاَخرة, قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم, الله أعلم, فإن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} أخرجاه من حديث الأعمش, به وقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} يعني القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس والجن, قاله ابن عباس رضي الله عنهما, وروى ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {للعالمين} قال: الجن والإنس, وهذه الاَية الكريمة كقوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} وكقوله عز وجل: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وقوله تعالى: {ولتعلمن نبأه} أي خبره وصدقه {بعد حين} أي عن قريب قال قتادة بعد الموت وقال عكرمة يعني يوم القيامة, ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة, وقال قتادة في قوله تعالى: {ولتعلمن نبأه بعد حين} قال الحسن يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

    تمت سورة ص

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:20

    سورة الزمر
    وهي مكية
    قال النسائي حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا حماد عن مروان أبي لبابة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر, ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم, وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر.

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لّهُ الدّينِ * أَلاَ لِلّهِ الدّينُ الْخَالِصُ وَالّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللّهِ زُلْفَىَ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفّارٌ * لّوْ أَرَادَ اللّهُ أَن يَتّخِذَ وَلَداً لاّصْطَفَىَ مِمّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ
    يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عز وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين} وقال تبارك وتعالى: {وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وقال جل وعلا ها هنا: {تنزيل الكتاب من الله العزيز} أي المنيع الجناب {الحكيم} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.
    وقال قتادة في قوله تبارك وتعالى: {ألا لله الدين الخالص} شهادة أن لا إله إلا الله ثم أخبر عز وجل عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون)عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه {فلا تضربوا لله الأمثال} تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
    وقوله عز وجل: {إن الله يحكم بينهم} أي يوم القيامة {فيما هم فيه يختلفون} أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أَهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ؟ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقوله عز وجل: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه, ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال تبارك وتعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عز وجل: {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم.
    وقوله تعالى: {سبحانه هو الله الواحد القهار} أي تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد, فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد, الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلت وخضعت تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.


    ** خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقّ يُكَوّرُ اللّيْـلَ عَلَى النّهَـارِ وَيُكَوّرُ النّـهَارَ عَلَى اللّيْلِ وَسَخّـرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُـلّ يَجْرِي لأجَـلٍ مّسَـمّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ * خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُصْرَفُونَ
    يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} أي سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الاَخر طلباً حثيثاً كقوله تبارك وتعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} هذا معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله عز وجل: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة {ألا هو العزيز الغفار} أي مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب أو أناب إليه.
    وقوله جلت عظمته: {خلقكم من نفس واحدة} أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم عليه الصلاة والسلام {ثم جعل منها زوجها} وهي حواء عليها السلام كقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجا وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أي خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام, ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين وقوله عز وجل: {يخلقكم في بطون أمهاتكم} أي قدركم في بطون أمهاتكم {خلقاً من بعد خلق} يكون أحدكم أولاً نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر {فتبارك الله أحسن الخالقين}.
    وقوله جل وعلا: {في ظلمات ثلاث} يعني في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله جل جلاله: {ذلكم الله ربكم} أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك {لا إله إلا هو} أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له {فأنى تصرفون} أي فكيف تعبدون معه غيره ؟ أين يذهب بعقولكم ؟)


    ** إِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ مّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * وَإِذَا مَسّ الإِنسَانَ ضُرّ دَعَا رَبّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمّ إِذَا خَوّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوَ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَندَاداً لّيُضِلّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنّكَ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ
    يقول تبارك وتعالى مخبراً عن نفسه تبارك وتعالى أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى عليه الصلاة والسلام {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد} وفي صحيح مسلم «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». وقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} أي لا يحبه ولا يأمر به {وإن تشكروا يرضه لكم} أي يحبه لكم ويزدكم من فضله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل نفس عن نفس شيئاً بل كل مطالب بأمر نفسه {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور} أي فلا تخفى عليه خافية.
    وقوله عز وجل: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه} أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً} ولهذا قال تبارك وتعالى: {ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل} أي في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال جل جلاله: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضرّه مر كأن لم يدعناإلى ضر مسه}.
    وقوله تعالى: {وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله} أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أنداداً {قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار} أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلاً وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله تعالى: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وقوله تعالى: {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}.


    ** أَمّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُو الألْبَابِ
    يقول عز وجل أمّنْ هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً, لا يستوون عند الله كما قال تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} وقال تبارك وتعالى ههنا: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} أي في حال سجوده وفي حال قيامه ولهذا استدل بهذه الاَية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة وليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: القانت المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل جوف الليل. وقال الثوري عن منصور بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء, وقال الحسن وقتادة آناء الليل أوله وأوسطه وآخره. وقوله تعالى: {يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} أي في حال عبادته خائف راج ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: {يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له: «كيف تجدك ؟» فقال: أرجو وأخاف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو وأمنه الذي يخافه». رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به وقال الترمذي غريب, وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي مرسلاً.

    يتبع

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:21

    قُلْ يَعِبَادِ الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ رَبّكُمْ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـَذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنّمَا يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لّهُ الدّينَ * وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوّلَ الْمُسْلِمِينَ
    يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم, وقوله: {وأرض الله واسعة} قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان, وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: {وأرض الله واسعة} قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} وقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفاً, وقال ابن جريج بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط, ولكن يزادون على ذلك, وقال السدي {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} يعني في الجنة. وقوله: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} قال السدي يعني من أمته صلى الله عليه وسلم.


    ** قُلْ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ
    يقول تعالى قل يا محمد وأنت رسول الله {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} وهو يوم القيامة وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى {قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} وهذا أيضاً تهديد وتبرّ منهم {قل إن الخاسرين} أي إنما الخاسرون كل الخسران {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبداً وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور {ألا ذلك هو الخسران المبين} أي هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح ثم وصف حالهم في النار فقال: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} كما قال عز وجل: {لهم من جهنم مهاد * ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين}.
    وقال تعالى: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} وقوله جل جلاله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: {يا عباد فاتقون} أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.


    ** وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوَاْ إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ

    قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاَخرة ثم قال عز وجل: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}. {أولئك الذين هداهم الله} أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والاَخرة {وأولئك هم أولو الألباب} أي ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة.


    ** أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ * لَـَكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ
    يقول تعالى أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له. ثم أخبر عز وجل عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة وهي القصور أي الشاهقة {من فوقها غرف مبنية} طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها» فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام» ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال حسن غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام» تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» قال فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي» أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم وأخرجاه أيضاً في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا فزارة أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات ـ فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل» ورراه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به وقال حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا حدثنا زهير حدثنا سعد الطائي حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قلنا يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الاَخرة فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم, ولو لم تذنبوا لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم» قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت, لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه, ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السموات ويقول الرب تبارك وتعالى وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» وروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد بن أبي مجاهد الطائي وكان ثقة عن أبي المدله وكان ثقة به. وقوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} أي تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا {وعد الله} أي هذا الذي ذكرنا وعد الله عباده المؤمنين {إن الله لا يخلف الميعاد}.


    ** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ * أَفَمَن شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىَ نُورٍ مّن رّبّهِ فَوَيْلٌ لّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ
    يخبر تعالى أن أصل الماء من السماء كما قال عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال تبارك وتعالى: {فسلكه ينابيع في الأرض} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ألم ترَ أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى: {فسلكه ينابيع في الأرض} فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعده, وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء, وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها. وقوله تعالى: {ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه} أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعاً مختلفاً ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه {ثم يهيج} أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفراً قد خالطه اليبس {ثم يجعله حطاماً} أي ثم يعود يابساً يتحطم {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزاً شوهاء والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً وبعد ذلك كله الموت, فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير, وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زرعاً وثماراً ثم يكون بعد ذلك حطاماً كما قال تعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدينا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً} وقوله تبارك وتعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} أي هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق كقوله عز وجل: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} ولهذا قال تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم {أولئك في ضلال مبين}.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:23

    اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
    هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} قال مجاهد يعني القرآن كله متشابه مثاني, وقال قتادة: الاَية تشبه الاَية والحرف يشبه الحرف وقال الضحاك: مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء زاد الحسن تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مثاني مردد ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة. وقال سعيد بن جبير عن عباس رضي الله عنهما: مثاني قال القرآن يشبه بعضه بعضاً ويرد بعضه على بعض, وقال بعض العلماء ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى: {متشابهاً مثاني} أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم} وكقوله عز وجل: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ـ إلى أن قال ـ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ـ إلى أن قال ـ هذا وإن للطاغين لشر مآب} ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني أي في معنيين اثنين وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضاً فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} ذاك معنى آخر. وقوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي هذه صفة الأبرار, عند سماع كلام الجبار, المهيمن العزيز الغفار, لما يفهمون من الوعد والوعيد, والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الاَيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تبارك وتعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} وقال تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً} أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
    (الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون بما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والاَخرة. قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة رحمه الله {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} قال هذا نعت أولياء الله, نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع, وهذا من الشيطان.
    وقال السدي {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي إلى وعد الله, وقوله: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} أي هذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله {ومن يضلل الله فما له من هاد}
    ** وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ * ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
    يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذه القرآن من كل مثل} أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال {لعلهم يتذكرون} فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك وتعالى: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} أي تعلمونه من أنفسكم, وقال عز وجل: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وقوله جل وعلا: {قرآناً عربياً غير ذي عوج} أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان ووضوح وبرهان, وإنما جعله الله تعالى كذلك, وأنزله بذلك {لعلهم يتقون} أي يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد. ثم قال: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون} أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم {ورجلاً سلماً} أي سالماً {لرجل} أي خالصاً لا يملكه أحد غيره {هل يستويان مثلاً ؟} أي لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ؟ فأين هذا من هذا ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: هذه الاَية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص, ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال: {الحمد لله} أي على إقامة الحجة عليهم {بل أكثرهم لا يعلمون} أي فلهذا يشركون بالله. وقوله تبارك وتعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} هذه الاَية من الاَيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته مع قوله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} ومعنى هذه الاَية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الاَخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم, فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين. ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الاَية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الاَخرة فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الاَخرة.
    وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب ـ يعني يحيى بن عبد الرحمن ـ عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال لما نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم» قال رضي الله عنه: إن الأمر إذاً لشديد: وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان وعنده زيادة, ولما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء, قال صلى الله عليه وسلم: «أما إن ذلك سيكون» وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذي: حسن وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابن نمير حدثنا محمد ـ يعني ابن عمرو ـ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» قال الزبير رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد, ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال حسن صحيح وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي عياش عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول الخصمين يوم القيامة جاران» تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا» تفرد به أحمد رحمه الله. وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تنتطحان فقال: «أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذر ؟» قلت: لا قال صلى الله عليه وسلم: «ولكن الله يدري وسيحكم بينهما» وقال الحافظ أبو بكر)البزار حدثنا سهل بن محمد حدثنا حيان بن أغلب حدثنا أبي حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلحون عليه فيقال له سد ركناً من أركان جهنم» ثم قال الأغلب بن تميم ليس بالحافظ. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} يقول: يخاصم الصادق الكاذب, والمظلوم الظالم, والمهتدي الضال, والضعيف المستكبر, وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فتقول الروح للجسد أنت فعلت ويقول الجسد للروح أنتِ أمرت وأنت سولت فيبعث الله ملكاً يفصل بينهما فيقول لهما إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والاَخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير إني أرى ههنا ثماراً ولكن لا أصل إليها فقال له الضرير اركبني فتناولها فركبه فتناولها فأيهما المعتدي ؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتما على أنفسكما, يعني أن الجسد للروح كالمطية وهي راكبه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة حدثنا ضرار حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا منصور بن سلمة حدثنا القمي ـ يعني يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الاَية وما نعلم في أي شيء نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال قلنا من نخاصم ؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم ؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر رضي الله عنهما: هذا الذي وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه, ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به, وقال أبو العالية في قوله تبارك وتعالى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال: يعني أهل القبلة, وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر, وقد قدمنا أن الصحيح العموم والله سبحانه وتعالى أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:25

    أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأيْتُم مّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنّ كَاشِفَاتُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكّـلُ الْمُتَوَكّلُونَ * قُلْ يَقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَىَ مَكَانَتِكُـمْ إِنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مّقِيمٌ
    يقول تعالى: {أليس الله بكاف عبده} وقرأ بعضهم {عباده} يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه وقال ابن حاتم ههنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو هانىء عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به» ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانىء الخولاني به وقال الترمذي صحيح {ويخوفونك بالذين من دونه} يعني المشركين يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلاً منهم وضلالاً ولهذا قال عز وجل: {ومن يضلل الله فما له من هاد* ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ؟} أي منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه فإنه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد انتقاماًمنه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم, وقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ولهذا قال تبارك تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ؟} أي لا تستطيع شيئاً من الأمر, وذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً «احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك, ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك, جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً» {قل حسبي الله} أي الله كافيّ {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} كما قال هود عليه الصلاة والسلام حين قال قومه {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مماتشركون * من دونه فيكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى, ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه, ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل» , وقوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد {إني عامل} أي على طريقتي ومنهجي {فسوف تعلمون} أي ستعلمون غب ذلك ووباله {من يأتيه عذاب يخزيه} أي في الدنيا {ويحل عليه عذاب مقيم} أي دائم مستمر لا محيد عنه وذلك يوم القيامة, أعاذنا الله منها.


    ** إِنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنّـاسِ بِالْحَقّ فَـمَنِ اهْتَـدَىَ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلّ فَإنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ * اللّهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ الّتِي قَضَىَ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَىَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ
    يقول تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: {إنا أنزلنا عليك الكتاب} يعني القرآن {للناس بالحق} أي لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به {فمن اهتدى فلنفسه} أي فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه {ومن ضل فإنما يضل عليها} أي إنما يرجع وبال ذلك على نفسه {وما أنت عليهم بوكيل} أي بموكل أن يهتدوا {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}. ثم قال تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان والوفاة الصغرى عند المنام كما قال تبارك وتعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون * وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الاَية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال تبارك وتعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره. وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». وقال بعض السلف تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف {فيمسك التي قضى عليهاالموت} التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. قال السدي إلى بقية أجلها, وقال ابن عباس رضي الله عنهما يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط {إن في ذلك لاَيات لقوم يتفكرون}.


    ** أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُل لِلّهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعاً لّهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزّتْ قُلُوبُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
    يقول تعالى ذاماً للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك وهي لا تملك شيئاً من الأمر بل وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به بل هي جمادات أسوأ من الحيوان بكثير, ثم قال: قل أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه من شفعاء لهم عند الله تعالى أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له فمرجعها كلها إليه {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} {له ملك السموات والأرض} أي هو المتصرف في جميع ذلك {ثم إليه ترجعون} أي يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلاً بعمله, ثم قال تعالى ذاماً للمشركين أيضاً: {وإذا ذكر الله وحده} أي إذا قيل لا إله إلا الله وحده {اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاَخرة} قال مجاهد اشمأزت انقبضت وقال السدي نفرت وقال قتادة كفرت واستكبرت وقال مالك عن زيد بن أسلم استكبرت كما قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي عن المتابعة والانقياد لها فقلوبهم لا تقبل الخير ومن لم يقبل الخير يقبل الشر ولذلك قال تبارك تعالى: {وإذا ذكر الذين من دونه} أي من الأصنام والأنداد قال مجاهد {إذا هم يستبشرون} أي يفرحون ويسرون.


    ** قُلِ اللّهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ أَنّ لِلّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوَءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
    يقول تبارك وتعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك ونفرتهم عن التوحيد {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} أي ادع أنت الله وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض وفطرها أي جعلها على غير مثال سبق {عالم الغيب والشهادة} أي السر والعلانية {أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} أي في دنياهم ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد حدثناعمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سهيل عن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا للهأنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير, وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد, إلا قال عز وجل لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهداً فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة» قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عوناً أخبر بكذا وكذا فقال: ما فينا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها انفرد به الإمام أحمد, وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن حدثه قال أخرج لنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قرطاساً وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا نقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيءوإله كل شيء أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك والملائكة يشهدون, أعوذ بك من الشيطان وشركه, وأعوذ بك من أن أقترف على نفسي إثماً أو أجره إلى مسلم. قال أبو عبد الرحمن رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يقول ذلك حين يريد أن ينام, تفرد به أحمد أيضاً.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:27

    ** فَإِذَا مَسّ الإِنسَانَ ضُرّ دَعَانَا ثُمّ إِذَا خَوّلْنَاهُ نِعْمَةً مّنّا قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
    يقول تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله عز وجل وينيب إليه ويدعوه وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى وقال {إنما أوتيته على علم} أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا, قال قتادة على علم عندي على خبر عندي قال الله عز وجل: {بل هي فتنة} أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي مع علمنا المتقدم بذلك فهي فتنة أي اختبار {ولكن أكثرهم لا يعلمون} فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون {قد قالها الذين من قبلهم} أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} أي فما صح قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون {فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء} أي من المخاطبين {سيصيبهم سيئات ما كسبوا} أي كما أصاب أولئك {وما هم بمعجزين} كما قال تبارك وتعالى مخبراً عن قارون أنه قال له قومه {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الاَخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} وقال تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} وقوله تبارك وتعالى: {أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين {إن في ذلك لاَيات لقوم يؤمنون} أي لعبراً وحججاً.


    ** قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأَنِـيبُوَاْ إِلَىَ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمّ لاَ تُنصَرُونَ * وَاتّبِعُـوَاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رّبّكُـمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسْرَتَا عَلَىَ مَا فَرّطَتُ فِي جَنبِ اللّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنّ اللّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ الْمُتّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنّ لِي كَـرّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَىَ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
    هذه الاَية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر, ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا, وزنوا فأكثروا, فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ونزل {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن يعلى بن مسلم المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به. والمراد من الاَية الأولى قوله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} الاَية. وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الاَية {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} إلى آخر الاَية فقال رجل يا رسول الله فمن أشرك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ألا ومن أشرك» ثلاث مرات تفرد به الإمام أحمد. وقال الإمام أحمد أيضاً حدثنا سريج بن النعمان حدثنا نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله لي غدارت وفجرات فهل يغفر لي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟» قال: بلى وأشهد أنك رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: «قد غفر لك غدراتك وفجراتك» تفرد به أحمد.
    وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {إنه عمل غير صالح} وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} ولا يبالي {إنه هو الغفور الرحيم} ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به. فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} وقال عز وجل: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} وقال جل وعلا في حق المنافقين: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً * إلا الذين تابوا وأصلحوا} وقال جل جلاله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} ثم قال جلت عظمته: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} وقال تبارك وتعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا} قال الحسن البصري رحمة الله عليه انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة والاَيات في هذا كثيرة جداً. وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم ندم وسأل عابداً من عباد بني إسرائيل هل له من توبة, فقال: لا فقتله وأكمل به مائة ثم سأل عالماً من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحل بينك وبين التوبة. ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأمر الله عز وجل أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها فقبضته ملائكة الرحمة, وذكر أنه نأى بصدره عند الموت وأن الله تبارك وتعالى أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلدة أن تتباعد, هذا معنى الحديث وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} إلى آخر الاَية قال قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله ومن زعم أن المسيح هو ابن الله ومن زعم أن عزيراً ابن الله ومن زعم أن الله فقير ومن زعم أن يد الله مغلولة ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى لهؤلاء: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء, من قال أنا ربكم الأعلى وقال: {ما علمت لكم من إله غيري} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل, ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد بن شكل أنه قال سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} وإن أكثر آية في القرآن فرحاً في سورة الزمر {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} فقال له مسروق صدقت. وقال الأعمش عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال مر عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه على قاص وهو يذكر الناس فقال يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله ؟ ثم قرأ {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} رواه ابن أبي حاتم رحمه الله.

    ** وَسِيقَ الّذِينَ اتّقَوْاْ رَبّهُمْ إِلَى الّجَنّةِ زُمَراً حَتّىَ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَـالُواْ الْحَـمْدُ للّهِ الّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الْجَنّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
    وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حيث يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة زمراً أي جماعة بعد جماعة: المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء والصديقون مع أشكالهم والشهداء مع أضرابهم, والعلماء مع أقرانهم وكل صنف مع صنف كل زمرة يناسب بعضها بعضاً {حتى إذا جاءوها} أي وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول فيقصدون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمداً صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل أن يأتي لفصل القضاء ليظهر شرف محمد صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في المواطن كلها وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول شفيع في الجنة» وفي لفظ لمسلم «وأنا أول من يقرع باب الجنة».
    وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمد ـ قال ـ فيقول بك أمرت أن لا افتح لأحد قبلك» ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان وهو ابن المغيرة القيسي عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها, آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا» ورواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك. ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب درّي في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب والفضة ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء» وأخرجاه أيضاً من حديث جرير وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وسلم: «سبقك بها عكاشة» أخرجاه وقد روى هذا الحديث ـ في السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ـ البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن رضي الله عنهم ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألفٍ آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر». وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل» وكذا رواه الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحيّ عن أبي أمامة ورواه الطبراني عن عتبة بن عبد السلمي «ثم مع كل ألف سبعين ألفاً» ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة. وقوله تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} لم يذكر الجواب ههنا, وتقديره حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراماً وتعظيماً وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب والتأنيب فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم, وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل, ومن زعم أن الواو في قوله تبارك وتعالى: {وفتحت أبوابها} واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع, وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.
    قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب, فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «نعم وأرجو أن تكون منهم» رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» وقال الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الجنة لا إله إلا الله».



    ** وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار وأنه نزّل كلاً في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور, أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد فصل القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال عز وجل: {وقضي بينهم} أي بين الخلائق {بالحق}. ثم قال {وقيل الحمد لله رب العالمين} أي نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد قال قتادة افتتح الخلق بالحمد في قوله: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}.

    تمت سورة الزمر
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:28

    سورة غافر
    وهي مكية
    قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن لكل شيء لباباً ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس وروى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب فضائل القرآن. وقال حميد بن زنجويه: حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلاً فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن, وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن أورده البغوي. وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن. وقال أبو عبيد حدثنا الأشجعي حدثنا مسعر هو ابن كدام عمن حدثه أن رجلاً رأى أبا بالدرداء رضي الله عنه يبني مسجداً فقال له ما هذا ؟ فقال أبنيه من أجل آل حم وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء رضي الله عنه هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق, وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات: «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون ـ وفي رواية ـ لا تنصرون» وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن الليث الهمداني قالا: حدثنا موسى بن مسعود حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء» ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** حـمَ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذّنبِ وَقَابِلِ التّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطّوْلِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
    أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا وقد قيل إن {حم} اسم من أسماء الله عز وجل وأنشدوا في ذلك بيتاً:
    يذكرني حم والرمح شاجرفهلا تلاحم قبل التقدم
    وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون» وهذا إسناد صحيح, واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا حم لا ينصروا أي إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاء لقوله فقولوا.
    وقوله تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه. وقوله. عز وجل: {غافر الذنب وقابل التوب} أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه. وقوله جل وعلا: {شديد العقاب} أي لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} يقرن هذين الوصفين كثيراً في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف, وقوله تعالى: {ذي الطول} قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني السعة والغنى, وهكذا قال مجاهد وقتادة, وقال يزيد بن الأصم ذي الطول يعني الخير الكثير. وقال عكرمة {ذي الطول} ذي المن. وقال قتادة ذي النعم والفواضل, والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنة والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} الاَية. وقوله جلت عظمته: {لا إله إلا هو} أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره فلا إله ولا رب سواه {إليه المصير} أي المرجع والمآب فيجازي كل عامل بعمله { وهو سريع الحساب} وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة فقرأ عمر رضي الله عنه {حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} وقال اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له وابن جرير وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا عمر يعني ابن أيوب حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففقده عمر فقال ما فعل فلان بن فلان, فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال فدعا عمر كاتبه: فقال اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه, فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب, قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع, فلما بلغ عمر خبره قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زل زلة فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة حدثنا حماد بن واقد حدثنا أبو عمر الصفار حدثنا ثابت البناني قال كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة فدخلت حائطاً أصلي ركعتين فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت لا إله إلا هو إليه المصير فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي, وإذا قلت وقابل التوب فقل يا قابل التوب اقبل توبتي, وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني, قال فالتفت فلم أر أحداً فخرجت إلى الباب فقلت مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية, قالوا ما رأينا أحداً فكانوا يرون أنه إلياس, ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه وليس فيه ذكر إلياس والله سبحانه وتعالى أعلم.


    ** مَا يُجَادِلُ فِيَ آيَاتِ اللّهِ إِلاّ الّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَـذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمّتْ كُـلّ أُمّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ النّارِ
    يقول تعالى ما يدفع ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان {إلا الذين كفروا} أي الجاحدون لاَيات الله وحججه وبراهينه {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} أي في أموالها ونعيمها وزهرتها كما قال جل وعلا: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} وقال عز وجل: {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال: {كذبت قبلهم قوم نوح} وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان {والأحزاب من بعدهم} أي من كل أمة {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} أي ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.
    وقد قال أبو القاسم الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعان باطلاً ليدحض به حقاً فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم» وقوله جلت عظمته: {فأخذتهم} أي أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الاَثام والذنوب العظام {فكيف كان عقاب} أي فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم قد كان شديداً موجعاً مؤلماً. قال قتادة كان شديداً والله. وقوله جل جلاله: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} أي كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك, والله أعلم.

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:29

    ** الّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَا وَسِعْتَ كُـلّ شَيْءٍ رّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلّذِينَ تَابُواْ وَاتّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الّتِي وَعَدْتّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرّيّاتِهِمْ إِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السّيّئَاتِ وَمَن تَقِ السّيّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
    يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح {ويؤمنون به} أي خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم {يستغفرون للذين آمنوا} أي من أهل الأرض ممن آمنوا بالغيب فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله». وقد قال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد وهو ابن أبي شبية حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره» فقال:
    زحل وثور تحت رجل يمينهوالنسر للأخرى وليث مرصد

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق» فقال:
    والشمس تطلع كل آخر ليلةحمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلهاإلا معذبة وإلا تجلد
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق» وهذا إسناد جيد وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية كما قال تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} وهنا سؤال وهو أن يقال ما الجمع بين المفهوم من هذه الاَية ودلالة هذا الحديث ؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود حدثنا محمد بن الصباح البزار حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: «ما تسمون هذه ؟» قالوا السحاب, قال: «والمزن» قالوا والمزن قال: «والعنان» قالوا والعنان, قال أبو داود ولم أتقن العنان جيداً, قال: «هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض ؟» قالوا لا ندري, قال «بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات, ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء, ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى سماء ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك». ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به وقال الترمذي حسن غريب, وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية كما قال شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك, وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً} أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات {وقهم عذاب الجحيم} أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال تبارك وتعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل تفضلاً منا ومنة. وقال سعيد بن جبير إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم ؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة ثم تلا سعيد بن جبير هذه الاَية {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الأية {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} الاَية وأغش عباده للمؤمنين الشياطين. وقوله تبارك وتعالى: {إنك أنت العزيز الحكيم} أي الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك {وقهم السيئات} أي فعلها أو وبالها ممن وقعت منه {ومن تق السيئات يومئذ} أي يوم القيامة {فقد رحمته} أي لطفت به ونجيته من العقوبة {وذلك هو الفوز العظيم}.


    ** إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللّهِ أَكْبَرُ مِن مّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُواْ رَبّنَآ أَمَتّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىَ خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ * ذَلِكُم بِأَنّهُ إِذَا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للّهِ الْعَلِـيّ الْكَبِيرِ * هُوَ الّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ السّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكّرُ إِلاّ مَن يُنِيبُ * فَادْعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن الكفار إنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخباراً عالياً نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة. قال قتادة في قوله تعالى: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} يقول لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة, وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذر بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري رحمة الله عليهم أجمعين. وقوله: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه هذه الاَية كقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال السدي أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا, ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة, وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم عليه السلام ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة, وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات, والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما, والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة كما قال عز وجل: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} فلا يجابون ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون قال الله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} فإذا دخلوا النار وذاقوا مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل, أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ؟ فذوقوا فما للظالمين من نصير} {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون} وفي هذه الاَية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة وهي قولهم {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} أي قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتاً ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء, وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا {فهل إلى خروج من سبيل} أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل فإن عدنا إلى ماكنا فيه فإنا ظالمون, فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا, ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه, ولهذا قال تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا} أي أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما قال عز وجل: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} وقوله جل وعلا: {فالحكم لله العلي الكبير} أي هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء لا إله إلا هو, وقوله جل جلاله: {هو الذي يريكم آياته} أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الاَيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها {وينزل لكم من السماء رزقاً} وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء {وما يتذكر} أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها {إلا من ينيب} أي من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى وقوله عز وجل: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام يعني بن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن مدرس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن, لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون, قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة, ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وذكر تمامه. وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله, لا إله إلا الله, ولا نعبد إلا إياه, له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن, لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع حدثنا الخصيب بن ناصع حدثنا صالح يعني المري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».

    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:30

    ** وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ * وَاللّهُ يَقْضِي بِالْحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنّ اللّهَ هُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ
    يوم الاَزفة اسم من أسماء يوم القيامة وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى: {أزفت الاَزفة * ليس لها من دون الله كاشفة} وقال عز وجل: {اقتربت الساعة وانشق القمر} وقال جل وعلا: {اقترب للناس حسابهم} وقال: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وقال جل جلاله: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} الاَية. وقوله تبارك وتعالى: {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} قال قتادة وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها, وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد, ومعنى كاظمين أي ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً} وقال ابن جريج {كاظمين} أي باكين. وقوله سبحانه وتعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} يخبر عز وجل عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها, صغيرها وكبيرها, دقيقها ولطيفها ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه, ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه فإنه عز وجل يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به وبهم المرأة الحسناء فإذا غفلوا لحظ إليها فإذا فطنوا غض بصره عنها فإذا غفلوا لحظ فإذا فطنوا غض, وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم, وقال الضحاك {خائنة الأعين} هو الغمز وقول الرجل رأيت ولم ير. أو لم أر وقد رأى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا ؟ وكذا قال مجاهد وقتادة, وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وما تخفي الصدور} يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا ؟ وقال السدي {وما تخفي الصدور} أي من الوسوسة.
    وقوله عز وجل: {والله يقضي بالحق} أي يحكم بالعدل, قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {والله يقضي بالحق} قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة {إن الله هو السميع البصير} وهذا الذي فسر به ابن عباس رضي الله عنهما هذه الاَية كقوله تبارك وتعالى: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} وقوله جل وعلا: {والذين يدعون من دونه} أي من الأصنام والأوثان والأنداد {لا يقضون بشيء} أي لا يملكون شيئاً ولا يحكمون بشيء {إن الله هو السميع البصير} أي سميع لأقوال خلقه بصير بهم فيهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.


    ** أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَآثَاراً فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانَت تّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ إِنّهُ قَوِيّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
    يقول تعالى: {أولم يسيروا} هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد {في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} أي من الأمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة {وآثاراً في الأرض} أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال عز وجل: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} وقال تعالى: {وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها} أي مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم {وما كان لهم من الله من واق} أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد, ولا وقاهم واق, ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات {فكفروا} أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا {فأخذهم الله} تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها {إنه قوي شديد العقاب} أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد {وهو شديد العقاب} أي عقابه أليم شديد وجيع, أعاذنا الله تبارك وتعالى منه.


    ** وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مّبِينٍ * إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذّابٌ * فَلَمّا جَآءَهُمْ بِالْحَقّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقْتُلُوَاْ أَبْنَآءَ الّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ وَمَا كَـيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيَ أَقْتُلْ مُوسَىَ وَلْيَدْعُ رَبّهُ إِنّيَ أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَىَ إِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُـمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه ومبشراً له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والاَخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام فإن الله تعالى أرسله بالاَيات البينات. والدلائل الواضحات. ولهذا قال تعالى: {بآياتنا وسلطان مبين} والسلطان هو الحجة والبرهان {إلى فرعون} وهو ملك القبط بالديار المصرية {وهامان} وهو وزيره في مملكته {وقارون} وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة {فقالوا ساحر كذاب} أي كذبوه وجعلوه ساحراً مجنوناً مموهاً كذاباً في أن الله أرسله وهذه كقوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به ؟ بل هم قوم طاغون} {فلما جاءهم بالحق من عندنا} أي بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم {قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم أو لمجموع الأمرين, وأما الأمر الثاني فللعلة الثانية ولإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام ولهذا قالوا: {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا * قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} قال قتادة هذا أمر بعد أمر, قال الله عز وجل: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه} وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل موسى عليه الصلاة والسلام أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا {وليد ع ربه} أي لا أبالي به, وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد, وقوله قبحه الله: {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} يعني موسى, يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم, وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكراً, يعني واعظاً يشفق على الناس من موسى عليه السلام. وقرأ الأكثرون {أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد} وقرأ الاَخرون {أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} وقرأ بعضهم {يظهر في الأرض الفساد} بالضم {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي لما بلغه قول فرعون {ذروني أقتل موسى} قال موسى عليه السلام استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ولهذا قال: {إني عذت بربي وربكم} أيها المخاطبون {من كل متكبر} أي عن الحق مجرم «لا يؤمن بيوم الحساب» ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: «اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم»
    ** وَقَالَ فَرْعَوْنُ يَهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لّعَـلّيَ أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ السّمَاوَاتِ فَأَطّلِعَ إِلَىَ إِلَـَهِ مُوسَىَ وَإِنّي لأظُنّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبَابٍ
    يقول تعالى مخبراًعن فرعون وعتوه وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى عليه الصلاة والسلام أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحاً وهو القصر العالي المنيف الشاهق وكان اتخاذه من الاَجر المضروب من الطين المشوي كما قال تعالى: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً} ولهذا قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون البناء بالاَجر وأن يجعلوه في قبورهم رواه ابن أبي حاتم, وقوله {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} إلخ قال سعيد بن جبير وأبو صالح أبواب السموات وقيل طرق السموات {فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً} وهذا من كفره وتمرده أنه كذب موسى عليه الصلاة والسلام في أن الله عز وجل أرسله إليه قال الله تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} أي بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئاً يتوصل به إلى تكذيب موسى عليه الصلاة والسلام ولهذا قال تعالى: {وما كيد فرعون إلا في تباب} قال ابن عباس ومجاهد يعني إلا في خسار.


    يتبع
    .

    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4041
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 18:31

    ** وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ * يَقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ
    المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون قال السدي: كان ابن عم فرعون ويقال إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام, واختاره ابن جرير ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام, ولو كان إسرائيلياً لأوشك أن يعاجل بالعقوبة لأنه منهم وقال ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون والذي قال: {يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} رواه ابن أبي حاتم وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون {ذروني أقتل موسى} فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل. وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر كما ثبت بذلك الحديث, ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله} اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟} انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي قال وتابعه محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه به. وقال ابن أبي حاتم حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني حدثنا عبدة عن هشام يعني ابن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال مر صلى الله عليه وسلم بهم ذات يوم فقالوا له أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ فقال: «أنا ذاك» فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه فرأيت أبا بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه وهو يصيح بأعلى صوته وإن عينيه لتسيلان وهو يقول: يا قوم {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} حتى فرغ من الاَية كلها وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من مسند عمرو بن العاص رضي الله عنه, وقوله تعالى: {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} أي كيف تقتلون رجلاً لكونه يقول ربي الله وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق ؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: {وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم} يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه فإن يك كاذباً فإن الله سبحانه وتعالى سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والاَخرة وإن يكن صادقاً وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والاَخرة فمن الجائز عندكم أن يكون صادقاً فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين * وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله ولا يمسوه بسوء ويصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته قال الله عز وجل: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} أي أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس, وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحاً مبيناً, وقوله جل وعلا: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذباً كما تزعمون لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب وهذا نرى أمره سديداً ومنهجه مستقيماً, ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله, ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء قال فرعون لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون {ما أريكم إلا ما أرى} أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} وقال الله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} فقوله: {ما أريكم إلا ما أرى} كذب فيه وافترى وخان الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه قال الله تبارك وتعالى: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} وقال جلت عظمته: {وأضل فرعون قومه وما هدى} وفي الحديث «ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
    ** وَقَالَ الّذِيَ آمَنَ يَقَوْمِ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ * وَيَقَوْمِ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التّنَادِ * يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكّ مّمّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مّرْتَابٌ * الّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيَ آيَاتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ وَعِندَ الّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ
    هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والاَخرة فقال: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} أي الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة كيف حل بهم بأس الله وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد {وما الله يريد ظلماً للعباد} أي إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره فأنفذ فيهم قدره ثم قال: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني يوم القيامة وسمي بذلك, قال بعضهم لما جاء في حديث الصور أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر وماجت وارتجت فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضاً وقال آخرون منهم الضحاك بل ذلك إذا جيء بجنهم ذهب الناس هراباً منهم فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى: {والملك على أرجائها} وقوله: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه والحسن والضحاك أنهم قرأوا يوم التناد بتشديد الدال من ند البعير إذا شرد وذهب وقيل لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً, وإن خف عمله نادى ألا قد شقي فلان بن فلان وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم, ينادي أهل الجنة أهل الجنة وأهل النار أهل النار, وقيل سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ قالوا نعم} ومناداة أهل النار أهل الجنة {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف, واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك وهو قول حسن جيد, والله أعلم وقوله تعالى: {يوم تولون مدبرين} أي ذاهبين هاربين {كلا لا وزر إلى برك يومئذ المستقر} ولهذا قال عز وجل: {ما لكم من الله من عاصم} أي لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه {ومن يضلل الله فما له من هاد} أي من أضله الله فلا هادي له غيره. وقوله تبارك وتعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} يعني أهل مصر وقد بعث الله فيهم رسولاً من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو يوسف عليه الصلاة والسلام كان عزيز أهل مصر وكان رسولاً يدعو إلى الله تعالى أمته بالقسط فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي ولهذا قال تعالى: {فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} أي يئستم فقلتم طامعين: {لن يبعث الله من بعده رسولاً} وذلك لكفرهم وتكذيبهم {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه, ثم قال عز وجل: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي الذين يدفعون الحق بالباطل ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى فإن الله عز وجل يمقت على ذلك أشد المقت ولهذا قال تعالى: {كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا} أي والمؤمنون أيضاً يبغضون من تكون هذه صفته فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً ولهذا قال تبارك وتعالى: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر} أي على اتباع الحق {جبار} وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكي عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق, والله تعالى أعلم.

    يتبع
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 20 يناير - 12:54