دارة السادة الأشراف

مرحبا بك عزيزي الزائر
ندعوك أن تدخل المنتدى معنا
وإن لم يكن لديك حساب بعد
نتشرف بدعوتك لإنشائه
ونتشرف بدعوتك لزيارة الموقع الرسمي لدارة السادة الأشراف على الرابط :
www.dartalashraf.com

أنساب , مشجرات , مخطوطات , وثائق , صور , تاريخ , تراجم , تعارف , دراسات وأبحاث , مواضيع متنوعة

Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us
Image Hosted by ImageShack.us

    تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    شاطر
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الثلاثاء 16 يونيو - 16:35

    تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

    بسم الله الرحمن الرحيم



    انا النهردة جايبلكم موضوع روعة
    اجمل موضوع تقروه فى حياتكم علشان طبعا مافيش احسن من القرأن الكريم


    انا جايبة تفسير القرأن الكريم لابن كثير بس تفسير السور عامة مش تفسير الايات وموضوع هيفدنا كلنا وكمان هو موضوع مختصر اوىى بالنسبة لكتاب التفسير نفسه يارب يعجبكم وربنا يعلم انا تعبت فى التوبيك ده اد ايه انا كنت متوقعة انه ينزل على 100 مرة بس لقت الموضوع بقى اكتر من كدة بكتير بس الحمد لله اهو الموضوع خلص ويارب يفدكم جميعا ان شاء الله



    اى حد عايز تفسير اى سورة يدخل على التوبيك وهيلاقى ترتبها زى القرأن بالظبط



    سورة الفاتحة
    ** بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    يقال لها الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطاً وبها تفتتح القراءة في الصلوات, ويقال لها أيضاً أم الكتاب عند الجمهور, ذكره أنس, والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك, قال الحسن وابن سيرين إنما ذلك اللوح المحفوظ, وقال الحسن الاَيات المحكمات هن أم الكتاب ولذا كرها أيضاً أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم» ويقال لها (الحمد) ويقال لها (الصلاة) لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث. فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها ويقال لها (الشفاء) لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعاً «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» ويقال لها (الرقية) لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «وما يدريك أنها رقية» ؟ وروى الشعبي عن ابن عباس أن سماها (أساس القرآن) قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم وسماها سفيان بن عيينه (بالواقية) وسماها يحيى بن أبي كثير (الكافية) لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة «أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها» ويقال لها سورة الصلاة والكنز, ذكرهما الزمخشري في كشافه.
    وهي مكية قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية, وقيل مدنية قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري ويقال نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة, والأول أشبه لقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} والله تعالى أعلم. وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الاَخر نزل بالمدينة وهو غريب جداً, نقله القرطبي عنه وهي سبع آيات بلا خلاف, وقال عمرو بن عبيد ثمان, وقال حسين الجعفي ستة, وهذان القولان ***ان وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء على ثلاثة أقوال كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
    قالوا وكلماتها خمس وعشرون كلمة وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفاً. قال البخاري في أول كتاب التفسير وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة, وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمرأو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع: أمّاً, فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أمّاً, واستشهد بقول ذي الرمة.
    على رأسه أم لنا نقتدي بهاجماع أمور ليس نعصي لها أمراً
    ـ يعني الرمح ـ قال وسميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها وقيل لأن الأرض دحيت منها. ويقال لها أيضاً: الفاتحة لأنها تفتتح بها القراءة وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام وصح تسميتها بالسبع المثاني قالوا لأنها تثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة وإن كان للمثاني معنى آخر كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
    قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم القرآن: «هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم» ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني» وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره حدثنا أحمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن غالب بن حارث, حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي, حدثنا المعافى بن عمران عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن, وهي السبع المثاني والقرآن العظيم, وهي أم الكتاب, وفاتحة الكتاب» وقد رواه الدارقطني أيضاً عن أبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى {سبعاً من المثاني} بالفاتحة وأن البسملة هي الاَية السابعة منها وسيأتي تمام هذا عند البسملة. وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لابن مسعود: لمَ لم تكتب الفاتحة في مصحفك ؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة, قال أبو بكر بن أبي داود يعني حيث يقرأ في الصلاة, قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة وقيل: {ياأيها المدثر} كما في حديث جابر في الصحيح وقيل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وهذ هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه والله المستعان.
    ذكر ما ورد في فضل الفاتحة
    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت, قال: فأتيته فقال: «مامنعك أن تأتيني» ؟ قال قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قيل أن تخرج من المسجد» قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال: «نعم {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي بن المديني, كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به, ورواه في موضع آخر من التفسير, وأبو داوود والنسائي وابن ماجه من طرق عن شعبة به, ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب فذكر نحوه. وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس رحمه الله ما ينبغي التنبيه عليه فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى ابن عامر بن كريز أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد فلما فرغ من صلاته لحقه قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها» قال أبي رضي الله عنه, فجعلت أبطى في المشي رجاء ذلك ثم قلت: يا رسول الله ما السورة التي وعدتني ؟ قال: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ قال فقرأت عليه {الحمد لله رب العالمين} حتى أتيت على آخرها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه فإن ابن المعلى صحابي أنصاري وهذا تابعي من موالي خزاعة وذاك الحديث متصل صحيح, وهذا ظاهره منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبي بن كعب فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم والله أعلم. على أنه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه


    يتبع
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 11:45

    ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} وقد فعل, وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به, لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم, ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا نيفاً وثمانين, قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي, يعنون أهل منى, ليالي منى فنقتلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر بهذا» فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهموا بقتله, وشردوا أصحابه شذر مذر, فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة, فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه, وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلاً يلجئون إليه, شرع الله جهاد الأعداء, فكانت هذه الاَية أول ما نزل في ذلك, فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق, يعني محمداً وأصحابه {إلا أن يقولوا ربنا الله} أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة, ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له, وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر, وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب, كما قال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيزالحميد} ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:
    اللهم لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا
    فأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقينا
    إن الألى قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
    فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول معهم آخر كل قافية, فإذا قالوا: * إذا أرادوا فتنة أبينا * يقول: أبينا يمد بها صوته, ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم, ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب, لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف {لهدمت صوامع} وهي المعابد الصغار للرهبان, قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين, وفي رواية عنه: صوامع المجوس, وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق {وبيع} وهي أوسع منها, وأكثر عابدين فيها, وهي للنصارى أيضاً, قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره أنها كنائس اليهود, وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس اليهود, ومجاهد إنما قال: هي الكنائس, والله أعلم.
    وقوله: {وصلوات} قال العوفي عن ابن عباس: الصلوات الكنائس وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود, وهم يسمونها صلوات. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الصوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق, وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: {يذكر فيها اسم الله كثيراً} فقد قيل: الضمير في قوله يذكر فيها عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً. وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود, وهي كنائسهم, ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً, لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عماراً وأكثر عبادا وهم ذوو القصد الصحيح.
    وقوله: {ولينصرن الله من ينصره} كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم}. وقوله: {إن الله لقوي عزيز} وصف نفسه بالقوة والعزة, فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً, وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب, بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه, ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور, قال الله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز}
    ** وَالّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ قُتِلُوَاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنّهُمْ مّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنّهُ اللّهُ إِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ
    يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلباً لما عنده, وترك الأوطان والأهلين والخلان, وفارق بلاده في الله ورسوله, ونصرة لدين الله ثم قتلوا, أي في الجهاد, أو ماتوا أي حتف أنفهم أي من غير قتال على فرشهم, فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل, كما قال تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}. وقوله: {ليرزقنهم الله رزقاً حسناً} أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم {وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلاً يرضونه} أي الجنة كما قال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم, كما قال ههنا: {ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً} ثم قال {ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم} أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك {حليم} أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب, ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه.
    فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر, فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم, وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر, فقد تضمنت هذه الاية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا المسيب بن واضح, حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ابن الحارث ـ يعني عبد الكريم ـ عن ابن عقبة يعني أبا عبيدة بن عقبة قال: قال حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم, فمر بي سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه, فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر, وأجرى عليه الرزق, وأمن من الفتانين, واقرؤوا إن شئتم {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم}».
    وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة, حدثنا زيد بن بشر, أخبرني همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمر بجنازتين إحداهما قتيل, والأخرى متوفى, فمال الناس على القتيل, فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا ؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله, فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ؟ اسمعوا كتاب الله {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} حتى بلغ آخر الاَية, وقال أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا عبدة بن سليمان, أنبأنا ابن المبارك, أنبأنا ابن لهيعة, حدثنا سلامان بن عامر الشيباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين أحدهما أصيب بمنجنيق, والاَخر توفي, فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده ؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله يقول: {والذين هاجروا في سبيل اللهثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً} الاَيتين.فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه, ورزقت رزقاً حسناً, والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.
    ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب, أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع, فخرج بجنازتي رجلين, أحدهما قتيل والاَخر متوفى, فذكر نحو ما تقدم. وقوله: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به} الاَية, ذكر مقاتل بن حيان وابن جرير أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعاً من المشركين في شهر محرم, فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام, فأبى المشركون إلا قتالهم, وبغوا عليهم, فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله عليهم {إن الله لعفو غفور}.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 11:50

    ** اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ
    يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته {إن الله سميع بصير} أي سميع لأقوال عباده, بصير بهم, عليم بمن يستحق ذلك منهم, كما قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}, وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} أي يعلم ما يفعل رسله فيما أرسلهم به, فلا يخفى عليه شيء من أمورهم, كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ـ إلى قوله ـ وأحصى كل شيء عدداً} فهو سبحانه رقيب عليهم, شهيد على ما يقال لهم, حافظ لهم, ناصر لجنابهم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} الاَية.

    ** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ
    اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها, أم لا ؟ على قولين, وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم «فضلت سورة الحج بسجدتين, فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما». وقوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم, كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته}. وقوله: {هو اجتباكم} أي يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم, وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً, فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً, وفي السفر تقصر إلى اثنتين, وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة, كما ورد به الحديث, وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها, وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها, والقيام فيها يسقط لعذر المرض, فيصليها المريض جالساً, فإن لم يستطع فعلى جنبه, إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات, ولهذا قال عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن «بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا», والأحاديث في هذا كثيرة, ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني من ضيق.
    وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} قال ابن جرير: نصب على تقدير {ما جعل عليكم في الدين من حرج} أي من ضيق بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم, قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير الزموا ملة أبيكم إبراهيم. {قلت} وهذا المعنى في هذه الاَية كقوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً} الاَية, وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل} وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {هو سماكم المسلمين من قبل} قال: الله عز وجل, وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.
    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {هو سماكم المسلمين من قبل} يعني إبراهيم, وذلك قوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} قال ابن جرير: وهذا لا وجه له, لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين, وقد قال الله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر, {وفي هذا} يعني القرآن, وكذا قال غيره. (قلت) وهذا هو الصواب, لأنه تعالى قال: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه, بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل, ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان, فقال: {هو سماكم المسلمين من قبل} أي من قبل هذا القرآن {وفي هذا} روى النسائي عند تفسير هذه الاَية: أنبأنا هشام بن عمار, حدثنا محمد بن شعيب, أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره, قال: أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال«من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم» قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن صام وصلى ؟ قال «نعم وإن صام وصلى» فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله, وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} من سورة البقرة, ولهذا قال {ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس} أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً عدولا خياراً مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم, لتكونوا يوم القيامة {شهداء على الناس} لأن جيمع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها, فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم, والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك, وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.
    وقوله {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض وطاعة ما أوجب وترك ما حرم, ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج, كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة. وقوله {واعتصموا بالله} أي اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به {هو مولاكم} أي حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم {فنعم المولى ونعم النصير} يعني نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء. قال وهيب بن الورد يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت, أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق, وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي, فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم, والله اعلم.
    آخر تفسير سورة الحج ولله الحمد والمنة.

    تمت سورة الحج

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 12:56

    --------------------------------------------------------------------------------

    سورة المؤمنون

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ

    ** قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مّعْرِضُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِلزّكَـاةِ فَاعِلُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاّ عَلَىَ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىَ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
    قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرني يونس بن سليم قال: أملى علي يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري ؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل, فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال «اللهم زدنا ولا تنقصنا, وأكرمنا ولا تهنا, وأعطنا ولا تحرمنا, وآثرنا ولا تؤثر علينا, وارض عنا وأرضنا ـ ثم قال ـ لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ: {قد أفلح المؤمنون} حتى ختم العشر, ورواه الترمذي في تفسيره, والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به, وقال الترمذي: منكر لا نعرف أحداً رواه غير يونس بن سليم, ويونس لا نعرفه.
    وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد, حدثنا جعفر عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن, فقرأت {قد أفلح المؤمنون ـ حتى انتهت إلى ـ والذين هم على صلواتهم يحافظون} قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال لها: تكلمي, فقالت: {قد أفلح المؤمنون} قال كعب الأحبار: لما أعد لهم من الكرامة فيها. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه.
    وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً, فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا المغيرة بن سلمة, حدثنا وهيب عن الجريري عن أبي نضرة, عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة, وغرسها وقال لها: تكلمي, فقالت: {قد أفلح المؤمنون} فدخلتها الملائكة, فقالت: طوبى لك منزل الملوك, ثم قال: وحدثنا بشر بن آدم, وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري, حدثنا عدي بن الفضل, حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة, وملاطها المسك ـ قال البزار: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث ـ حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة, وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي, فقالت: {قد أفلح المؤمنون} فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» ثم قال البزار: لا نعلم أحداً رفعه إلا عدي بن الفضل وليس هو بالحافظ. وهو شيخ متقدم الموت.
    وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي, حدثنا هشام بن خالد, حدثنا بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, ثم قال لها: تكلمي, فقالت {قد أفلح المؤمنون}» بقية عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة, حدثنا منجاب بن الحارث, حدثنا حماد بن عيسى العبسي, عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس يرفعه «لما خلق الله جنة عدن بيده, ودلى فيها ثمارها, وشق فيها أنهارها, ثم نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون} قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل».
    وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار, حدثنا محمد بن زياد الكلبي, حدثنا يعيش بن حسين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء ولبنة من يا قوتة حمراء ولبنة من ***جدة خضراء, ملاطها المسك, وحصباؤها اللؤلؤ, وحشيشها الزعفران, ثم قال لها انطقي, قالت: {قد أفلح المؤمنون} فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.
    وقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح, وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {خاشعون} خائفون ساكنون, وكذا روي عن مجاهد والحسن وقتادة والزهري. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الخشوع خشوع القلب, وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم, فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح, وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم, إلى السماء في الصلاة, فلما نزلت هذه الاَية: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه, فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض, رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضاً مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الاَية, والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لما واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها, وحينئذ تكون راحة له وقرة عين, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حبب إليّ الطيب والنساء, وجعلت قرة عيني في الصلاة».
    وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: يا بلال «أرحنا بالصلاة» وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار, فحضرت الصلاة, فقال: يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح, فرآنا أنكرنا عليه ذلك, فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة».
    وقوله: {والذين هم عن اللغو معرضون} أي عن الباطل, وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم, والمعاصي كما قاله آخرون, وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال, كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك. وقوله: {والذين هم للزكاة فاعلون} الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال, مع أن هذه الاَية مكية, وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة, والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة, وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة, كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: {وآتوا حقه يوم حصاده} وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس من الشرك والدنس, كقوله: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} وكقوله {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} على أحد القولين في تفسيرهما, وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال, فإنه من جملة زكاة النفوس, والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا, والله أعلم.
    وقوله {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أي والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط, لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم أو ما ملكت أيمانهم من السراري ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج, ولهذا قال: {فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك} أي غير الأزواج والإماء {فأولئك هم العادون} أي المعتدون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبد الأعلى, حدثنا سعيد عن قتادة أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأولت آية من كتاب الله {أو ما ملكت أيمانهم} فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله عز وجل على غير وجهها, قال: فضرب العبد وجز رأسه, وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم, هذا أثر غريب منقطع, ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة وهو ههنا أليق, وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها, والله أعلم.
    وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الاَية الكريمة {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين, وقد قال الله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري عن مسلمة بن جعفر عن حسان بن حميد, عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين, ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله عليه الناكح يده, والفاعل والمفعول به, ومدمن الخمر, والضارب والديه حتى يستغيثا, والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه, والناكح حليلة جاره» هذا حديث غريب, وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته, والله أعلم.


    يتبع


    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 13:17

    وقوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا بل يؤدونها إلى أهلها, وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان». وقوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} أي يواظبون عليها في مواقيتها, كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال)«الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي ؟ قال «بر الوالدين». قلت: ثم أي ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». أخرجاه في الصحيحين. وفي مستدرك الحاكم قال: «الصلاة في أول وقتها».
    وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} يعني في مواقيت الصلاة, وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها, وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة واختتمها بالصلاة فدل على أفضليتها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا, واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة, ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}. وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس, فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة, ومنه تفجر أنهار الجنة, وفوقه عرش الرحمن».
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة, ومنزل في النار, فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله, فذلك قوله: {أولئك هم الوارثون}» وقال ابن جريج عن ليث عن مجاهد {أولئك هم الوارثون} قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار, فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار, وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار. وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك, فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له, فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة, وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له, أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل بل أبلغ من هذا أيضاً, وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال, فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى», وفي لفظ له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهودياً أو نصرانياً, فيقال: هذا فكاكك من النار» فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات, أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال: فحلف له, قلت: وهذه الاَية كقوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً} وكقوله: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير, الجنة بالرومية هي الفردوس, وقال بعض السلف: لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب, فا لله أعلم.
    ** وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمّ إِنّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيّتُونَ * ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين, وهو آدم عليه السلام خلقه الله من صلصال من حمإمسنون. وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي يحيى عن ابن عباس {من سلالة من طين} قال: من صفوة الماء. وقال مجاهد: من سلالة أي من مني آدم. وقال ابن جرير: إنما سمي آدم طيناً لأنه مخلوق منه وقال قتادة: استل آدم من الطين وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق, فإن آدم عليه السلام خلق من طين لازب, وهو الصلصال من الحمإالمسنون, وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا أسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض, فجاء بنو آدم على قدر الأرض, جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك, والخبيث والطيب وبين ذلك» وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح {ثم جعلناه نطفة} هذا الضمير عائد على جنس الإنسان كما قال في الاَية الأخرى: {وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} أي ضعيف, كما قال: {ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين} يعني الرحم معد لذلك مهيأ له {إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون} أي مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة, ولهذا قال ههنا: {ثم خلقنا النطقة علقة} أي ثم صيرنا النطفة, وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره, وترائب المرأة وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة, فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة, قال عكرمة: وهي دم {فخلقنا العلقة مضغة} وهي قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط {فخلقنا المضغة عظاماً} يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها.
    وقرأ آخرون {فخلقنا المضغة عظماً} قال ابن عباس: وهو عظم الصلب, وفي الصحيح من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» {فكسونا العظام لحماً} أي وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه{ثم أنشأناه خلقاً آخر} أي ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب {فتبارك الله أحسن الخالقين}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا جعفر بن مسافر, حدثنا يحيى بن حسان, حدثنا النضر يعني ابن كثير مولى بني هاشم, حدثنا زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكاً فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث, فذلك قوله: {ثم أنشأناه خلقاً آخر} يعني نفخنا فيه الروح, وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح, قال ابن عباس {ثم أنشأناه خلقاً آخر} يعني فنفخنا فيه الروح, وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد, واختاره ابن جرير.
    وقال العوفي عن ابن عباس {ثم أنشأناه خلقاً آخر} يعني ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلاً ثم نشأ صغيراً, ثم احتلم ثم صار شاباً, ثم كهلاً ثم شيخاً ثم هرماً. وعن قتادة والضحاك نحو ذلك, ولا منافاة فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال, والله أعلم. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله ـ هو ابن مسعود رضي الله عنه ـ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: رزقه, وأجله, وعمله, وهل هو شقي أو سعيد, فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها» أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة قال: قال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر, فتمكث أربعين يوماً, ثم تعود في الرحم فتكون علقة. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسين بن الحسن, حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه, فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي, فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي, قال: فجاءه حتى جلس, فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال «يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة, فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب, وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم» فقال: هكذا كان يقول من قبلك.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة, فيقول: يا رب ماذا ؟ أشقي أم سعيد, أذكر أم أنثى ؟ فيقول الله, فيكتبان, ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه, ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص» وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو هو ابن دينار به نحوه, ومن طريق أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه, والله أعلم.
    وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة, حدثنا حماد بن زيد, حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وكل بالرحم ملكاً, فيقول: أي رب نطفة, أي رب علقة, أي رب مضغة, فإذا أراد الله خلقها قال: أي رب, ذكر أو أنثى ؟ شقي أو سعيد ؟ فما الرزق والأجل ؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه» أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به.
    وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} يعني حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال وشكل إلى شكل حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق, قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا علي بن زيد عن أنس قال: قال عمر, يعني ابن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الاَية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الاَية, قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين, فنزلت {فتبارك الله أحسن الخالقين}. وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي, عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ـ إلى قوله ـ خلقاً آخر} فقال معاذ {فتبارك الله أحسن الخالقين} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله ؟ فقال: «بها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين» وفي إسناد جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جداً, وفي خبره هذا نكارة شديدة, وذلك أن هذه السورة مكية, وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة, وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضاً, فالله أعلم. وقوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} يعني بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} يعني النشأة الاَخرة {ثم الله ينشىء النشأة الاَخرة} يعني يوم المعاد. وقيام الأرواح إلى الأجساد, فيحاسب الخلائق, ويوفى كل عامل عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 13:22

    ** أَفَلَمْ يَدّبّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ مّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأوّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مّعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ * وَإِنّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ * وَإِنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ عَنِ الصّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ لّلَجّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
    يقول تعالى منكراً على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير, فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله عليهم بقبولها والقيام بشكرها وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وقال قتادة {أفلم يدبروا القول} إذ والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه منه فهلكوا عند ذلك. ثم قال منكراً على الكافرين من قريش: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} أي أفهم لا يعرفون محمداً وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه, ولهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته, وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته, وكانوا بعد كفاراً لم يسلموا, ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك. وقوله: {أم يقولون به جنة} يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقول القرآن أي افتراه من عنده أو أن به جنوناً لا يدري ما يقول, وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الاَبدين ولهذا قال: {بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون} يحتمل أن تكون هذه جملة حالية أي في حالة كراهة أكثرهم للحق ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة والله أعلم.
    وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له «أسلم» فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «وإن كنت كارها». وذكر لنا أنه لقي رجلاً فقال له «أسلم» فتصعده ذلك, وكبر عليه, فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث, فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه, فدعاك إلى طريق واسع سهل, أكنت تتبعه ؟» قال: نعم. قال «فو الذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه, وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه» وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له «أسلم» فتصعده ذلك, فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو كان فتيان أحدهما إذا حدثك صدقك, وإذا ائتمنته أدى إليك, أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا ائتمنته خانك ؟» قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا ائتمنته أدى إلي, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «كذاكم أنتم عند ربكم».
    وقوله: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل, والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى, وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السموات والأرض ومن فيهن أي لفساد أهوائهم واختلافها, كما أخبر عنهم في قولهم: {لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ثم قال: {أهم يقسمون رحمة ربك} وقال تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق} الاَية. وقال تعالى: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيراً} ففي هذا كله تبين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم, وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه, تعالى وتقدس, فلا إله غيره ولا رب سواه, ولهذا قال: {بل أتيناهم بذكرهم} أي القرآن {فهم عن ذكرهم معرضون}.
    وقوله: {أم تسألهم خرجاً} قال الحسن: أجراً. وقال قتادة: جعلاً {فخراج ربك خير} أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلاً ولا شيئاً على دعوتك إياهم إلى الهدى, بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه, كما قال: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله} وقال: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} وقال: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} وقال: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً}.
    وقوله: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون بالاَخرة عن الصراط لناكبون} قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان, فقعد أحدهما عند رجليه, والاَخر عند رأسه, فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته, فقال: إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة, فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به, فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة, فقال: أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة وحياضاً رواء تتبعوني ؟ فقالوا: نعم, قال: فانطلق بهم وأوردهم ر ياضاً معشبة وحياضاً رواء, فأكلوا وشربوا وسمنوا, فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني ؟ قالوا: بلى, قال: فإن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذه وحياضاً هي أروى من هذه فاتبعوني, قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه, وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه
    ** قُل لّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ * قُلْ مَن رّبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَرَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ فَأَنّىَ تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقّ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ
    يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو, ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له, ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية, وأنه لا شريك له فيها, ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئاًولايملكون شيئاً ولا يستبدون بشيء, بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فقال: {قل لمن الأرض ومن فيها ؟} أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات {إن كنتم تعلمون ؟ سيقولون لله} أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له, فإذا كان ذلك {قل أفلا تذكرون} أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرزاق لا لغيره {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} ؟ أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات, ومن هو رب العرش العظيم, يعني الذي هو سقف المخلوقات, كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا» وأشار بيده مثل القبة, وفي الحديث الاَخر «ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة, وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة, وقال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمي عرشاً لارتفاعه.
    ** حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّيَ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
    يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى, وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته, ولهذا قال: {رب ارجعون لعلي أعمل صاحلاً فيما تركت كلا} كما قال تعالى: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ـ إلى قوله ـ والله خبير بما تعملون} وقال تعالى {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ـ إلى قوله ـ مالكم من زوال} وقال تعالى: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} وقال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاًإنا موقنون} وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ـ إلى قوله ـ وإنهم لكاذبون} وقال تعالى: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل} وقال تعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} والاَية بعدها. وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار, وحين يعرضون على النار وهم في غمرات عذاب الجحيم
    ** قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ * إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ * فَاتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتّىَ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنّهُمْ هُمُ الْفَآئِزُونَ
    هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول {اخسئوا فيها} أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء, {ولا تكلمون} أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي. قال العوفي عن ابن عباس {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبدة بن سليمان المروزي, حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً, ثم يرد عليهم إنكم ماكثون, قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك, ثم يدعون ربهم فيقولون {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم {اخسئوا فيها ولا تكلمون} قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة, وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم, قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق.
    وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل, حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحداً يعني من جهنم, غير وجوههم وألوانهم, فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول: يا رب, فيقول الله: من عرف أحداً فليخرجه, فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحداً, فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان, فيقول ما أعرفك, قال: فعند ذلك يقولون {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فعند ذلك يقول الله تعالى: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد.
    ثم قال تعالى مذكراً لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه, فقال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمن * فاتخذتموهم سخرياً} أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي {حتى أنسوكم ذكري} أي حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي {وكنتم منهم تضحكون} أي من صنيعهم وعبادتهم, كما قال تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون} أي يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين, فقال تعالى: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} أي على أذاكم لهم واستهزائكم بهم {أنهم هم الفائزون} بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار.

    ** وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رّبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ
    يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه, ومخبراً أن من أشرك بالله لا برهان له, أي لا دليل له على قوله, فقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} وهذه جملة معترضة, وجواب الشرط في قوله: {فإنما حسابه عند ربه} أي الله يحاسبه على ذلك, ثم أخبر {إنه لا يفلح الكافرون} أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «ما تعبد ؟» قال: أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناماً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ؟» قال: الله عز وجل. قال «فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها ؟». قال: الله عز وجل, قال: «فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه, أم حسبت أن تغلب عليه ؟» قال: أردت شكره بعبارة هؤلاء معه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعلمون ولا يعلمون» فقال الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلاً خصمني, هذا مرسل من هذا الوجه, وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسنداً عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. وقوله تعالى: {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء, فالغفر إذا أطلق ومعناه محو الذنب وستره عن الناس, والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.
    آخر تفسير سورة المؤمنون.


    تمت سورة المؤمنون

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 13:29

    سورة النور

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ * الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ
    يقول تعالى: هذه {سورة أنزلناها} فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها {وفرضناها}. قال مجاهد وقتادة: أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود. وقال البخاري: ومن قرأ فرضناها, يقول فرضناها عليكم وعلى من بعدكم {وأنزلنا فيها آيات بينات} أي مفسرات واضحات {لعلكم تذكرون}, ثم قال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} هذه الاَية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد, وللعلماء فيه تفصيل ونزاع, فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكراً وهو الذي لم يتزوج, أو محصناً وهو الذي قد وطى في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل, فأما إذا كان بكراً لم يتزوج, فإن حده مائة جلدة كما في الاَية, ويزاد على ذلك أن يغرب عاماً عن بلده عند جمهور العلماء خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله, فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب, وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً ـ يعني أجيراً ـ على هذا, فزنى بامرأته, فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة, فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام, وأن على امرأة هذا الرجم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى, الوليدة والغنم رد عليك, وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام, واغد يا أنيس ـ لرجل من أسلم ـ إلى امرأة هذا, فإن اعترفت فارجمها «فغدا عليها فاعترفت فرجمها», ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكراً لم يتزوج, فأما إذا كان محصناً وهو الذي قد وطى في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فإنه يرجم.
    كما قال الإمام مالك حدثني محمد بن شهاب, أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد, أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق, وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم, فقرأناها ووعيناها, ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده, فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله, فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء, إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولاً, وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا.
    وروى الإمام أحمد عن هشيم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: حدثني عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن أناساً يقولون مابال الرجم ؟ في كتاب الله الجلد, وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده, ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت به وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به, وقد روى الإمام أحمد أيضاً عن هشيم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر الرجم, فقال: لا تُخدعن عنه فإنه حد من حدود الله تعالى, ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده, ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمناه بعده, ألا إنه سيكون من بعدكم قومٌ يكذبون بالرجم, وبالدجال وبالشفاعة, وبعذاب القبر, وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.
    وروى أحمد أيضاً عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب «إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم» الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد عن عمر, وقال صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين, قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد, فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة», قال مروان: ألا كتبتها في المصحف ؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب, فقال: أنا أشفيكم من ذلك, قال: قلنا فكيف ؟ قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر كذا وكذا وذكر الرجم, فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم, قال «لا أستطيع الاَن» هذا أو نحو ذلك. وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به, وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به, والله أعلم.
    وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم هذه المرأة وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير, ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً والغامدية, وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم جلدهم قبل الرجم, وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالإقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد, ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء, وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله, وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للاَية, والرجم للسنة.
    كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما أتى بسراحة, وكانت قد زنت وهي محصنة, فجلدها يوم الخميس, ورجمها يوم الجمعة, فقال: جلدتها بكتاب الله, ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطّان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً, البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام, والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} أي في حكم الله, أي لا ترحموهما وترأفوا بهما في شرع الله, وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد, وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك. قال مجاهد {ولا تأخدكم بهما رأفة في دين الله} قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل, وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح. وقد جاءفي الحديث «تعافوا الحدود فيما بينكم, فما بلغني من حد فقدوجب», وفي الحديث الاَخر «لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً». وقيل المراد {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم, وليس المراد الضرب المبرح.
    قال عامر الشعبي {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قال: رحمة في شدة الضرب. وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح. وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه, ثم تلا {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فقلت هذا في الحكم ؟ قال: هذا في الحكم, والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي, حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمرو عن ابن أبي مليكة, عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها, قال نافع: أراه قال وظهرها, قال قلت {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها, ولا أن أجعل جلدها في رأسها, وقد أوجعت حين ضربتها. وقوله تعالى: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاَخر} أي فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى, وشددوا عليه الضرب ولكن ليس مبرحاً ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك, وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها: فقال «ولك في ذلك أجر».
    وقوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس, فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما, فإن في ذلك تقريعاً وتوبيخاً وفضيحة إذا كان الناس حضوراً. قال الحسن البصري في قوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} يعني علانية: ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}الطائفة الرجل فما فوقه. وقال مجاهد: الطائفة رجل إلى ألف, وكذا قال عكرمة, ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد, وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان, وبه قال إسحاق بن راهويه, وكذا قال سعيد بن جبير {طائفة من المؤمنين} قال: يعني رجلين فصاعداً, وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعداً.
    وقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: الطائفة أربعة نفر فصاعداً, لأنه لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعداً, وبه قال الشافعي. وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين, أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن عثمان, حدثنا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: ليس ذلك للفضيحة, إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة.


    ** الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
    هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة, أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية, أو مشركة لا ترى حرمة ذلك, وكذلك {الزانية لا ينكحها إلا زان} أي عاص بزناه {أو مشرك} لا يعتقد تحريمه, قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: ليس هذا بالنكاح, إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك, وهذا إسناد صحيح عنه, وقد روي عنه من غير وجه أيضاً. وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك.
    وقوله تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين} أي تعاطيه والتزوج بالبغايا, أو تزويج العفائف بالرجال الفجار, وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {وحرم ذلك على المؤمنين} قال: حرم الله الزنا على المؤمنين. وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا, وتقدم ذلك فقال {وحرم ذلك على المؤمنين} وهذه الاَية كقوله تعالى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}. وقوله {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} الاَية, ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب, فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا, وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين}.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 13:35

    وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان قال أبي حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من المؤمنين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه قال فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهاإلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين}.
    وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن عدي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله عز وجل: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهاإلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين}.
    وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد, حدثنا روح بن عبادة عن عبيد الله بن الأخنس, أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد, وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة, قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق, وكانت صديقة له, وإنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله, قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة, قال: فجاءت عناق, فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط, فلما انتهت إلي عرفتني, فقالت: مرثد ؟ فقلت: مرثد, فقالت: مرحباً وأهلاً, هلم فبت عندنا الليلة, قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا, فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم, قال: فتبعني ثمانية ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار أو كهف, فدخلت فيه فجاؤوا حتى قاموا على رأسي, فبالوا: فظل بولهم على رأسي, فأعماهم الله عني, قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته, وكان رجلاً ثقيلاً حتى انتهيت إلى الإذخر, ففككت عنه أحبله, فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً أنكح عناقاً ـ مرتين ؟ ـ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئاً حتى نزلت {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهاإلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا مرثد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة, والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك فلا تنكحها}. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مسدد أبو الحسن حدثنا عبد الوارث عن حبيب المعلم, حدثني عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر عن عبد الله بن عمر كلاهما عن عبد الوارث به.وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أخيه عمر بن محمد, عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال: أشهد لسمعت سالماً يقول: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه, والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال, والديوث, وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه, ومدمن الخمر, والمنان بما أعطى» ورواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس, عن يزيد بن زريع, عن عمر بن محمد العمري, عن عبد الله بن يسار به.
    وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يعقوب, حدثنا الوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن عويمر بن الأجدع, عمن حدثه عن سالم بن عبد الله بن عمر, قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر, والعاق لوالديه, والديوث الذي يقر في أهله الخبث». وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة, حدثني رجل من آل سهل بن حنيف عن محمد بن عمار, عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة ديوث» يستشهد به لما قبله من الأحاديث.
    وقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار, حدثنا سلام بن سوار, حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم, سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهر, فليتزوج الحرائر» في إسناده ضعف. وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة: الديوث القنزع, وهو الذي لا غيرة له, فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية عن يزيد بن هارون, عن حماد بن سلمة وغيره, عن هارون بن رئاب, عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد عمير, عن ابن عباس. عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه, قالا: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي, وهي لا تمنع يد لامس ؟ قال «طلقها» قال: لا صبر لي عنها. قال «استمتع بها» ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. قلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث, وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم, فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي, لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق, عن إسحاق بن راهويه, عن النضر بن شميل, عن حماد بن سلمة, عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير, عن ابن عباس مسنداً, فذكره بهذا الإسناد, فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال: هذا خطأ والصواب مرسل, ورواه غير النضر على الصواب.
    وقد رواه النسائي أيضاً وأبو داود عن الحسين بن حريث, أخبرنا الفضل بن موسى, أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة, عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي, ومنكر كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر, وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلاً, وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال وقيل: سخية تعطي, ورد هذا بأن لو كان المراد لقال: لا ترّد يد ملتمس, وقيل المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها, فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثاً, وقد تقدم الوعيد على ذلك, ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد, أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها, فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الاَجل, والله سبحانه وتعالى أعلم.
    قالوا فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج, كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز وجل علي, فرزقني الله عز وجل من ذلك توبة, فأردت أن أتزوجها, فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة, فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا, انكحها فما كان من إثم فعلي, وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الاَية منسوخة, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد, عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} قال: كان يقال نسختها التي بعدها {وأنكحوا الأيامى منكم} قال: كان يقال الأيامى من المسلمين, وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن المسيب, ونص على ذلك أيضاً الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي.
    ** وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
    هذه الاَية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة, هي الحرة البالغة العفيفة, فإذا كان المقذوف رجلاً فكذلك يجلد قاذفه أيضاً, وليس في هذا نزاع بين العلماء, فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد, ولهذا قال تعالى: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} فأوجب على القاذف, إذا لم يقم البينة على صحة ما قال, ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة. (الثاني) أنه ترد شهادته أبداً. (الثالث) أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس.
    ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} الاَية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء. هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائماً وإن تاب, أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟ أما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف, فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته, وارتفع عنه حكم الفسق, ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين, وجماعة من السلف أيضاً. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط, فيرتفع الفسق بالتوبة, ويبقى مردود الشهادة أبداً, وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان, فحينئذ تقبل شهادته, والله أعلم.


    ** إِنّ الّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لّكُمْ لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ مّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالّذِي تَوَلّىَ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
    هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله عز وجل لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه, فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة, فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين, فإنه كان يجمعه ويستوشيه, حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به, وجوزه آخرون منهم, وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن, وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة.
    .

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 13:45

    ** لّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـَذَآ إِفْكٌ مّبِينٌ * لّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشّهَدَآءِ فَأُوْلَـَئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ
    هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيء, وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: {لولا} يعني هلا {إذ سمعتموه} أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً} أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم, فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى. وقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما, كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها ؟ قال: نعم وذلك الكذب, أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله, قال: فعائشة والله خير منك, قال: فلما نزل القرآن ذكر عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا, ثم قال تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون} الاَية, أي كما قال أبو أيوب وصاحبته
    ** وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنّ اللّهَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ * يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ وَمَن يَتّبِعْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـَكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
    يقول الله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم} أي لولا هذا لكان أمر آخر, ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم, فتاب على من تاب إليه من هذه القضية, وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم, ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {خطوات الشيطان} عمله. وقال عكرمة: نزغاته. وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان. وقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاماً وسماه, فقال: هذا من نزغات الشيطان, كفّر عن يمينك وكل وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان, وأفتاه أن يذبح كبشاً.
    ** الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلْطّيّبَاتِ أُوْلَـَئِكَ مُبَرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
    قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال, والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال, والطيبون من الرجال للطيبات من القول ـ قال ـ ونزلت في عائشة وأهل الإفك, وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت, والضحاك, واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس, والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس, فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به, وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم, ولهذا قال تعالى: {أولئك مبرءون مما يقولون} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء, والطيبات من النساء للطيبين من الرجال, والطيبون من الرجال للطيبات من النساء, وهذا أيضاً يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم, أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر, ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعاً ولا قدراً, ولهذا قال تعالى: {أولئك مبرءون مما يقولون} أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان {لهم مغفرة} أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب, {ورزق كريم} أي عند الله في جنات النعيم, وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.
    ** وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ
    هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين وكان سبب نزول هذه الاَية ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا ـ والله أعلم ـ أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في محل لها في بني حارثة, فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الاَية, فقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن, ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.
    واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدث أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «احتجبا منه» فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أو عمياوان أنتما ؟ أوألستما تبصرانه» ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت.
    وقوله {ويحفظن فروجهن} قال سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا, وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الاَية {ويحفظن فروجهن} أن لا يراها أحد, وقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لايمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم.

    ** اللّهُ نُورُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزّجَاجَةُ كَأَنّهَا كَوْكَبٌ دُرّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاّ شَرْقِيّةٍ وَلاَ غَرْبِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نّورٌ عَلَىَ نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {الله نور السموات والأرض} يقول هادي أهل السموات والأرض. قال ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله {الله نور السموات والأرض} يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي, حدثنا وهب بن راشد عن فرقد عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول نوري هداي واختار هذا القول ابن جرير. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب في قوله تعالى: {الله نور السموات والأرض مثل نوره} قال هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال {الله نور السموات والأرض} فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به, قال: فكان أبيّ بن كعب يقرؤها {مثل نور من آمن به} فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره, وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك {مثل نور من آمن بالله} وقرأ بعضهم {الله نور السموات والأرض} وعن الضحاك {الله نوّر السموات والأرض}.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 17:10

    ** وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ
    هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: نارياً ومائياً, وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائياً ونارياً, وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته, ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين, فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات, وليسوا في نفس الأمر على شيء, فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام, والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة, والقاع أيضاً واحد القيعان, كما يقال جار وجيران, وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب, وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار, وأما الاَل فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض, فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه, فلما انتهى إليه {لم يجده شيئاً} فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملاً وأنه قد حصل شيئاً, فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله, لم يجد له شيئاً بالكلية قد قبل إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع, كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} وقال ههنا {ووجد الله عنده فوفاه حسابه, والله سريع الحساب} وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد.
    وفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون ؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا, فيقال: ألا ترون ؟ فتمثل لهم النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضاً, فينطلقون فيتهافتون فيها, وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب, فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي} قال قتادة {لجي} هو العميق {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها} أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام, فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط, المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده, ولا يدري أين يذهب, بل كما يقال في المثل للجاهل أين تذهب ؟ قال معهم, قيل: فإلى أين يذهبون ؟ قال لا أدري.
    وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما {يغشاه موج} الاَية, يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر, وهي كقوله {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} الاَية, وكقوله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} الاَية, وقال أبيّ بن كعب في قوله تعالى: {ظلمات بعضها فوق بعض} فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة, وعمله ظلمة, ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة, ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار, وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضاً. وقوله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل, حائل, بائر, كافر, كقوله {من يضلل الله فلا هادي له} وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين {يهدي الله لنوره من يشاء} فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نوراً, وعن أيمانناً نوراً, وعن شمائلنا نوراً, وأن يعظم لنا نوراً. ** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطّيْرُ صَآفّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ
    يخبر تعالى أنه يسبح له من في السموات والأرض أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان حتى الجماد, كما قال تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن} الاَية, وقوله تعالى: {والطير صافات} أي في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه, وهو يعلم ما هي فاعلة, ولهذا قال تعالى: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء, ولهذا قال تعالى: {والله عليم بما يفعلون} ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض, فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه {وإلى الله المصير} أي يوم القيامة, فيحكم فيه بما يشاء {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} الاَية, فهو الخالق المالك, ألا له الحكم في الدنيا والأخرى, وله الحمد في الأولى والأخرة.
    ** أَلآ إِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمُ
    يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض, وأنه عالم الغيب والشهادة, وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم, فقال {قد يعلم ما أنتم عليه} وقد للتحقيق, كما قال قبلها { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً} وقال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم} الاَية, وقال تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك} الاَية, وقال {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقال {قد نرى تقلب وجهك في السماء} الاَية, فكل هذه الاَيات فيها تحقيق الفعل بقد, كقول المؤذن تحقيقاً وثبوتاً: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. فقوله تعالى: {قد يعلم ما أنتم عليه} أي هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة, كما قال تعالى: {وتوكل على العزيز الرحيم ـ إلى قوله ـ إنه هو السميع العليم} وقوله {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} وقال تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر, وقال تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} وقال تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} الاَية, وقال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} وقال {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} والاَيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً.
    وقوله {ويوم يرجعون إليه} أي ويوم ترجع الخلائق إلى الله وهو يوم القيامة {فينبئهم بما عملوا} أي يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير, كما قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} وقال {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} ولهذا قال ههنا {ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم} والحمد لله رب العالمين ونسأله التمام.
    آخر تفسير سورة النور و لله الحمد والمنة.


    تمت سورة النور

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 17:18

    سورة الفرقان

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىَ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلّ شَيْءٍ فَقَدّرَهُ تَقْدِيراً
    يقول تعالى حامداً لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم, كما قال تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات} الاَية, وقال ههنا {تبارك} وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة {الذي نزل الفرقان} نزل فعل من التكرر والتكثر كقوله {والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة, والقرآن نزل منجماً مفرقاً مفصلاً آيات بعد آيات, وأحكاماً بعد أحكام, وسوراً بعد سور, وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه, كما قال في أثناء هذه السورة {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً, ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} ولهذا سماه ههنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال, والغي والرشاد والحلال والحرام
    ** وَقَالُواْ مَا لِهَـَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظّالِمُونَ إِن تَتّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مّسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمْثَالَ فَضَلّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً * تَبَارَكَ الّذِيَ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَل لّكَ قُصُوراً * بَلْ كَذّبُواْ بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً * وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً * لاّ تَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً
    يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم, وإنما تعللوا بقولهم {ما لهذا الرسول يأكل الطعام} يعنون كما نأكله ويحتاج إليه كما نحتاج إليه {ويمشي في الأسواق} أي يتردد فيها وإليها طلباً للتكسب والتجارة {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} يقولون: هلا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون له شاهداً على صدق ما يدعيه, وهذا كما قال فرعون {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أوجاء معه الملائكة مقترنين} وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم, ولهذا قالوا {أو يلقى إليه كنز} أي علم كنز ينفق منه {أو تكون له جنة يأكل منها} أي تسير معه حيث سار, وهذا كله سهل يسير على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك وله الحجة البالغة {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا} أي جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك من قولهم ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر, وكلها أقوال باطلة, كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك, ولهذا قال {فضلوا} عن طريق الهدى {فلا يستطيعون سبيلاً} وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى, فإنه ضال حيثما توجه, لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضاً.
    ** وَيَوْمَ تَشَقّقُ السّمَآءُ بِالْغَمَامِ وَنُزّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ لِلرّحْمَـَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً * وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَىَ يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلاً * يَوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لّقَدْ أَضَلّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً
    يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة, فمنها انشقاق السماء وتفطرها, وانفراجها بالغمام وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار, ونزول ملائكة السموات يومئذ فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر, ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء. قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} الاَية.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث, حدثنا مؤمل, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس أنه قرأ هذه الاَية {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} قال ابن عباس رضي الله: عنهما يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق, فتنشق السماء الدنيا, فينزل أهلها وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق, فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق, ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق, فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق, ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق, ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف, حتى تنشق السماء السابعة فينزل أهلها وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجن والإنس ومن جميع الخلق, فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات وبالجن والإنس وجميع الخلق كلهم, وينزل ربنا عز وجل في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الجن والإنس, وجميع الخلق لهم قرون كأكعب القنا, وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله عز وجل, ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام, وما بين كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام, وما بن ركبته إلى حجزته(1) مسيرة خمسمائة عام, وما بين حجزته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام, وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام. وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام وجهنم مجنبته, وهكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق** وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً * فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً * وَقَوْمَ نُوحٍ لّمّا كَذّبُواْ الرّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً * وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرّسّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً * وَكُلاّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلاّ تَبّرْنَا تَتْبِيراً * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الّتِيَ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً
    يقول تعالى متوعداً من كذب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من مشركي قومه ومن خالفه, ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله, فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيراً, أي نبياً مؤازراً ومؤيداً وناصراً, فكذبهما فرعون وجنوده {فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحاً عليه السلام, ومن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل, إذ لا فرق بين رسول ورسول, ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون, ولهذا قال تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل} ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط, وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل, ويحذرهم نقمه {وما آمن معه إلا قليل} ولهذا أغرقهم الله جميعاً ولم يبق منهم أحداً, ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط {وجعلناهم للناس آية} أي عبرة يعتبرون بها, كما قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق, وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره.
    ** وَهُوَ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً طَهُوراً * لّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيّ كَثِيراً * وَلَقَدْ صَرّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذّكّرُواْ فَأَبَىَ أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً
    وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم, وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات, أي بمجيء السحاب بعدها, والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير, فمنها ما يثير السحاب, ومنها ما يحمله, ومنها ما يسوقه, ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشراً, ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض, ومنها ما يلقح السحاب ليمطر, ولهذا قال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} أي آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما, فهذا أصح ما يقال في ذلك. وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل, أو إنه مبني للمبالغة والتعدي, فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم, ليس هذا موضع بسطها, والله أعلم** تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مّنِيراً * وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذّكّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً
    يقول تعالى ممجداً نفسه ومعظماً على جميل ما خلق في السماوات من البروج, وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة. وقيل: هي قصور في السماء للحرس, يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش, وهو رواية عن أبي صالح أيضاً, والقول الأول أظهر. اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس, فيجتمع القولان, كما قال تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} الاَية, ولهذا قال تعالى: {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً} وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود, كما قال تعالى: {وجعلنا سراجاً وهاجاً} {وقمراً منيراً} أي مشرقاً مضيئاً بنور آخر من غير نور الشمس, كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} وقال مخبراً عن نوح عليه السلام, أنه قال لقومه {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً} ثم قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي يخلف كل واحد منهما صاحبه, يتعاقبان لا يفتران, إذا ذهب هذا جاء هذا, وإذا جاء هذا ذهب ذاك, كما قال تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} الاَية, وقال {يغشي الليل والنهار يطلبه حثيثاً} الاَية, وقال {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} الاَية.
    وقوله تعالى: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً} أي جعلهما يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده له عز وجل, فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار, ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل, وقد جاء في الحديث الصحيح «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حمزه عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى, فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه, فقال: إنه بقي علي من وردي شيء, فأحببت أن أتمه, أو قال أقضيه, وتلا هذه الاَية {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية: يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار, أو من النهار أدركه بالليل, وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن, وقال مجاهد وقتادة: خلفة, أي مختلفين, أي هذا بسواده وهذا بضيائه.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في السبت 20 يونيو - 18:26

    ** وَالّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزّورَ وَإِذَا مَرّواْ بِاللّغْوِ مَرّوا كِراماً * وَالّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِآيَاتِ رَبّهِمْ لَمْ يَخِرّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً
    وهذه أيضاً من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور, قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام, وقيل الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل, وقال محمد بن الحنفية: هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: هي أعياد المشركين. وقال عمرو بن قيس, هي مجالس السوء والخنا. وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه, كما جاء في الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر, فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» وقيل المراد بقوله تعالى: {لا يشهدون الزور} أي شهادة الزور, وهي الكذب متعمداً على غيره, كما في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟» ثلاثاً, قلنا: بلى يا رسول الله. قال «الشرك بالله وعقوق الوالدين» وكان متكئاً, فجلس فقال «ألا وقول الزور, ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يحضرونه, ولهذا قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} أي لا يحضرون الزور, وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء, ولهذا قال {مروا كراماً}.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سيعد الأشج, حدثنا أبو الحسن العجلي عن محمد بن مسلم, أخبرني إبراهيم بن ميسرة أن ابن مسعود مر بلهو معروضاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً» وحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي, حدثنا حبان, أخبرنا عبد الله, أخبرنا محمد بن مسلم, أخبرني ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضاً فلم يقف, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً». ثم تلا إبراهيم بن ميسرة {وإذا مروا باللغو مروا كراماً}.
    وقوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً} وهذه أيضاً من صفات المؤمنين {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون} بخلاف الكافر, فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه بل يبقى مستمراً على كفره وطغيانه وجهله وضلاله, كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم} فقوله {لم يخروا عليها صماً وعمياناً} أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه, فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصم أعمى.
    قال مجاهد قوله {لم يخروا عليها صماً وعمياناً} قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئاً. وقال الحسن البصري رضي الله عنه: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى. وقال قتادة: قوله تعالى {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً} يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه, فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم, حدثنا عبد الله بن حمران, حدثنا ابن عون قال سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجوداً ولم يسمع ما سجدوا, أيسجد معهم ؟ قال: فتلا هذه الاَية: يعني أنه لا يسجد معهم, لأنه لم يتدبر أمر السجود, ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بين.
    وقوله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له. قال ابن عباس: يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والاَخرة. قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً, ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين. وسئل الحسن البصري عن هذه الاَية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله, لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولداً أو ولد ولد أو أخاً أو حميماً مطيعا لله عز وجل. قال ابن جريج في قوله {هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر, حدثنا عبد الله بن المبارك, أخبرنا صفوان بن عمرو, حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً, فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت, فاستغضب المقداد, فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيراً, ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه, والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه, أولا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم ؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في فترة جاهلية, ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان, فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل, وفرق بين الوالد وولده, إن كان الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار, فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار, وأنها التي قال الله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} وهذا إسناد صحيح, ولم يخرجوه.
    وقوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماماً} قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم: هداة مهتدين دعاة إلى الخير, فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم, وأن يكون هداهم متعدياً إلى غيرهم بالنفع, وذلك أكثر ثواباً, وأحسن مآباً, ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له, أو علم ينتفع به من بعده, أو صدقة جارية».


    ** أُوْلَـَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقّوْنَ فِيهَا تَحِيّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَاُ بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً
    لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة, والأقوال والأفعال الجليلة, قال بعد ذلك كله {أولئك} أي المتصفون بهذه {يجزون} يوم القيامة {الغرفة} وهي الجنة, قال أبو جعفر الباقر وسعيد بن جبير والضحاك والسدي: سميت بذلك لا رتفاعها {بما صبروا} أي على القيام بذلك {ويلقون فيها} أي في الجنة {تحية وسلاماً} أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام, ويلقون التوقير والاحترام, فلهم السلام وعليهم السلام, فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقوله تعالى: {خالدين فيها} أي مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولاً, كما قال تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} الاَية.
    وقوله تعالى: {حسنت مستقراً ومقاماً} أي حسنت منظراً وطابت مقيلاً ومنزلاً, ثم قال تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي} أي لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه, فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلاً. قال مجاهد وعمرو بن شعيب {قل ما يعبأ بكم ربي} يقول: ما يفعل بكم ربي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {قل ما يعبأ بكم ربي} الاَية, يقول: لولا إيمانكم. وأخبر تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين, ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
    وقوله تعالى: {فقد كذبتم} أيها الكافرون {فسوف يكون لزاماً} أي فسوف يكون تكذيبكم لزاماً لكم, يعني مقتضياً لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والاخرة, ويدخل في ذلك يوم بدر, كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الحسن البصري {فسوف يكون لزاماً} أي يوم القيامة, ولا منافاة بينهما.

    تمت سورة الفرقان

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 7:48

    سورة الشعراء

    (ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة)
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** طسَمَ * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرّحْمَـَنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة. وقوله تعالى: {تلك آيات الكتاب المبين} أي هذه آيات القرآن المبين, أي البين الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل, والغي والرشاد. وقوله تعالى: {لعلك باخع} أي مهلك {نفسك} أي مما تحرص وتحزن عليهم {ألا يكونوا مؤمنين} وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار, كما قال تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} كقوله {فعللك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} الاَية. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم {لعلك باخع نفسك} أي قاتل نفسك. قال الشاعر:
    ألا أيهذا الباخع الحزن نفسهلشيء نحته عن يديه المقادر
    ثم قال تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهراً, ولكن لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري. وقال تعالى: {ولو شاء ربك لاَمن من في الأرض كلهم جميعاً * أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. وقال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} الاَية, فنفذ قدره, ومضت حكمته, وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم, وإنزال الكتب عليهم, ثم قال تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس, كما قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وقال تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} وقال تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه} الاَية, ولهذا قال تعالى ههنا: {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يسهزئون} أي فقد كذبوا بما جاءهم من الحق, فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه, الذين اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه, وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم من زروع وثمار وحيوان.
    قال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم, ومن دخل النار فهو لئيم {إن في ذلك لاَية} أي دلالة على قدرة الخالق للأشياء الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء, ومع هذا ما آمن أكثر الناس بل كذبوا به وبرسله وكتبه, وخالفوا أمره, وارتكبوا نهيه. وقوله {وإن ربك لهو العزيز} أي الذي عز كل شيء وقهره وغلبه {الرحيم} أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره, ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.


    ** وَإِذْ نَادَىَ رَبّكَ مُوسَىَ أَنِ ائْتَ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتّقُونَ * قَالَ رَبّ إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىَ هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلاّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنّا مَعَكُمْ مّسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولآ إِنّا رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضّالّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنّهَا عَلَيّ أَنْ عَبّدتّ بَنِي إِسْرَائِيلَ
    يخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام حين ناداه من جانب الطور الأيمن, وكلمه وناجاه, وأرسله واصطفاه, وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه, ولهذا قال تعالى: {أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه, كما قال في سورة طه {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري ـ إلى قوله ـ قد أوتيت سؤلك يا موسى}.
    وقوله تعالى: {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} أي بسبب قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر {قال كلا} أي قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كقوله {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً ـ أي برهاناً ـ فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} {فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} كقوله {إنني معكما سمع وأرى} أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي {فائتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} كقوله في الاَية الأخرى {إنا رسولا ربك} أي كل منا أرسل إليك {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك, فإنهم عباد الله المؤمنون وحزبه المخلصون, وهم معك في العذاب المهين, فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية, ونظر إليه بعين الازدراء والغمص, فقال {ألم نربك فينا وليداً} الاية, أي أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا, وأنعمنا عليه مدة من السنين, ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلاً, وجحدت نعمتنا عليك, ولهذا قال {وأنت من الكافرين} أي الجاحدين. قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير, {قال فعلتها إذاً} أي في تلك الحال {وأنا من الضالين} أي قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة.
    قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم {وأنا من الضالين} أي الجاهلين. قال ابن جريج: وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين} الاَية, أي انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر, فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت, وإن خالفته عطبت, ثم قال موسى {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيداً وخدماً تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك, أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم, أي ليس ما ذكرته شيئاً بالنسبة إلى ما فعلت بهم.


    ** قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبّكُمْ وَرَبّ آبَآئِكُمُ الأوّلِينَ * قَالَ إِنّ رَسُولَكُمُ الّذِيَ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله {وما رب العالمين} وذلك أنه كان يقول لقومه {ما علمت لكم من إله غيري} {فاستخف قومه فأطاعوه} وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا, ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون فلما قال له موسى: إني رسول رب العالمين. قال له فرعون: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري ؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف, حتى قال السدي: هذه الاَية كقوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط, فإنه لم يكن مقراً بالصانع حتى يسأل عن الماهية, بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر, وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه, فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين {قال رب السموات والأرض وما بينهما} أي خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه, وإلهه لا شريك له, هو الذي خلق الأشياء كلها, العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات, والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار, وما بين ذلك من الهواء والطير, وما يحتوي عليه الجو, الجميع عبيد له خاضعون ذليلون {إن كنتم موقنين} أي إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة, فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلاً لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله {ألا تستمعون ؟} أي ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهاً غيري ؟ فقال لهم موسى {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين, الذين كانوا قبل فرعون وزمانه. {قال} أي فرعون لقومه {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} أي ليس له عقل في دعواه أن ثم رباً غيري. {قال} أي موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة, فأجاب موسى بقوله {رب المشرق والمغرب ومابينهما إن كنتم تعقلون} أي هو الذي جعل المشرق مشرقاً تطلع منه الكواكب, والمغرب مغرباً تغرب فيه الكواكب: ثوابتها وسياراتها, مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها, فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقاً, فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً, كما قال تعالى عن {الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب} الاَية. ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته, عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه, واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى عليه السلام, فقال ما أخبر الله تعالى عنه

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:09

    ** قَالَ لَئِنِ اتّخَذْتَ إِلَـَهَاً غَيْرِي لأجْعَلَنّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مّبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنّ هَـَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوَاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحّارٍ عَلِيمٍ
    لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل, عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه, وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال, فقال {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} فعند ذلك قال موسى {أولو جئتك بشيء مبين ؟} أي ببرهان قاطع واضح {قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة, ذات قوائم, وفم كبير, وشكل هائل مزعج {ونزع يده} أي من جبيه {فإذا هي بيضاء للناظرين} أي تتلألأ كقطعة من القمر, فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد, فقال للملإ حوله {إن هذا لساحر عليم} أي فاضل بارع في السحر, فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة, ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به, فقال {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} الاَية, أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا, فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه, ويغلبكم على دولتكم, فيأخذ البلاد منكم, فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به ؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم} أي أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم يقابلونه, ويأتون بنظير ما جاء به, فتغلبه أنت, وتكون لك النصرة والتأييد, فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد, وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.


    ** فَجُمِعَ السّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنتُمْ مّجْتَمِعُونَ * لَعَلّنَا نَتّبِعُ السّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمّا جَآءَ السّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنّ لَنَا لأجْراً إِن كُنّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنّكُمْ إِذاً لّمِنَ الْمُقَرّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مّوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مّلْقُونَ * فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزّةِ فِرْعَونَ إِنّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَىَ مُوسَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ * رَبّ مُوسَىَ وَهَارُونَ
    ذكر الله تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى عليه السلام والقبط في سورة الأعراف, وفي سورة طه, وفي هذه السورة, وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم, فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون, وهذا شأن الكفر والإيمان ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} {وقل جاء الحق وزهق الباطل} الاَية, ولهذا لما جاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر, وكانوا إذ ذاك من أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلاً في ذلك, وكان السحرة جمعاً كثيراً وجماً غفيراً, قيل: كانوا اثني عشر ألفاً, وقيل خمسة عشر ألفاً, وقيل سبعة عشر ألفاً, وقيل تسعة عشر ألفاً, وقيل بضعة وثلاثين ألفاً, وقيل ثمانين ألفاً, وقيل غير ذلك, والله أعلم بعدتهم. قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعاً إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم, وهم: سابور, وعاذور, وحطحط, ويصفى, واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم, وقال قائلهم {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين} ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى, بل الرعية على دين ملكهم {فلما جاء السحرة} أي إلى مجلس فرعون, وقد ضربوا له وطاقاً, وجمع خدمه وحشمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته, فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا, أي هذا الذي جمعتنا من أجله, فقالوا {أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين} أي وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي, فعادوا إلى مقام المناطرة {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا} وقد اختصر هذا ههنا, فقال لهم موسى {ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئاً هذ بثواب فلان, وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف أنهم {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم}. وقال في سورة طه {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ـ إلى قوله ـ ولا يفلح الساحر حيث أتى} وقال ههنا {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} أي تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئاً. قال الله تعالى: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ـ إلى قوله ـ رب موسى وهارون} فكان هذا أمراً عظيماً جداً, وبرهاناً قاطعاً للعذر, وحجة دامغة, وذلك أن الذي استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا, غلبوا وخضعوا, وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة, سجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة, فغلب فرعون غلباً لم يشاهد العالم مثله, وكان وقحاً جريئاً, عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل, فشرع يتهددهم ويتوعدهم ويقول {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وقال {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} الاَية.


    ** قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلّمَكُمُ السّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لاُقَطّعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلاُصَلّبَنّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنّآ إِلَىَ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ * إِنّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنّآ أَوّلَ الْمُؤْمِنِينَ تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم, وتوعدهم فما زادهم إلا إيماناً وتسليماً, وذلك إنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر, وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر إلا أن يكون الله قد أيده به, وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه, ولهذا لما قال لهم فرعون {آمنتم له قبل أن آذن لكم ؟} أي كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم, ولا تفتاتوا علي في ذلك, فإن أذنت لكم فعلتم, وإن منعتكم امتنعتم فإذني أنا الحاكم المطاع {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها, فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم, فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر ؟ هذا لا يقوله عاقل.
    ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب فقالوا {لا ضير} أي لاحرج, ولا يضرنا ذلك, ولا نبالي به {إنا إلى ربنا منقلبون} أي المرجع إلى الله عز وجل, وهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً, ولا يخفى عليه ما فعلت بنا, وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء, ولهذا قالوا {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي ما قارفنا من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر {أن كنا أول المؤمنين} أي بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم.


    ** وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيَ إِنّكُم مّتّبِعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * إِنّ هَـَؤُلآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ * وَإِنّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مّن جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ
    لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر, وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه, وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون, لم يبق لهم إلا العذاب والنكال, فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر, وأن يمضي بهم حيث يؤمر, ففعل موسى عليه السلام ما أمره به ربه عز وجل, خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حلياً كثيراً, وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر, وذكر مجاهد رحمه الله أنه كسف القمر تلك الليلة, فالله أعلم, وأن موسى عليه السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام, فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه, فاحتمل تابوته معهم, ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه عليهما السلام, وكان يوسف عليه السلام قد أوصى بذلك, إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.
    وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم رحمه الله فقال: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح, حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق, عن ابن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعاهدنا ؟» فأتاه الأعرابي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما حاجتك ؟» قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي, فقال «أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل ؟» فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله ؟ قال «إن موسى عليه السلام لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق, فقال لبني إسرائيل: ما هذا ؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا, فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف ؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل, فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف, فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي, فقال لها: وما حكمك ؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة, فكأنه ثقل عليه ذلك, فقيل له: أعطها حكمها ـ قال ـ فانطلقت معهم إلى بحيرة ـ مستنقع ماء ـ فقالت لهم: انضبوا هذا الماء, فلما أنضبوه قالت: احفروا, فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف, فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار» وهذا حديث غريب جداً, والأقرب أنه موقوف, والله أعلم, فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب, غاظ ذلك فرعون, واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار, فأرسل سريعاً في بلاده حاشرين, أي من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب, ونادى فيهم {إن هؤلاء} يعني بني إسرائيل {لشرذمة قليلون} أي لطائفة قليلة {وإنهم لنا لغائظون} أي كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا {وإنا لجميع حاذرون} أي نحن كل وقت نحذر من غائلتهم, وإني أريد أن أستأصل شأفتهم, وأبيد خضراءهم, فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم, قال الله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم} أي فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم, وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق, والملك والجاه الوافر في الدنيا {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} الاَية, وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} الاَيتين.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:11

    ** فَأَتْبَعُوهُم مّشْرِقِينَ * فَلَمّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىَ إِنّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاّ إِنّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ أَنِ اضْرِب بّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلّ فِرْقٍ كَالطّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمّ الاَخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىَ وَمَن مّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمّ أَغْرَقْنَا الاَخَرِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    ذكر غير واحد من المفسرين أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير, هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه, أولي الحل والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود, فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس, منها مائة ألف على خيل دهم, وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم, وفي ذلك نظر, والظاهر أن ذلك من مجازفات بني إسرائيل, والله سبحانه وتعالى أعلم, والذي أخبر به القرآن هو النافع, ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته, إلا أنهم خرجوا بأجمعهم {فأتبعوهم مشرقين} أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس, وهو طلوعها, {فلما تراءى الجمعان} أي رأى كل من الفريقين صاحبه, فعند ذلك {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر, وهو بحر القلزم, فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده, فلهذا قالوا {إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين} أي لا يصل إليكم شيء مما تحذرون, فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم, وهو سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد, وكان هارون عليه السلام في المقدمة, ومعه يوشع بن نون, ومؤمن آل فرعون, وموسى عليه السلام في الساقة, وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون, وجعل يوشع بن نون أو مؤمن آل فرعون, يقول لموسى عليه السلام: يا نبي الله ههنا أمرك ربك أن تسير ؟ فيقول, نعم, فاقترب فرعون وجنوده ولم يبق إلا القليل, فعند ذلك أمر الله نبيه موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر, فضربه وقال: انفلق بإذن الله.
    وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا صفوان بن صالح, حدثنا الوليد, حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء, والمكون لكل شيء, والكائن بعد كل شيء, اجعل لنا مخرجاً, فأوحى الله إليه {أن اضرب بعصاك البحر}. وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع, فبات البحر تلك الليلة وله اضطراب, ولا يدري من أي جانب يضربه موسى, فلما انتهى إليه موسى, قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله أين أمرك ربك عز وجل ؟ قال: أمرني أن أضرب البحر, قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق, أوحى الله ـ فيما ذكر لي ـ إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له, قال: فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضاً فرقاً من الله تعالى, وانتظاراً لما أمره الله, وأوحى الله إلى موسى {أن اضرب بعصاك البحر} فضربه بها, ففيها سلطان الله الذي أعطاه, فانفلق, ذكر غير واحد أنه جاء فكناه, فقال: انفلق عليّ أبا خالد بحول الله.
    قال الله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} أي كالجبل الكبير, قاله ابن مسعود وابن عباس ومحمد بن كعب والضحاك وقتادة وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس صار البحر اثني عشر طريقاً لكل سبط طريق, وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض, وقام الماء على حيلة كالحيطان. وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته, فصار يبساً كوجه الأرض, قال الله تعالى: {فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى}. وقال في هذه القصة {وأزلفنا ثم الاَخرين} أي هنالك. قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي {وأزلفنا} أي قربنا من البحر فرعون وجنوده, وأدنيناهم إليه {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الاَخرين} أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم, فلم يهلك منهم احد, وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.
    وروى ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا شبابة, حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله هو ابن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك, فأمر بشاة فذبحت, وقال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط, فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر, فقال له: انفرق, فقال له البحر: قد استكبرت يا موسى, وهل انفرقت لأحد من ولد آدم, فأنفرق لك ؟ قال, ومع موسى رجل على حصان له, فقال له ذلك الرجل, أين أمرت يا نبي الله ؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه, قال: والله ما كذب ولا كذبت, ثم اقتحم الثانية فسبح ثم خرج, فقال: أين أمرت يا نبي الله ؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كذب ولا كذبت, قال: فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر, فضربه موسى بعصاه, فانفلق, فكان فيه اثنا عشر سبطاً لكل سبط طريق يتراءون, فلما خرج أصحاب موسى, وتتام أصحاب فرعون, التقى البحر عليهم فأغرقهم.
    وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى, وتكامل أصحاب فرعون, انطم عليهم البحر, فمارئي سواد أكثر من يومئذ, وغرق فرعون لعنه الله, ثم قال تعالى: {إن في ذلك لاَية} أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين, لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم تفسيره.


    ** وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنّهُمْ عَدُوّ لِيَ إِلاّ رَبّ الْعَالَمِينَ
    هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء, أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل, وعبادة الله وحده لا شريك له, والتبري من الشرك وأهله, فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل, أي من صغره إلى كبره, فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ {قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} أي مقيمين على عبادتها ودعائها {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئاً من ذلك, وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون, فهم على آثارهم يهرعون, فعند ذلك قال لهم إبراهيم {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي إن كانت هذه الأصنام شيئاً ولها تأثير, فلتخلص إلي بالمساءة, فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها, وهذا كما قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} الاَية, وقال هود عليه السلام {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} الاَية. وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ـ إلى قوله ـ حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} يعني لا إله إلا الله.


    ** الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ * وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ
    يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء {الذي خلقني فهو يهدين} أي هو الخالق الذي قدر قدراً, وهدى الخلائق إليه, فكل يجري على ما قدر له, وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء {والذي هو يطعمني ويسقين} أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية, فساق المزن, وأنزل الماء وأحيا به الأرض, وأخرج به من كل الثمرات رزقاً للعباد, وأنزل الماء عذباً زلالا يسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً.
    وقوله {وإذا مرضت فهو يشفين} أسند المرض إلى نفسه, وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه, ولكن أضافه إلى نفسه أدباً, كما قال تعالى آمراً للمصلي أن يقول {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة, فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى, والغضب حذف فاعله أدباً, وأسند الضلال إلى العبيد, كما قالت الجن {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً} وكذا قال إبراهيم {وإذا مرضت فهو يشفين} أي إذا وقعت في مرض, فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه {والذي يميتني ثم يحيين} أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه, فإنه هو الذي يبدىء ويعيد {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدينا والاَخرة إلا هو, ومن يغفر الذنوب إلا الله, وهو الفعال لما يشاء.


    يتبع
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:40

    ** رَبّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ * وَاجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأبِيَ إِنّهُ كَانَ مِنَ الضّآلّينَ * وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
    وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكماً. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب, وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله {وألحقني بالصالحين} أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والاَخرة, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار «اللهم في الرفيق الأعلى» قالها ثلاثاً. وفي الحديث في الدعاء «اللهم أحينا مسلمين, وأمتنا مسلمين, وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين» وقوله {واجعل لي لسان صدق في الاَخرين} أي واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير, كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الاَخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين}.
    قال مجاهد وقتادة {واجعل لي لسان صدق في الاَخرين} يعني الثناء الحسن. قال مجاهد: كقوله تعالى {وآتيناه في الدنيا حسنة} الاَية, وكقوله {وآتيناه أجره في الدنيا} الاَية, قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه, وكذا قال عكرمة. وقوله تعالى: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي, وفي الاَخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله {واغفر لأبي} الاَية, كقوله {ربنا اغفر لي ولوالدي} وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام, كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ـ إلى قوله ـ إن إبراهيم لأواه حليم} وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ـ إلى قوله ـ وما أملك لك من الله من شيء}.
    وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وقال البخاري عند هذه الاَية: قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة». وفي رواية أخرى: حدثنا إسماعيل, حدثنا أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون, فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» هكذا رواه عند هذه الاَية. وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفرداً به, ولفظه «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة, وعلى وجه آزر قترة وغبرة, فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني, فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك, فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون, فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين, ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك, فينظر, فإذا هو بذيخ متلطخ, فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» وقال عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير.
    وقوله {ولا تخزني يوم يبعثون} أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله, حدثني أبي, حدثني إبراهيم بن طهمان عن محمد بن عبد الرحمن, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة, وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني, قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة, قال: يا رب وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون, فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين أبوك ؟ قال: أنت أخذته مني, قال: انظر أسفل منك, فنظر, فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه, فأخذ بقوائمه فألقي في النار» وهذا إسناد غريب, وفيه نكارة, والذيخ هو الذكر من الضباع, كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته فيلقى في النار كذلك, وقد رواه البزار بإسناده من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه غرابة, ورواه أيضاً من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
    وقوله {يوم لا ينفع مال ولا بنون} أي لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهباً {ولا بنون} أي ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً, ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له, والتبري من الشرك وأهله, ولهذا قال {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي سالم من الدنس والشرك. قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس {إلا من أتى الله بقلب سليم} حَيِيَ أن يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن وغيرهما {بقلب سليم} يعني من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح, وهو قلب المؤمن, لأن قلب المنافق مريض, قال الله تعالى: {في قلوبهم مرض}. قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة, المطمئن إلى السنة.
    ** وَأُزْلِفَتِ الْجَنّةُ لِلْمُتّقِينَ * وَبُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللّهِ إِن كُنّا لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ الْعَالَمِينَ * وَمَآ أَضَلّنَآ إِلاّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنّ لَنَا كَرّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    {أزلفت الجنة} أي قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها, وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا, وعملوا لها في الدنيا {وبرزت الجحيم للغاوين} أي أظهرت وكشف عنها, وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر, وقيل لأهلها تقريعاً وتوبيخاً {أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي ليست الاَلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئاً, ولا تدفع عن أنفسها, فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.
    وقوله {فكبكبوا فيها هم والغاوون} قال مجاهد: يعني فَدُهْوِرُوا فيها. وقال غيره: كبوا فيها, والكاف مكررة, كما يقال صرصر, والمراد أنه ألقى بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك {وجنود إبليس أجمعون} أي ألقوا فيها عن آخرهم {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} أي يقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً, فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ؟ ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} أي نجعل أمركم مطاعاً كما يطاع أمر رب العالمين, وعبدناكم مع رب العالمين {وما أضلنا إلا المجرمون} أي ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون {فما لنا من شافعين} قال بعضهم: يعني من الملائكة كما يقولون {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} وكذا قالوا {فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم} أي قريب.
    قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع, وأن الحميم إذا كان صالحاً شفع {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وذلك أنهم يتمنون أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون, والله تعالى يعلم أنهم لو ردّهم إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون, وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ثم قال تعالى: {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد لاَية, أي لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله {وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.


    ** كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
    هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام, وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد, فبعثه الله ناهياً عن ذلك ومحذراً من وبيل عقابه, فكذبه قومه, فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزل الله تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل, فلهذا قال تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون} أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره {إني لكم رسول أمين} أي إني رسول من الله إليكم, أمين فيما بعثني الله به, أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها {فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر} الاَية, أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم, بل أدّخر ثواب ذلك عند الله {فاتقوا الله وأطيعون} فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه.


    ** قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتّبَعَكَ الأرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاّ عَلَىَ رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مّبِينٌ
    يقولون: لا نؤمن لك, ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل, الذين اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا, ولهذا {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون} أي وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي ؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه, لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص, إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي, وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين} كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه, فأبى عليهم ذلك وقال {وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين} أي إنما بعثت نذيراً, فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه, سواء كان شريفاً أو وضيعاً, أو جليلاً أو حقيراً.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:43

    ** قَالُواْ لَئِنْ لّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُجْرِمِينَ * قَالَ رَبّ إِنّ قَوْمِي كَذّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجّنِي وَمَن مّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم, يدعوهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً, وسراً وجهاراً, وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد, وقالوا في الاَخر {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} أي لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك, {لتكونن من المرجومين} أي لنرجمنك, فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه, فقال {رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحاً} الاَية, كما قال في الاَية الأخرى {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} إلى آخر الاَية. وقال ههنا {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين} والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين, أي أنجينا نوحاً ومن اتبعه كلهم, وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.


    ** كَذّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتّقُواْ الّذِيَ أَمَدّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
    وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام, أنه دعا قومه عاداً, وكان قومه يسكنون الأحقاف, وهي جبال الرمل قريباً من حضرموت, من جهة بلاد اليمن, وكان زمانهم بعد قوم نوح, كما قال في سورة الأعراف {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة} وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد, والطول المديد, والأرزاق الدارة, والأموال والجنات والأنهار, والأبناء والزروع والثمار, وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه, فبعث الله هوداً إليهم رجلاً منهم رسولاً وبشيراً ونذيراً, فدعاهم إلى الله وحده, وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه, فقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} اختلف المفسرون في الريع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة, يبنون هناك بنياناً محكماً هائلاً باهراً, ولهذا قال {أتبنون بكل ريع آية} أي معلماً بناء مشهوراً {تعبثون} أي وإنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة, ولهذا أنكر عليه نبيهم عليهم السلام ذلك, لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة, واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الاَخرة, ولهذا قال {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} قال مجاهد: والمصانع البروج المشيدة والبنيان المخلد, وفي رواية عنه: بروج الحمام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء.
    قال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين {وتتخذون مصانع كأنكم خالدون}. وفي القراءة المشهورة {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} أي لكي تقيموا فيها أبداً وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم, كما زال عمن كان قبلكم. وروى ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي, حدثنا الحكم بن موسى, حدثنا الوليد, حدثنا ابن عجلان, حدثني عون بن عبد الله بن عتبة أن أبا الدرداء رضي الله عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر, قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق, فاجتمعوا إليه, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: ألا تستحيون, ألا تستحيون, تجمعون ما لا تأكلون, وتبنون ما لا تسكنون, وتأملون ما لا تدركون, إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون, ويبنون فيوثقون, ويأملون فيطيلون, فأصبح أملهم غروراً, وأصبح جمعهم بوراً, وأصبحت مساكنهم قبوراً, ألا إن عاداً ملكت ما بين عدن وعمان خيلاً وركاباً, فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين ؟.
    وقوله {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أي يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت {فاتقوا الله وأطيعون} أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم, ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم, فقال {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون, أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي إن كذبتم وخالفتم, فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب, فما نفع فيهم.


    ** قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَـَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * فَكَذّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    يقول تعالى مخبراً عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم, ورغبهم ورهبهم, وبين لهم الحق)ووضحه {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} أي لا نرجع عما نحن عليه {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك, وما نحن لك بمؤمنين} وهكذا الأمر, فإن الله تعالى قال {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} الاَية, وقولهم {إن هذا إلا خلق الأولين} قرأ بعضهم {إن هذا إلا خَلْق الأولين} بفتح الخاء وتسكين اللام. قال ابن مسعود والعوفي عن عبد الله بن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلاأخلاق الأولين, كما قال المشركون من قريش {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} وقال {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون * فقد جاءوا ظلماً وزوراً * وقالوا أساطير الأولين} وقال {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} وقرأ آخرون {إن هذا إلا خلق الأولين} بضم الخاء واللام, يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الاَباء والأجداد, ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم, نعيش كما عاشوا, ونموت كما ماتوا, ولا بعث ولامعاد, ولهذا قالوا {وما نحن بمعذبين} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إن هذا إلا خلق الأولين} يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير.
    وقوله تعالى: {فكذبوه فأهلكناهم} أي استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده, فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية, أي ريحاً شديدة الهبوب, ذات برد شديد جداً, فكان سبب إهلاكهم من جنسهم, فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره, فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة, كما قال تعالى: {ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد} وهم عاد الأولى, كما قال تعالى: {وأنه أهلك عاداً الأولى} وهم من نسل إرم بن سام بن نوح {ذات العماد} الذين كانو يسكنون العمد, ومن زعم أن إرم مدينة, فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب, وليس لذلك أصل أصيل, ولهذا قال {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم, ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد, وقال تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون} وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور, عتت على الخزنة, فأذن الله لها في ذلك, فسلكت فحصبت بلادهم, فحصبت كل شيء لهم, كما قال تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} الاَية, وقال تعالى: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ـ إلى قوله ـ حسوماً ـ أي كاملة ـ فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} أي بقوا أبداناً بلا رؤوس, وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء, ثم تنكسه على أم رأسه, فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه, كأنهم أعجاز نخل منقعر, وقد كانو تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات, وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم, فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئاً {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} ولهذا قال تعالى: {فكذبوه فأهلكناهم} الاَية.


    ** كَذّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ
    وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله صالح عليه السلام, أنه بعثه إلى قومه ثمود, وكانوا عرباً يسكنون مدينة الحِجْر التي بين وداي القرى وبلاد الشام, ومساكنهم معروفة مشهورة, وقد قدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حين أراد غزو الشام, فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك, وكانوا بعد عاد وقبل الخليل عليه السلام. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له, وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة, فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه, وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجراً منهم, وإنما يطلب ثواب ذلك من الله عز وجل, ثم ذكرهم آلاء الله علهيم, فقال

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:49

    ** أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ * فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوَاْ أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ
    يقول لهم واعظاً لهم, ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم, ومذكراً بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة وجعلهم في أمن من المحذورات, وأنبت لهم من الجنات, وفجر لهم من العيون الجاريات, وأخرج لهم من الزروع والثمرات, ولهذا قال {ونخل طلعها هضيم}. قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبلغ, فهو هضيم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ونخل طلعها هضيم} يقول: معشبة. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن أبي عمرو ـ وقد أدرك الصحابة ـ عن ابن عباس في قوله {ونخل طلعها هضيم} قال: إذا رطب واسترخى, رواه ابن أبي حاتم, ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا.
    وقال أبو إسحاق عن أبي العلاء {ونخل طلعها هضيم} قال: هو المذنب من الرطب, وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر, وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم, وأبا أمية, سمعت مجاهداً يقول {ونخل طلعها هضيم} قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه, فهو من الرطب الهضيم, ومن اليابس الهشيم, تقبض عليه فتهشمه. وقال عكرمة وقتادة: الهضيم الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضاً, فهو هضيم. وقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له, وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم ؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض, فهو الهضيم.
    وقوله {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} قال ابن عباس وغير واحد: يعني حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين أشرين, وهو اختيار مجاهد وجماعة, ولا منافاة بينهما, فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشراً وبطراً وعبثاً من غير حاجة إلى سكناها, وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها, كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم, ولهذا قال {فاتقوا الله وأطيعون} أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والاَخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا {ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} يعني رؤساءهم وكبراءهم, الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.


    ** قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحّرِينَ * مَآ أَنتَ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قَالَ هَـَذِهِ نَاقَةٌ لّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مّعْلُومٍ * وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    يقول تعالى مخبراً عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة ربهم عز وجل أنهم {قالوا إنما أنت من المسحرين} قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين. وروى أبو صالح عن ابن عباس {من المسحرين} يعني من المخلوقين, واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر:
    فإن تسألينا: فيم نحن ؟ فإنناعصافير من هذا الأنام المسحر
    يعني الذين لهم سحور, والسحر هو الرئة. والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك, ثم قالوا {ما أنت إلا بشر مثلنا} يعني فكيف أوحي إليك دوننا ؟ كما قالوا في الاَية الأخرى {أءلقي الذكر عليه من بيننا ؟ بل هو كذاب أشر * سيعلمون غداً من الكذاب الأشر} ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم, وقد اجتمع ملؤهم, وطلبوا منه أن يخرج لهم الاَن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم ـ من صفتها كذا وكذا, فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح. العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه, فأعطوه ذلك, فقام نبي الله صالح عليه السلام فصلى, ثم دعا الله عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم, فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها, فآمن بعضهم وكفر أكثرهم {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} يعني ترد ماءكم يوماً, ويوماً تردونه أنتم {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء, فمكثت الناقة بين أظهرهم حيناً من الدهر, ترد الماء وتأكل الورق والمرعى ـ وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شرباً ورياً, فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم, تمالؤوا على قتلها وعقرها {فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب} وهو أن أرضهم زلزلت زلزالاً شديداً, وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها, وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون, وأصبحوا في ديارهم جاثمين {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.


    ** كَذّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله لوط عليه السلام, وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام, وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم عليهما السلام, وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها, وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة, وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس, بينها وبين بلاد الكرك والشوبك, فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له, وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم, ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله, من إتيان الذكور دون الإناث, ولهذا قال تعالى


    ** أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبّكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُواْ لَئِن لّمْ تَنتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ الْقَالِينَ * رَبّ نّجِنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ * فَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمّ دَمّرْنَا الاَخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش, وغشيانهم الذكور, وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم, ما كان جوابهم له إلا أن قالوا {لئن لم تنته يا لوط} أي عما جئتنا به {لتكونن من المخرجين} أي ننفيك من بين أظهرنا, كما قال تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم, تبرأ منهم وقال {إني لعملكم من القالين} أي المبغضين, لا أحبه ولا أرضى به, وإني بريء منكم, ثم دعا الله عليهم فقال {رب نجني وأهلي مما يعملون} قال الله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين} أي كلهم {إلا عجوزاً في الغابرين} وهي امرأته, وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها, وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود, وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته, وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه, فصبروا لأمر الله واستمروا, وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم, وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود, ولهذا قال تعالى: {ثم دمرنا الاَخرين * وأمطرنا عليهم مطراً ـ إلى قوله ـ وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.


    ** كَذّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ
    هؤلاء ـ يعني أصحاب الأيكة ـ هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة, وهي شجرة, وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها, فلهذا لما قال: كذب أصحاب الاَيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب, وإنما قال {إذ قال لهم شعيب} فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه, وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة, فظن أن أصحاب الاَيكة غير أهل مدين, فزعم أن شعيباً عليه السلام بعثه الله إلى أمتين, ومنهم من قال: ثلاث أمم. وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي ـ وهو ضعيف ـ حدثني ابن السدي عن أبيه, وزكريا بن عمر عن خصيف عن عكرمة, قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً, مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة, ومرة إلى أصحاب الأيكة, فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة, وروى أبو القاسم البغوي عن هدبة عن همام عن قتادة في قوله تعالى: {وأصحاب الرس} قوم شعيب.
    وقوله {وأصحاب الأيكة} قوم شعيب, وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد, والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة, عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد, عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان, بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام» وهذا غريب, وفي رفعه نظر, والأشبه أن يكون موقوفاً, والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء, ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان, كما في قصة مدين سواء بسواء, فدل ذلك على أنهما أمة واحدة.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:53

    ** وَمَا تَنَزّلَتْ بِهِ الشّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنّهُمْ عَنِ السّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله {وما تنزلت به الشياطين} ثم ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم, أي ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم, لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد, وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونور وهدى وبرهان عظيم, فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة, ولهذا قال تعالى: {وما ينبغي لهم}.
    وقوله تعالى: {وما يستطيعون} أي ولو انبغى لهم ما استطاعوا ذلك, قال الله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته, لما وصلوا إلى ذلك, لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله, لأن السماء ملئت حرساً شديداً وشهباً في مدة إنزال القرآن على رسول الله, فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر, وهذا من رحمة الله بعباده, وحفظه لشرعه, وتأييده لكتابه ولرسوله, ولهذا قال تعالى: {إنهم عن السمع لمعزولون} كما قال تعالى مخبراً عن الجن {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الاَن يجد له شهاباً رصداً * ـ إلى قوله ـ أم أراد بهم ربهم رشداً}.


    ** فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ * وَتَوكّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرّحِيمِ * الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ * إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
    يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له, ومخبراً أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلمأن ينذر عشيرته الأقربين, أي الأدنين إليه, وأنه لا يخلص أحداً منهم إلا إيمانه بربه عز وجل, وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين, ومن عصاه من خلق الله كائناً من كان فليتبرأ منه, ولهذا قال تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها, كما قال تعالى: {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}, وقال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}, وقال تعالى: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً}, وقال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ}, كما قال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}. وفي صحيح مسلم «والذي نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني, ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الاَية الكريمة فلنذكرها:
    (الحديث الأول) قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الله بن نمير, عن الأعمش عن عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أنزل الله عز وجل {وأنذر عشيرتك الأقربين} أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا, فصعد عليه ثم نادى «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا بني عبد المطلب, يا بني فهر, يا بني لؤي, أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟» قالوا: نعم. قال «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم, أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله {تبت يدا أبي لهب وتب} ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به.
    (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا فاطمة ابنة محمد, يا صفية ابنة عبد المطلب, يا بني عبد المطلب, لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم» انفرد بإخراجه مسلم.
    (الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو, حدثنا زائدة, حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاَية {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً, فعم وخص فقال «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار, يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار, يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار, يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار, يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار, فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها». ورواه مسلم والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه, ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلاً, ولم يذكر فيه أبا هريرة, والموصول هو الصحيح, وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا محمد يعني ابن إسحاق, عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة, رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله , يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله, فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً, سلاني من مالي ما شئتما» تفرد به من هذا الوجه, وتفرد به أيضاً عن معاوية عن زائدة, عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ورواه أيضاً عن حسن حدثنا ابن لهيعة: عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً, وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد, حدثنا همام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم «يا بني قصي, يا بني هاشم, يا بني عبد مناف, أنا النذير, والموت المغير, والساعة الموعد».
    (الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد التيمي عن أبي عثمان عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو, قالا: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رضمة من جبل على أعلاها حجر, فجعل ينادي: «يا بني عبد مناف, إنما أنا نذير, وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله يخشى أن يسبقوه, فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه» ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن طرخان التيمي عن أبي عثمان عبد الرحمن بن سهل النهدي, عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي به.
    (الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, حدثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاَية {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته, فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا, قال: وقال لهم «من يضمن عني ديني ومواعيدي, ويكون معي في الجنة, ويكون خليفتي في أهلي ؟» فقال رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنت كنت بحراً من يقوم بهذا, قال: ثم قال الاَخر ـ ثلاثاً ـ قال: فعرض ذلك على أهل بيته, فقال علي: أنا.
    (طريق أخرى بأبسط من هذا السياق) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا أبو عوانة, حدثنا عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي رضي الله عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أو دعا رسول الله ـ بني عبد المطلب وهم رهط, وكلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق, فصنع لهم مداً من طعام فأكلوا حتى شبعوا, وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس, ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب, وقال «يابني عبد المطلب, إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة, فقد رأيتم من هذه الاَية ما رأيتم, فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي» قال: فلم يقم إليه أحد, قال: فقمت إليه وكنت أصغر القوم, قال: فقال «اجلس» ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي «اجلس» حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.
    (طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ, أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أحمد بن عبد الجبار, حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل, واستكتمني اسمه, عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاَية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عرفت أني إن بادأتُ بها قومي رأيت منهم ما أكره فصمت, فجاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك» قال علي رضي الله عنه فدعاني, فقال: يا علي «إن الله تعالى قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين, فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره, فصمت عن ذلك, ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك, فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام, وأعد لنا عس لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب» ففعلت فاجتمعوا إليه, وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً, فيهم أعمامه: أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب الكافر الخبيث, فقدمت إليهم تلك الجفنة, فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة فشقها بأسنانه, ثم رمى بها في نواحيها, وقال «كلوا بسم الله» فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم, والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اسقهم يا علي» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً, وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله, فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدما سحركم صاحبكم, فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب, فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت, ثم جمعتهم له, فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس, فأكلوا حتى نهلوا عنه, وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اسقهم يا علي» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً, وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله, فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب بالكلام, فقال: لهدما سحركم صاحبكم, فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فلما كان من الغد, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب, فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له, فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس, فأكلوا حتى نهلوا ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه, وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به, إني قد جئتكم بخير الدنيا والاَخرة» قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال عن عمرو عن عبد الله بن الحارث.


    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 8:59

    وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث, عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب فذكر مثله, وزاد بعد قوله «إني جئتكم بخير الدنيا والاَخرة, وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا ؟» قال: فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت ـ وإني لأحدثهم سناً, وأمرصهم عيناً, وأعظمهم بطناً, وأحمشهم ساقاً ـ: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه, فأخذ برقبتي ثم قال «إن هذا أخي, وكذا وكذا, فاسمعوا له وأطيعوا» قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم, وهو متروك كذاب شيعي, اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث, وضعفه الاَئمة رحمهم الله.
    (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا الحسين عن عيسى بن ميسرة الحارثي, حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي رضي الله عنه: لما نزلت هذه الاَية {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا» قال: ففعلت, ثم قال «ادع بني هاشم» قال: فدعوتهم وإنهم يومئذٍ أربعون غير رجل, أو أربعون ورجل, قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها, قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذروتها ثم قال «فأكلوا حتى شبعوا, وهي على هيئتها لم يزرؤوا منها إلا اليسير, قال: ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا, قال: وفضل فضل, فلما فرغوا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم فبدروه الكلام, فقالوا ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال «اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام» فصنعت, قال: فدعاهم فلما أكلوا وشربوا, قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى, فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لي «اصنع لي رجل شاة بصاع طعام»فصنعت, قال: فجمعتهم فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام, فقال «أيكم يقضي عني دَيْني, ويكون خليفتي في أهلي ؟» قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله, قال: وسكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس, فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. قال: وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة, وإني لأعمش العينين, ضخم البطن, خمش الساقين, فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي رضي الله عنه, ومعنى سؤاله صلى الله عليه وسلم لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله, يعني إن قتل في سبيل الله, كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل, فلما أنزل الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فعند ذلك أمن, وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الاَية {والله يعصمك من الناس} ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيماناً وإيقاناً وتصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه, ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد هذا ـ والله أعلم ـ دعاؤه الناس جهرة على الصفا, وإنذاره لبطون قريش عموماً وخصوصاً, حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته لينبه بالأدنى على الأعلى, أي إنما أنا نذير والله يهدي من يشاء إلى صرط مستقيم.
    وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي ـ غير منسوب ـ من طريق عمرو بن سمرة, عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء رضي الله عنه يحدث الناس ويفتيهم, وولده إلى جنبه, وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون, فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم, وأهل بيتك جلوس لاهين ؟ فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أزهد الناس في الدنيا الأنبياء, وأشدهم عليهم الأقربون» وذلك فيما أنزل الله عز وجل, قال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين ـ إلى قوله ـ فقل إني بريء مما تعملون}.
    وقوله تعالى: {وتوكل على العزيز الرحيم} أي في جميع أمورك, فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك. وقوله تعالى: {الذي يراك حين تقوم} أي هو معتن بك كما قال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} قال ابن عباس {الذي يراك حين تقوم} يعني إلى الصلاة. وقال عكرمة يرى قيامه وركوعه وسجوده. وقال الحسن {الذي يراك حين تقوم} إذا صليت وحدك, وقال الضحاك {الذي يراك حين تقوم} أي من فراشك أو مجلسك. وقال قتادة {الذي يراك} قائماً وجالساً وعلى حالاتك.
    وقوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} قال قتادة {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} قال: في الصلاة يراك وحدك, ويراك في الجمع, وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه, ويشهد لهذا ما صح في الحديث «سووا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري» وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الاَية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبياً. وقوله تعالى: {إنه هو السميع العليم} أي السميع لأقوال عباده, العليم بحركاتهم وسكناتهم, كما قال تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه} الاَية.** هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىَ مَن تَنَزّلُ الشّيَاطِينُ * تَنَزّلُ عَلَىَ كُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ
    يقول تعالى مخاطباً لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحق, وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه, أو أنه أتاه به رئي من الجان, فنزه الله سبحانه وتعالى جناب رسوله عن قولهم وافترائهم, ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله, وأنه تنزيله ووحيه, نزل به ملك كريم أمين عظيم, وأنه ليس من قبل الشياطين, فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة, ولهذا قال الله تعالى: {هل أنبئكم} أي أخبركم {على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم} أي كذوب في قوله وهو الأفاك {أثيم} وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان, وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة, فإن الشياطين أيضاً كذبة فسقة {يلقون السمع} أي يسترقون السمع من السماء, فيسمعون الكلمة من علم الغيب, فيزيدون معها مائة كذبة, ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس, فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء, كما صح بذلك الحديث.
    كما رواه البخاري من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان, فقال «إنهم ليسوا بشيء» قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج, فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة». وروى البخاري أيضاً: حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان, حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله, كأنها سلسلة على صفوان, فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ (قالوا للذي قال): الحق, وهو العلي الكبير, فيسمعها مسترقو السمع, ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض ـ وصف سفيان بيده, فحرفها وبدد بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته, ثم يلقيها الاَخر إلى من تحته, حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن, فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها, وربما ألقاها قبل أن يدركه, فيكذب معها مائة كذبة, فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا ؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» تفرد به البخاري. وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس, عن رجال من الأنصار قريباً من هذا, وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ {حتى إذا فزع عن قلوبهم} الاَية.
    وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الملائكة تحدث في العنان ـ والعنان: الغمام ـ بالأمر في الأرض, فتسمع الشياطين الكلمة, فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة, فيزيدون معها مائة كذبة». ورواه البخاري في موضع آخر في كتاب بدء الخلق عن سعيد بن أبي مريم, عن الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن, عن عروة عن عائشة بنحوه.
    وقوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن, وكذا قال مجاهد رحمه الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما. وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فئام من الناس, ولهذا فئام من الناس, فأنزل الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون}. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة, حدثنا ليث عن ابن الهاد عن يُحَنّس مولى مصعب بن الزبير, عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ينشد, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «خذوا الشيطان ـ أو أمسكوا الشيطان ـ لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً».

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:01

    وقوله تعالى: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون. وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من الكلام, وكذا قال مجاهد وغيره. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها مرة في شتمه فلان, ومرة في مدحة فلان. وقال قتادة: الشاعر يمدح قوماً بباطل ويذم قوماً بباطل. وقوله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} قال العوفي عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار, والاَخر من قوم آخرين, وإنهما تهاجيا, فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء, فقال الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون}. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنه هو الواقع في نفس الأمر. فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم, فيتكثرون بما ليس لهم, ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله: فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حداً: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا, لأنهم يقولون ما لا يفعلون ؟ على قولين. وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات, والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة, أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة, وكان يقول الشعر, فقال:
    ألا هل أتى الحسناء أن حليلهابميسان يسقي في زجاج وحنتم
    إذا شئت غنتني دهاقين قريةورقاصة تجذوا على كل منسم
    فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقنيولا تسقني بالأصغر المتثلم
    لعل أمير المؤمنين يسوؤهتنادمنا بالجوسق المتهدم
    فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك, ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته, وكتب إليه عمر {بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} ـ أما بعد ـ قد بلغني قولك:
    لعل أمير المؤمنين يسوؤهتنادمنا بالجوسق المتهدم
    وايم الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر, فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط, وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك, ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت, فلم يذكر أنه حده على الشراب, وقد ضمنه شعره, لأنهم يقولون ما لا يفعلون, ولكنه ذمه عمر رضي الله عنه ولامه على ذلك وعزله به, ولهذا جاء في الحديث «لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً يريه خير له من أن يمتلىء شعراً» والمراد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه هذا القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر, لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة, كما قال تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون * تنزيل من رب العالمين} وهكذا قال ههنا: {وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين} إلى أن قال {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون} إلى أن قال {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ؟ تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون * والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ؟ وأنهم يقولون ما لا يفعلون}.
    وقوله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط, عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري قال: لما نزلت {والشعراء يتبعهم الغاوون} جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الاَية أنا شعراء, فتلا النبي {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال «أنتم» {وذكروا الله كثيراً} قال «أنتم» {وانتصروا من بعد ما ظلموا} قال «أنتم» رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من رواية ابن إسحاق, وقد روى ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة, عن الوليد بن أبي كثير عن يزيد عن عبد الله, عن أبي الحسن مولى بني نوفل أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الاَية {والشعراء يتبعهم الغاوون} يبكيان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها عليهما {والشعراء يتبعهم الغاوون} حتى بلغ {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال «أنتم».
    وقال أيضاً حدثنا أبي, حدثنا أبو مسلم, حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: لما نزلت {والشعراء يتبعهم الغاوون} إلى قوله {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم, فأنزل الله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الاَية, وهكذا قال ابن عباس وعكرمة مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد: أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء, ولكن هذه السورة مكية, فكيف يكون سبب نزول هذه الاَيات شعراء الأنصار ؟ وفي ذلك نظر, ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها, والله أعلم, ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبساً من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله, ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحاً, وذكر الله كثيراً في مقابلة ما تقدم من الكلام السيء. فإن الحسنات يذهبن السيئات, وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه, كما قال عبد الله بن الزبعري حين أسلم:
    يا رسول المليك إن لسانيراتق ما فتقت إذ أنا بور
    إذ أجاري الشيطان في سنن الغــي ومن مال ميله مثبور
    وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب, كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمه وأكثرهم له هجواً, فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما كان يهجوه, ويتولاه بعد ما كان قد عاداه, وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن, قال «نعم» قال: معاوية تجعله كاتباً بين يديك ؟ قال «نعم» قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين ؟ قال «نعم» وذكر الثالثة, ولهذا قال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً} قيل: معناه ذكروا الله كثيراً في كلامهم, وقيل في شعرهم. كلاهما صحيح مكفر لما سبق.
    وقوله تعالى: {وانتصروا من بعد ما ظلموا} قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين, وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد, وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان اهجهم ـ أو قال ـ هاجهم وجبريل معك». وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل, فقال «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه, والذي نفسي بيده, لكأن ما ترمونهم به نضح النبل».
    وقوله تعالى: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}, كقوله تعالى: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} الاَية, وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إياكم والظلم, فإن الظلم ظلمات يوم القيامة», قال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} يعني من الشعراء وغيرهم, وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة قال: حضرت الحسن ومر عليه بجنازة نصراني, فقال: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. وقال عبد الله بن أبي رباح عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الاَية بكى, حتى أقول قد اندق قضيب زوره, {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.
    وقال ابن وهب: أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم, فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها أو يصطلون, إذا بركاب قد أقبلوا فقاموا إليهم, فإذا فضالة بن عبيد فيهم, فأنزلوه فجلس معهم ـ قال ـ وصاحب لنا قائم قال يصلي حتى مر بهذه الاَية {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت. وقيل: المراد بهم أهل مكة, وقيل الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الاَية عامة في كل ظالم. كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي, حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي, حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المحبر, حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا, حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب, إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب, فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه, وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}. آخر تفسير سورة الشعراء, والحمد لله رب العالمين.


    تمت سورة الشعراء

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:04

    سورة النمل
    وهي مكية
    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** طسَ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مّبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ * الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ زَيّنّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَهُمْ سُوَءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الاَخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ * وَإِنّكَ لَتُلَقّى الْقُرْآنَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
    قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى: {تلك آيات} أي هذه آيات {القرآن وكتاب مبين} أي بين واضح {هدى وبشرى للمؤمنين} أي إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه, وعمل بما فيه, وأقام الصلاة المكتوبة, وآتى الزكاة المفروضة, وأيقن بالدار الاَخرة, والبعث بعد الموت, والجزاء على الأعمال: خيرها وشرها, والجنة والنار, كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر} الاَية. وقال تعالى: {لتبشربه المتقين وتنذر به قوماً لداً}. ولهذا قال تعالى ههنا: {إن الذين لا يؤمنون بالاَخرة} أي يكذبون بها ويستبعدون وقوعها {زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} أي حسنا لهم ما هم فيه, ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم, وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الاَخرة, كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} الاَية. {أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي في الدنيا والاَخرة {وهم في الاَخرة هم الأخسرون} أي ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر. وقوله تعالى: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} أي {وإنك} يا محمد قال قتادة: {لتلقى} أي لتأخذ {القرآن من لدن حكيم عليم} أي من عند حكيم عليم, أي حكيم في أمره ونهيه, عليم بالأمور: جليلها وحقيرها, فخبره هو الصدق المحض, وحكمه هو العدل التام, كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً}.


    ** إِذْ قَالَ مُوسَىَ لأهْلِهِ إِنّيَ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لّعَلّكُمْ تَصْطَلِونَ * فَلَمّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ * يَمُوسَىَ إِنّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأَنّهَا جَآنّ وَلّىَ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يَمُوسَىَ لاَ تَخَفْ إِنّي لاَ يَخَافُ لَدَيّ الْمُرْسَلُونَ * إَلاّ مَن ظَلَمَ ثُمّ بَدّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوَءٍ فَإِنّي غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوَءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـَذَا سِحْرٌ مّبِينٌ * وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مذكراً له ما كان من أمر موسى عليه السلام, كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه أعطاه من الاَيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة, وابتعثه إلى فرعون وملئه, فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له, فقال تعالى: {إذ قال موسى لأهله} أي اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق, وذلك في ليل وظلام, فآنس من جانب الطور ناراً, أي رأى ناراً تتأجج وتضطرم, فقال {لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منها بخبر} أي عن الطريق {أو آتيكم منها بشهاب قبس لعلكم تصطلون} أي تستدفئون به وكان كما قال. فإنه رجع منها بخبر عظيم, واقتبس منها نوراً عظيماً, ولهذا قال تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} أي فلما أتاها ورأى منظراً هائلاً عظيماً حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقداً, ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة, ثم رفع رأسه, فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن ناراً, وإنما كانت نوراً يتوهج, وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين, فوقف موسى متعجباً مما رأى {فنودي أن بورك من في النار}. قال ابن عباس: تقدس {ومن حولها} أي من الملائكة, قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود هو الطيالسي, حدثنا شعبة والمسعودي عن عمرو بن مرة, سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل النهار, وعمل النهار قبل الليل», زاد المسعودي «وحجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره». ثم قرأ أبو عبيدة {أن بورك من في النار ومن حولها} وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة به. وقوله تعالى: {وسبحان الله رب العالمين} الذي يفعل ما يشاء, ولا يشبهه شيء من مخلوقاته, ولا يحيط به شيء من مصنوعاته, وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات, ولا تكتنفه الأرض والسموات, بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات.
    وقوله تعالى: {يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم} أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عز كل شيء وقهره وغلبه, الحكيم في أقواله وأفعاله, ثم أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلاً واضحاً على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء, فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك, ولهذا قال تعالى: {فلما رآها تهتز كأنها جان} والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطراباً. وفي الحديث نهي عن قتل جنان البيوت, فلما عاين موسى ذلك {ولى مدبراً ولم يعقب} أي لم يلتفت من شدة فرقه {يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} أي لا تخف مما ترى, فإني أريد أن أصطفيك رسولاً وأجعلك نبياً وجيهاً.
    وقوله تعالى: {إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم} هذا استنثاء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر, وذلك أن من كان على عمل سيء ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب, فإن الله يتوب عليه, كما قال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} وقال تعالى: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الاَية, والاَيات في هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار, وصدق من جعل له معجزة, وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه, فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف.
    وقوله تعالى: {في تسع آيات} أي هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن وأجعلهن برهاناً لك إلى فرعون وقومه {إنهم كانوا قوماً فاسقين} وهذه هي الاَيات التسع التي قال الله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} كما تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله تعالى: {فلماجاءتهم آياتنا مبصرة} أي بينة واضحة ظاهرة {قالوا هذا سحر مبين} وأرادوا معارضته بسحرهم, فغلبوا وانقلبوا صاغرين {وجحدوا بها} في ظاهر أمرهم {واستيقنتها أنفسهم} أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله, ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها {ظلماً وعلواً} أي ظلماً من أنفسهم سجية ملعونة, وعلواً أي استكباراً من اتباع الحق, ولهذا قال تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم, وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة, وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون لمحمد, الجاحدون لما جاء به من ربه, أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى, فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى, وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله, وما سبقه من البشارات من الأنبياء به, وأخذ المواثيق له, عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
    ** وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي فَضّلَنَا عَلَىَ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَأَيّهَا النّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْءٍ إِنّ هَـَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنّ وَالإِنْس وَالطّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّىَ إِذَآ أَتَوْا عَلَىَ وَادِي النّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيّهَا النّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسّمَ ضَاحِكاً مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتِيَ أَنْعَمْتَ عَلَيّ وَعَلَىَ وَالِدَيّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصّالِحِينَ
    يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمان عليهما السلام, من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة, والصفات الجميلة, وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والاَخرة, والملك والتمكين التام في الدنيا, والنبوة والرسالة في الدين, ولهذا قال تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام, أخبرني أبي عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته, لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل. قال الله تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان عليهما السلام

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:07

    ** فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللّهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُواْ للّهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
    يقول تعالى: {فمكث} الهدهد {غير بعيد} أي غاب زماناً يسيراً, ثم جاء فقال لسليمان: {أحطت بما لم تحط به} أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك {وجئتك من سبأ بنبأ يقين} أي بخبر صدق حق يقين, وسبأ هم حمير وهم ملوك اليمن, ثم قال: {إني وجدت امرأة تملكهم} قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ, وقال قتادة: كانت أمها جنية, وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة من بيت مملكة, وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان, وأمها فارعة الجنية, وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ وأمها بلتعة.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا مسدد, حدثنا سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل, تحت كل قيل مائة ألف مقاتل, وقال الأعمش: عن مجاهد كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {إني وجدت امرأة تملكهم} كانت من بيت مملكة, وكان أولو مشورتها ثلثمائة واثني عشر رجلاً, كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل, وكانت بأرض يقال لها مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء, وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن, والله أعلم.
    ** قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بّكِتَابِي هَـَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَأَيّهَا الْمَلاُ إِنّيَ أُلْقِيَ إِلَيّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَـَنِ الرّحِيمِ * أَلاّ تَعْلُواْ عَلَيّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن قيل سليمان للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم {قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} أي صدقت في إخبارك هذا {أم كنت من الكاذبين} في مقالتك لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك ؟ {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} وذلك أن سليمان عليه السلام كتب كتاباً إلى بلقيس وقومها. وأعطاه ذلك الهدهد فحمله, قيل في جناحه كما هي عادة الطير, وقيل بمنقاره, وجاء إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها, ثم تولى ناحية أدباً ورياسة, فتحيرت مما رأت وهالها ذلك, ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ففتحت ختمه وقرأته, فإذا فيه {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها, ثم قالت لهم {يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم} تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره كون طائر أتى به فألقاه إليها, ثم تولى عنها أدباً, وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك, ولا سبيل لهم إلى ذلك, ثم قرأته عليهم {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} فعرفوا أنه من نبي الله سليمان عليه السلام, وأنه لا قبل لهم به, وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة, فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها. قال العلماء: لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي, حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الخياط. حدثنا أبو يوسف عن سلمة بن صالح عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود» قلت: يا نبي الله أي آية ؟ قال «سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد» قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه, فقلت نسي ثم التفت إلي وقال: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم» هذا حديث غريب, وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الاَية. فكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} وقوله: {أن لا تعلوا عليّ} قال قتادة: يقول لا تجبروا علي {وأتوني مسلمين} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي وأتوني مسلمين. قال ابن عباس: موحدين, وقال غيره: مخلصين, وقال سفيان بن عيينة: طائعين.
    ** قَالَتْ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَفْتُونِي فِيَ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتّىَ تَشْهَدُونِ * قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوَاْ أَعِزّةَ أَهْلِهَآ أَذِلّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
    لما قرأت عليهم كتاب سليمان, استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها, ولهذا قالت {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون} أي حتى تحضرون وتشيرون {قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد} أي منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم, ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} أي نحن ليس لنا عاقة ولا بنا بأس إن شئت أن تقصديه وتحاربيه, فما لنا عاقة عنه. وبعد هذا فالأمر إليك مري فينا رأيك نمتثله ونطيعه. قال الحسن البصري رحمه الله: فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها, فلما قالوا لها ما قالوا, كانت هي أحزم رأياً منهم وأعلم بأمر سليمان, وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير. وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمراً عجيباً بديعاً, فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه ويخلص إلي وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا. ولهذا قالت {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلداً عنوة أفسدوه أي خربوه {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} قال الرب عز وجل: {وكذلك يفعلون} ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة والمخادعة والمصانعة, فقالت {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} أي سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك, فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا, أو يضرب علينا خراجاً نحمله إليه في كل عام ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة رحمه الله: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها, علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس. وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه, وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.


    ** فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُم بِجُنُودٍ لاّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنّهُم مّنْهَآ أَذِلّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ
    ذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولاَلىء وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب, والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب. قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت جواري في زي الغلمان, وغلمان في زي الجواري فقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي, قالوا: فأمرهم سليمان فتوضؤا, فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء وجعل الغلام يغترف فميزهم بذلك, وقيل بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها والغلام بالعكس, وقيل بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن إلى مرافقهن, والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم ولا منافاة بين ذلك كله, والله أعلم. وذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء لا من السماء ولا من الأرض, فأجرى الخيل حتى عرقت ثم ملأه من ذلك, وبخرزة وسلك ليجعله فيها ففعل ذلك والله أعلم أكان ذلك أم لا, وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات, والظاهر أن سليمان عليه السلام, لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية, ولا اعتنى به, بل أعرض عنه. وقال منكراً عليهم {أتمدونن بمال ؟} أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم ؟ {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف, وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف.
    قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة, فلما رأت رسلها ذلك, قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا, وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد {ارجع إليهم} أي بهديتهم {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم بقتالهم {ولنخرجنهم منها أذلة} أي ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة {وهم صاغرون} أي مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها, وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة, معظمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام, ولما تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه, ووفودهم إليه فرح بذلك وسره.


    ** قَالَ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ * قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـَذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ
    قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك, وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكابرته شيئاً, وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك, ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه. وكان من ذهب مفصص بالياقوت وال***جد واللؤلؤ, فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض, ثم أقفلت عليه الأبواب ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي, فلا يخلص إليه أحد من عباد الله, و لايرينه أحد حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}.
    وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جاثية وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه.وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر. وكان مستراً بالديباج والحرير, وكانت عليه تسعة مغاليق, فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودماؤهم, فقال {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي وزهير بن محمد {قبل أن يأتوني مسلمين} فتحرم علي أموالهم بإسلامهم {قال عفريت من الجن} قال مجاهد: أي مارد من الجن, قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن, وكذا قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان, وكذا قال أيضاً وهب بن منبه. قال أبو صالح وكان كأنه جبل {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} قال ابن عباس رضي الله عنه: يعني قبل أن تقوم من مجلسك.
    ** قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيَ أَمْ تَكُونُ مِنَ الّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنّا مُسْلِمِينَ * وَصَدّهَا مَا كَانَت تّعْبُدُ مِن دُونِ اللّهِ إِنّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنّهُ صَرْحٌ مّمَرّدٌ مّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
    لما جيء سليمان عليه السلام بعرش بلقيس قبل قدومها أمر به أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس بعرشها فقال {نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} قال ابن عباس نزع منه فصوصه ومرافقه, وقال مجاهد أمر به فغير ما كان فيه أحمر جُعل أصفر, وما كان أصفر جعل أحمر, وما كان أخضر جعل أحمر غير كل شيء عن حاله. وقال عكرمة زادوا فيه ونقصوا وقال قتادة جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره وزادوا فيه ونقصوا {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك} أي عرض عليها عرشها وقد غير ونكر وزيد فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل, ولها لب ودهاء وحزم, فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر فقالت {كأنه هو} أي يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم.
    ** وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَإِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُوَاْ أَخْرِجُوَاْ آلَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ
    يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم, وهي إتيان الذكور دون الإناث, وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال, والنساء بالنساء فقال: {أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} أي يرى بعضكم بعضاً, وتأتون في ناديكم المنكر {أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} أي لا تعرفون شيئاً لا طبعاً ولا شرعاً كما قال في الاَية الأخرى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} أي يتحرجون من فعل ما تفعلون, ومن إقراركم على صنيعكم فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم فعزموا على ذلك, فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها, قال الله تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين} أي من الهالكين مع قومها, لأنها كانت ردءاً لهم على دينهم وعلى طريقتهم, في رضاها بأفعالهم القبيحة, فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم, لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم لا كرامة لها. وقوله تعالى: {وأمطرنا عليهم مطراً} أي حجارة من سجيل منضود, مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ولهذا قال: {فساء مطر المنذرين} أي الذين قامت عليهم الحجة, ووصل إليه الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم.


    ** قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىَ عِبَادِهِ الّذِينَ اصْطَفَىَ ءَآللّهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ * أَمّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـَهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {الحمد لله} أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى, وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام, عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام, وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى, هم الأنبياء, قال: وهو كقوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}. وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين, وروي نحوه عن ابن عباس أيضاً, ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر, أن يحمدوه على جميع أفعاله, وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:11

    ** أَمّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـَهٌ مّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
    يقول تعالى: {أمن جعل الأرض قراراً} أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته مهاداً بساطاً ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الاَية الاَخرى {والله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء} {وجعل خلالها أنهاراً} أي جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك, وسيرها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حث ذرأهم في أرجاء الأرض وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه {وجعل لها رواسي} أي جبالاً شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بهم {وجعل بين البحرين حاجزاً} أي جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزاً, أي مانعاً يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا, وهذا بهذا فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقضاء كل منهما على صفته المقصودة منه, فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس, والمقصود منها أن تكون عذبة زلالاً يسقى الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب, والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحاً أجاجاً لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً} ولهذا قال تعالى: {أإله مع الله ؟} أي فعل هذا, أو يعبد على القول الأول والاَخر ؟. وكلاهما متلازم صحيح {بل أكثرهم لا يعلمون} أي في عبادتهم غيره.


    ** أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ الأرْضِ أَإِلَـَهٌ مّعَ اللّهِ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ
    ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد, المرجو عند النوازل, كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} وهكذا قال ههنا {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه, والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه. قال الإمام أحمد: أنبأنا عفان: أنبأنا وهيب, أنبأنا خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي, عن رجل من بلهجيم قال: قلت يا رسول الله إلام تدعو ؟ قال: «أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك, والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك, والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك» قال: قلت أوصني, قال: «لا تسبن أحداً ولا تزهدن في المعروف, ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك, ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي, واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين, وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة».
    وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر, فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا يونس هو ابن عبيد, حدثنا عبيدة الهجيمي, عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة, وقد وقع هدبها على قدميه فقلت: أيكم محمد رسول الله ؟ فأومأ بيده إلى نفسه, فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البادية وفيّ جفاؤهم فأوصني, قال: «لا تحقرن من المعروف شيئاً, ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط, ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي, وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك, فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره, وإياك وإسبال الإزار, فإن إسبال الإزار من المخيلة, وإن الله لا يحب المخيلة, ولا تسبن أحداً» قال: فما سببت بعده أحداً ولا شاة ولا بعيراً. وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقاً وعندهما طرف صالح منه.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن هاشم, حدثنا عبدة بن نوح عن عمر بن الحجاج, عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن, فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه, وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن, والأرضون بمن فيهن, فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه, وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب, فقلت: لا خبرة لي فيها, فقال: بل هي أقرب, فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل, فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني, ففررت من بين يديه وتبعني, فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه, فقال هو لي: وإنما أريد قتلك, فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل, فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجل, فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد, فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيه افرغ, فأجرى الله على لساني قوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً, فتعلقت بالفارسوقلت: بالله من أنت ؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً
    ** قُل لاّ يَعْلَمُ مَن فِي السّمَاواتِ والأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلماً لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله. وقوله تعالى: {إلا الله} استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الاَية, وقال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} إلى آخر السورة, والاَيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: {وما يشعرون أيان يبعثون} أي وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة كما قال تعالى: {ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة} أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن الجعد, حدثنا أبو جعفر الرازي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها, قالت: من زعم أنه يعلم ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية لأن الله تعالى يقول: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء وجعلها يهتدى بها وجعلها رجوماً للشياطين, فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه, وتكلف ما لا علم له به. وإن أناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة, من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا, ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا, ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا, ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم, وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب, وقضى الله تعالى أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون. رواه ابن أبي حاتم بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح.
    وقوله: {بل ادّارك علمهم في الاَخرة بل هم في شك منها} أي انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها, وقرأ آخرون {بل أدرك علمهم} أي تساوى علمهم في ذلك كما في الصحيح لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل وقد سأله عن وقت الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» أي تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {بل ادّارك علمهم في الاَخرة} أي غاب, وقال قتادة {بل ادّارك علمهم في الاَخرة} يعني بجهلهم بربهم, يقول لم ينفذ لهم علم في الاَخرة, هذا قول, وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس {بل ادّارك علمهم في الاَخرة} حين لم ينفع العلم, وبه قال عطاء الخراساني والسدي أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك, كما قال تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} وقال سفيان عن عمرو بن عبيد عن الحسن, أنه كان يقرأ {بل أدرك علمهم} قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الاَخرة.
    وقوله تعالى: {بل هم في شك منها} عائد على الجنس, والمراد الكافرون, كما قال تعالى: {وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة, بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً} أي الكافرون منكم. وهكذا قال ههنا: {بل هم في شك منها} أي شاكون في وجودها ووقوعها {بل هم منها عمون} أي في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.


    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـَذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ * قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن منكري البعث من المشركين أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظماً ورفاتاً وتراباً, ثم قال: {لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل} أي ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا قوعاً, وقولهم {إن هذا إلا أساطير الأولين} يعنون ما هذا الوعد بإعادة الأبدان {إلا أساطير الأولين} أي أخذه قوم عمن قبلهم من كتب يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة, قال الله تعالى مجيباً لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: {قل} يا محمد لهؤلاء {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} أي المكذبين بالرسل وبما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره كيف حلت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله ونجى الله من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين, فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته, ثم قال تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تحزن عليهم} أي المكذبين بما جئت به ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات {ولا تكن في ضيق مما يمكرون} أي في كيدك, ورد ما جئت به فإن الله مؤيدك وناصرك ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.


    ** وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَـَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَىَ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنّ رَبّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَإِنّ رَبّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ
    يقول تعالى مخبراً عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ؟} قال الله تعالى مجيباً لهم: {قل} يا محمد {عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} قال ابن عباس: أن يكون قرب أو أن يقرب لكم بعض الذي تستعجلون, وهكذا قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي, وهذا هو المراد بقوله تعالى: {ويقولون متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريباً} وقال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} وإنما دخلت اللام في قوله: {ردف لكم} لأنه ضمن معنى عجل لكم, كما قال مجاهد في رواية عنه {عسى أن يكون ردف لكم} عجل لكم.
    ثم قال الله تعالى: {وإن ربك لذو فضل على الناس} أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر, {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} {يعلم السر وأخفى} {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة, وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه, فقال تعالى: {وما من غائبة} قال ابن عباس: يعني وما من شيء {في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} وهذه كقوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير}.


    ** إِنّ هَـَذَا الْقُرْآنَ يَقُصّ عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ * إِن رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّكَ عَلَى الْحَقّ الْمُبِينِ * إِنّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَىَ وَلاَ تُسْمِعُ الصّمّ الدّعَآءَ إِذَا وَلّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مّسْلِمُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل {أكثر الذي هم فيه يختلفون} كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه فاليهود افتروا والنصارى غلوا فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام, عليه أفضل الصلاة والسلام, كما قال تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون}, وقوله {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين} أي هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم في العمليات.
    ثم قال تعالى: {إن ربك يقضي بينهم} أي يوم القيامة {بحكمه وهو العزيز} أي في انتقامه {العليم} بأفعال عباده وأقوالهم {فتوكل على الله} أي في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك {إنك على الحق المبين} أي أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية, ولهذا قال تعالى: {إنك لا تسمع الموتى} أي لا تسمعهم شيئاً ينفعهم, فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر الكفر, ولهذا قال تعالى: {ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم * إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} أي إنما يستجيب لك من هو سميع بصير, السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة, الخاضعُ لله ولما جاء عنه على ألسنة الرسل عليهم السلام.

    ** وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبّةً مّنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنّ النّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ
    هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق, يخرج الله لهم دابة من الأرض, قيل: من مكة, وقيل: من غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى فتكلم الناس على ذلك, قال ابن عباس والحسن وقتادة ويروى عن علي رضي الله عنه: تكلمهم كلاماً, أي تخاطبهم مخاطبة, وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي واختاره ابن جرير وفي هذا القول نظر لا يخفى, والله أعلم. وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم, وعنه رواية قال: كلاّ تفعل هذا وهذا, وهو قول حسن ولا منافاة, والله أعلم.
    وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة فلنذكر منها ما تيسر والله المستعان. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن فرات, عن أبي الطفيل, عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة, فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها, والدخان والدابة! وخروج يأجوج ومأجوج, وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام, والدجال, وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب, وخسف بالمشرق, وخسف بجزيرة العرب, ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس, تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا» وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من طرق عن فرات القزاز, عن أبي الطفيل عامر بن واثلة, عن حذيفة موقوفاً. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه مسلم أيضاً من حديث عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عنه مرفوعاً, فالله أعلم.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:15

    ** وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوْجاً مّمّن يُكَذّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّىَ إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا جَعَلْنَا الْلّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنّهَارَ مُبْصِراً إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن يوم القيامة وحشر الظالمين من المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله عز وجل ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا, تقريعاً وتوبيخاً وتصغيراً وتحقيراً فقال تعالى: {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً} أي من كل قوم وقرن فوجاً أي جماعة {ممن يكذب بآياتنا} كما قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} وقال تعالى: {وإذا النفوس زوجت} وقوله تعالى: {فهم يوزعون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون. وقال قتادة: وزعة يرد أولهم على آخرهم.
    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون {حتى إذا جاءوا} ووقفوا بين يدي الله عز وجل في مقام المساءلة {قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أم ماذا كنتم تعملون} أي فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم! فلما لم يكونوا من أهل السعادة وكانوا كما قال الله عنهم: {فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى} فحينئذ قامت عليهم الحجة, ولم يكن لهم عذر يعتذرون به, كما قال الله تعالى {هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون} الاَية, وهكذا قال ههنا: {ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون} أي بهتوا فلم يكن لهم جواب لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم, وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.
    ثم قال تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد لأوامره وتصديق أنبيائه فيما جاؤوا به من الحق الذي لا محيد عنه, فقال تعالى: {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} أي في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه وتهدأ أنفاسهم, ويستريحون من نصب التعب في نهارهم {والنهار مبصراً} أي منيراً مشرقاً, فبسبب ذلك يتصرفون في المعاش والمكاسب والأسفار والتجارات وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها {إن في ذلك لاَيات لقوم يؤمنون}.


    ** وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ صُنْعَ اللّهِ الّذِيَ أَتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ إِنّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
    يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور, وهو كما جاء في الحديث قرن ينفخ فيه. وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى, فينفخ فيه أولاً نفخة الفزع ويطولها وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء فيفزع من في السموات ومن في الأرض {إلا من شاء الله} وهم الشهداء, فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عبيد الله بن معاذالعنبري, حدثنا أبي, حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم, سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي, سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنه, وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله, أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوهما, لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً, إنما قلت أنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً يخرب البيت ويكون ويكون ـ ثم قال ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين ـ لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً ـ فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه, ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة, ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام, فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته, حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه» قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً, ولا ينكرون منكراً, فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون ؟ فيقولون: فما تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان, وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم, ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً ـ قال ـ وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله, قال: فيصعق ويصعق الناس, ثم يرسل الله ـ أو قال ينزل الله ـ مطراً كأنه الطل ـ أو قال: الظل, نعمان الشاك, فتنبت منه أجساد الناس, ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون, ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون, ثم يقال: أخرجوا بعث النار, فيقال: كم ؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين, قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيباً, وذلك يوم يكشف عن ساق». وقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً. الليت هو صفحة العنق, أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيداً, فهذه نفخة الفزع, ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت, ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق, ولهذا قال تعالى: {وكل أتوه داخرين} قرىء بالمد وبغيره على الفعل, وكل بمعنى واحد, وداخرين أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره, كما قال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} وقال تعالى: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} وفي حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح فتوضع في ثقب في الصور, ثم ينفخ إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها, فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج أرواح المؤمنين نوراً, وأرواح الكافرين ظلمة, فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ, ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم, قال تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون}.
    وقوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} أي تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه, وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها, كما قال تعالى: {يوم تمور السماء موراً * وتسير الجبال سيراً} قال تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} وقال تعالى: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة} وقوله تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة {الذي أتقن كل شيء} أي أتقن كل ما خلق, وأودع فيه من الحكمة ما أودع, {إنه خبير بما يفعلون} أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر, وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.
    ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ, فقال: {من جاء بالحسنة فله خير منها} قال قتادة: بالإخلاص, وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله, وقد بين تعالى في الموضع الاَخر أن له عشر أمثالها {وهم من فزع يومئذ آمنون} كما قال في الاَية الأخرى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} وقال تعالى: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة} وقال تعالى: {وهم في الغرفات آمنون} وقوله تعالى: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} أي من لقي الله مسيئاً لا حسنة له, أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه, ولهذا قال تعالى: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}. وقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم, وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي, وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم, والزهري والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله: {ومن جاء بالسيئة} يعني بالشرك.


    ** إِنّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الّذِي حَرّمَهَا وَلَهُ كُلّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَقُلْ إِنّمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبّكَ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ
    يقول تعالى مخبراً رسوله وآمراً له أن يقول: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء} كما قال تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها, كما قال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}, وقوله تعالى: {الذي حرمها} أي الذي إنما صارت حراماً شرعاً وقدراً بتحريمه لها, كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها» الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع, كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام, ولله الحمد والمنة.
    وقوله تعالى: {وله كل شيء} من باب عطف العام على الخاص, أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له. وقوله: {وأن أتلو القرآن} أي على الناس أبلغهم إياه كقوله تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الاَيات والذكر الحكيم} وكقوله تعالى: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} الاَية, أي أنا مبلغ ومنذر, {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنماأنا من المنذرين} أي لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم, وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم, وخلصوا من عهدتهم وحساب أممهم على الله تعالى, كقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} وقال {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها} أي لله الحمد الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه, والإنذار إليه, ولهذا قال تعالى: {سيريكم آياته فتعرفونها} كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الاَفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.
    وقوله تعالى: {وما ربك بغافل عما تعملون} أي بل هو شهيد على كل شيء. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر, حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي, حدثنا سعيد بن أبي سعيد, سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله, فإن الله لو كان غافلاً شيئاً لأغفل البعوضة والخردلة والذرة» وقال أيضاً: حدثنا محمد بن يحيى, حدثنا نصر بن علي قال أبي أخبرني خالد بن قيس عن مطر عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم, وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين إما له وإما لغيره:
    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقلخلوت ولكن قل علي رقيب
    ولا تحسبن الله يغفل ساعةولا أن ما يخفى عليه يغيب
    آخر تفسير سورة النمل ولله الحمد والمنة.


    تمت سورة النمل

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:28

    سورة القصص

    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا يحيى بن آدم, حدثنا وكيع عن أبيه عن أبي إسحاق عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين, فقال: ما هي معي, ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت, قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا رضي الله عنه.

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** طسَمَ * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نّبَإِ مُوسَىَ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مّا كَانُواْ يَحْذَرونَ
    فقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة, وقوله: {تلك} أي هذه {آيات الكتاب المبين} أي الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور, وعلم ما قد كان وما هو كائن. وقوله: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق} الاَية, كما قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر, ثم قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} أي تكبر وتجبر وطغى {وجعل أهلها شيعاً} أي أصنافاً قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.
    وقوله تعالى: {يستضعف طائفة منهم} يعني بني إسرائيل, وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم, هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العتيد يستعملهم في أخس الأعمال, ويكدهم ليلاً ونهاراً في أشغاله وأشغال رعيته, ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم, إهانة لهم واحتقاراً وخوفاً من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام, يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل عليه السلام, حين ورد الديار المصرية, وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية, فصانها الله منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه, فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه, فكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون, فاحترز فرعون من ذلك, وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ولن ينفع حذر من قدر, لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر, ولكل أجل كتاب, ولهذا قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ـ إلى قوله ـ يحذرون} وقد فعل تعالى ذلك بهم, كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ـ إلى قوله ـ يعرشون}. وقال تعالى: {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى, فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب, بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه, بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان, إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك, وغذاؤه من طعامك وأنت تربيه وتدلله وتتفداه, وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه, لتعلم أن رب السموات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال, الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.


    ** وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ أُمّ مُوسَىَ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنّا رَآدّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرّةُ عَيْنٍ لّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىَ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
    ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل, خافت القبط أن يفني بني إسرائيل, فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة, فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون. ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال, فيخلص إلينا ذلك, فأمر بقتل الولدان عاماً وتركهم عاماً, فولد هارون عليه السلام في السنة التي يتركون فيها الولدان, وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان, وكان لفرعون ناس موكلون بذلك, وقوابل يَدُرْنَ على النساء, فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها, فإذا كان وقت ولادتها لايقبلها إلا نساء القبط, فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن, وإن ولدت غلاماً دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا, قبحهم الله تعالى.
    فلما حملت أم موسى به عليه السلام لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها, ولم تفطن لها الدايات ولكن لما وضعته ذكراً ضاقت به ذرعاً, وخافت عليه خوفاً شديداً, وأحبته حباً زائداً, وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه, فالسعيد من أحبه طبعاً وشرعاً, قال الله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} فلما ضاقت به ذرعاً, ألهمت في سرها, وألقي في خلدها, ونفث في روعها, كما قال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل, فاتخذت تابوتاً ومهدت فيه مهداً, وجعلت ترضع ولدها, فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت, وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها, فلما كانت ذات يوم دخل عليها من تخافه, فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر, وذهلت عن أن تربطه, فذهب مع الماء واحتمله حتى مر به على دار فرعون, فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون, ولا يدرين ما فيه, وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها, فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه, فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه, وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها, ولهذا قال: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} الاَية, قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة, لا لام التعليل, لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك, ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه, ولكن إذا نظر إلى معنى السياق, فإنه تبقى اللام للتعليل, لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدواً لهم وحزناً فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه, ولهذا قال تعالى: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كتب كتاباً إلى قوم من القدرية في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن, قال الله تعالى: {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} وقلتم أنتم لو شاء فرعون أن يكون لموسى ولياً وناصراً, والله تعالى يقول: {ليكون لهم عدواً وحزناً} الاَية.
    وقوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك} الاَية, يعني أن فرعون لما رآه هم بقتله خوفاً من أن يكون من بني إسرائيل, فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه وتذب دونه وتحببه إلى فرعون, فقالت: {قرة عين لي ولك} فقال فرعون: أما لك فنعم, وأما لي فلا, فكان كذلك, وهداها الله بسببه وأهلكه الله على يديه, وقد تقدم في حديث الفتون في سورة طه هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعاً عند النسائي وغيره. وقوله: {عسى أن ينفعنا} وقد حصل لها ذلك, وهداها الله به وأسكنها الجنة بسببه. وقوله: {أو نتخذه ولداً} أي أرادت أن تتخذه ولداً وتتبناه, وذلك أنه لم يكن لها ولد منه. وقوله تعالى: {وهم لا يشعرون} أي لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة.
    ** وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىَ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلآ أَن رّبَطْنَا عَلَىَ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لاُخْتِهِ قُصّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَىَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَىَ أُمّهِ كَيْ تَقَرّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح فارغاً, أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى, قاله ابن عباس ومجاهد, وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة, والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم. {إن كادت لتبدي به} أي إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد, وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها, قال الله تعالى: {لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه} أي أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها, فقالت لها: {قصيه} أي اتبعي أثره, وخذي خبره, وتطلبي شأنه من نواحي البلد, فخرجت لذلك {فبصرت به عن جنب} قال ابن عباس: عن جانب. وقال مجاهد: بصرت به عن جنب عن بعد.

    يتبع.
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:30

    ** وَلَمّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَىَ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىَ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـَذَا مِنْ عَدُوّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الّذِي مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىَ فَقَضَىَ عَلَيْهِ قَالَ هَـَذَا مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ إِنّهُ عَدُوّ مّضِلّ مّبِينٌ * قَالَ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ * قَالَ رَبّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ
    لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى عليه السلام, ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى, آتاه الله حكماً وعلماً. قال مجاهد: يعني النبوة {وكذلك نجزي المحسنين} ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين, فقال تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} قال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء. وقال ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار, وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة {فوجد فيها رجلين يقتتلان} أي يتضاربان ويتنازعان {هذا من شيعته} أي إسرائيلي {وهذا من عدوه} أي قبطي, قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق, فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام, فوجد موسى فرصة وهي غفلة الناس, فعمد إلى القبطي {فوكزه موسى فقضىَ عليه} قال مجاهد: فوكزه أي طعنه بجمع كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه, فقضي عليه, أي كان فيها حتفه فمات {قال} موسى {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي} أي بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة {فلن أكون ظهيراً} أي معيناً {للمجرمين} أي الكافرين بك, المخالفين لأمرك.


    ** فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقّبُ فَإِذَا الّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنّكَ لَغَوِيّ مّبِينٌ * فَلَمّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالّذِي هُوَ عَدُوّ لّهُمَا قَالَ يَمُوسَىَ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاّ أَن تَكُونَ جَبّاراً فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي أنه أصبح {في المدينة خائفاً} أي من معرة ما فعل {يترقب} أي يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر فمر في بعض الطرق, فإذا ذلك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر, فلما مر عليه موسى استصرخه على الاَخر, فقال له موسى {إنك لغوي مبين} أي ظاهر الغواية كثير الشر, ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي, فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك, فقال يدفع عن نفسه {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ؟} وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى عليه السلام, فلما سمعها ذلك القبطي لقفها من فمه, ثم ذهب بها إلى باب فرعون وألقاها عنده, فعلم فرعون بذلك, فاشتد حنقه, وعزم على قتل موسى, فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.


    ** وَجَآءَ رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىَ قَالَ يَمُوسَىَ إِنّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ
    قال تعالى: {وجاء رجل} وصفه بالرجولية, لأنه خالف الطريق, فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه, فسبق إلى موسى, فقال له: يا موسى {إن الملأ يأتمرون بك} أي يتشاورون فيك {ليقتلوك فاخرج} أي من البلد {إني لك من الناصحين}.


    ** فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقّبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىَ رَبّيَ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السّبِيلِ * وَلَمّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مّنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتّىَ يُصْدِرَ الرّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىَ لَهُمَا ثُمّ تَوَلّىَ إِلَى الظّلّ فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
    لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره, خرج من مصر وحده, ولم يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة {فخرج منها خائفاً يترقب} أي يتلفت {قال رب نجني من القوم الظالمين} أي من فرعون وملئه, فذكروا أن الله سبحانه وتعالى بعث إليه ملكاً على فرس, فأرشده إلى الطريق, فالله أعلم {ولما توجه تلقاء مدين} أي أخذ طريقاً سالكاً مهيعاً, فرح بذلك {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} أي الطريق الأقوم, ففعل الله به ذلك وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والاَخرة, فجعله هادياً مهدياً {ولما ورد ماء مدين} أي لما وصل إلى مدين وورد ماءها, وكان لها بئر يرده رعاء الشاء {وجد عليه أمة من الناس يسقون} أي جماعة يسقون, {ووجد من دونهم امرأتين تذودان} أي تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا, فلما رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما {قال ما خطبكما ؟} أي ما خبركما لا تردان مع هؤلاء ؟ {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء} أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء {وأبونا شيخ كبير} أي فهذا الحال الملجىء لنا إلى ما ترى, قال الله تعالى: {فسقى لهما} قال أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله, أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين, وجد عليه أمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر, ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال, فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما ؟ فحدثتاه, فأتى الحجر فرفعه, ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم, إسناد صحيح.
    وقوله تعالى: {ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر, وكان حافياً, فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه, وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه, وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع, وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه, وإنه لمحتاج إلى شق تمرة, وقوله {إلى الظل} قال ابن عباس وابن مسعود والسدي: جلس تحت شجرة. وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي, حدثنا أبي, حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله ـ هو ابن مسعود ـ قال: حثثت على جمل ليلتين حتى صبحت مدين, فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى, فإذا هي شجرة خضراء ترف, فأهوى إليها جملي وكان جائعاً فأخذها جملي فعالجها ساعة ثم لفظها, فدعوت الله لموسى عليه السلام ثم انصرفت. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها موسى, كما سيأتي إن شاء الله, فالله أعلم. وقال السدي, كانت الشجرة من شجر السمر. وقال عطاء بن السائب لما قال موسى {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} أسمع المرأة.


    ** فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمّا جَآءَهُ وَقَصّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الأمِينُ * قَالَ إِنّيَ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَىَ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيّ وَاللّهُ عَلَىَ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
    لما رجعت المرأتان سريعاً بالغنم إلى أبيهما, أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعاً, فسألهما عن خبرهما, فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام, فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها, قال الله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} أي مشي الحرائر, كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: كانت مستترة بكم درعها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم, حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها, ليست بسلفع من النساء دلاجة ولاجة خراجة. هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السلفع من الرجال الجسور, ومن النساء الجارية السليطة, ومن النوق الشديدة. {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلباً مطلقاً لئلا يوهم ريبة, بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا, يعني ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا {فلما جاءه وقص عليه القصص} أي ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} يقول: طب نفساً وقر عيناً, فقد خرجت من مملكتهم, فلا حكم لهم في بلادنا, ولهذا قال: {نجوت من القوم الظالمين}.
    وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو ؟ على أقوال أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين, وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء, وقد قاله الحسن البصري وغير واحد, ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز الأوسي, حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيباً هو الذي قص عليه موسى القصص, قال {لا تخف نجوت من القوم الظالمين}. وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد الغزي أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له «مرحباً بقوم شعيب وأختان موسى هديت» وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون. كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة لأنه قال لقومه {وما قوم لوط منكم ببعيد} وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن, وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة, كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيباً عاش مدة طويلة, إنما هو ـ والله أعلم ـ احتراز من هذا الإشكال, ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن ههنا, وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده, كما سنذكره قريباً إن شاء الله, ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه ثيرون, والله اعلم
    وقوله تعالى: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} أي قالت إحدى ابنتي هذا الرجل, قيل هي التي ذهبت وراء موسى عليه السلام, قالت لأبيها {يا أبت استأجره} أي لرعية هذه الغنم. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت {إن خير من استأجرت القوي الأمين} قال لها أبوها: وما علمك بذلك ؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال, وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي, فإذا اختلفت علي الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر, وصاحب يوسف حين قال أكرمي مثواه, وصاحبة موسى حين قالت {يا أبت استأجره إن خير من أستأجرت القوي الأمين} قال {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} أي طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين, قال شعيب الجبائي: وهما صفوريا وليا. وقال محمد بن إسحاق: صفوريا وشرفا, ويقال ليا, وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الاَية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك أحد هذين العبدين بمائة, فقال: اشتريت, أنه يصح, والله أعلم.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:34

    ** فَلَمّا جَآءَهُم مّوسَىَ بِآيَاتِنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـَذَا فِيَ آبَآئِنَا الأوّلِينَ * وَقَالَ مُوسَىَ رَبّيَ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَىَ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدّارِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ
    يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة, والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره, فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه, وأيقنوا أنه من عند الله, عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة, وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا {ما هذا إلا سحر مفترى} أي مفتعل مصنوع, وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك.
    وقوله: {وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} يعنون عبادة الله وحده لا شريك له, يقولون: ما رأينا أحداً من آبائنا على هذا الدين, ولم نرَ الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى, فقال موسى عليه السلام مجيباً لهم {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} يعني مني ومنكم, وسيفصل بيني وبينكم, ولهذا قال: {ومن تكون له عاقبة الدار} أي من النصرة والظفر والتأييد {إنه لا يفلح الظالمون} أي المشركون بالله عز وجل.


    ** وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيّهَا الْملاُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَهَامَانُ عَلَى الطّينِ فَاجْعَل لّي صَرْحاً لّعَلّيَ أَطّلِعُ إِلَىَ إِلَـَهِ مُوسَىَ وَإِنّي لأظُنّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَظَنّوَاْ أَنّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مّنَ الْمَقْبُوحِينَ
    يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه الله, كما قال الله تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه} الاَية, وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية, فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم, ولهذا قال: {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وقال تعالى إخباراً عنه: {فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الاَخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} يعني أنه جمع قومه, ونادى فيهم بصوته العالي مصرحاً لهم بذلك, فأجابوه سامعين مطيعين, ولهذا انتقم الله تعالى منه, فجعله عبرة لغيره في الدنيا والاَخرة, وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك, فقال: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}.
    وقوله: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى} يعني أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين, يعني يتخذ له آجراً لبناء الصرح وهوالقصر المنيف الرفيع العالي, كما قال في الاَية الاَخرى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يرَ في الدنيا بناء أعلى منه, إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون, ولهذا قال: {وإني لأظنه من الكاذبين} أي في قوله: إن ثم رباً غيري, لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا, فإنه قال: {وما رب العالمين ؟} وقال: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} وقال {يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وهذا قول ابن جرير.
    وقوله تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي طغوا وتجبروا, وأكثروا في الأرض الفساد, واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد {فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد} ولهذا قال تعالى ههنا: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة, فلم يبقَ منهم أحد {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} أي لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع {ويوم القيامة لا ينصرون} أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولاً بذل الاَخرة, كما قال تعالى: {أهلكناهم فلا ناصر لهم}. وقوله تعالى: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله, كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك {ويوم القيامة هم من المقبوحين} قال قتادة: وهذه الاَية كقوله تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود}.


    ** وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاُولَىَ بَصَآئِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ
    يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم, عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم, من إنزال التوارة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه. وقوله تعالى: {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} يعني أنه بعد إنزال التوارة لم يعذب أمة بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين, كما قال تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوارة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى, ثم قرأ {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} الاَية, ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي بنحوه, وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى القطان عن عوف عن أبي نضرة, عن أبي سعيد موقوفاً, ثم رواه عن نصر بن علي عن عبد الأعلى عن عوف, عن أبي نضرة عن أبي سعيد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى» ثم قرأ {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} الاَية. وقوله: {بصائر للناس وهدى ورحمة} أي من العمى والغي, وهدى إلى الحق ورحمة, أي إرشاداً إلى العمل الصالح {لعلهم يتذكرون} أي لعل الناس يتذكرون به ويهتدون بسببه.


    ** وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىَ مُوسَى الأمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ الشّاهِدِينَ * وَلَكِنّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيَ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـَكِن رّحْمَةً مّن رّبّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أَتَاهُم مّن نّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * وَلَوْلآ أَن تُصِيبَهُم مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
    يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم, وهو رجل أمي لا يقرأ شيئاً من الكتب, نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من ذلك, كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} الاَية, أي وما كنت حاضراً لذلك, ولكن الله أوحاه إليك, وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه, وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه, ثم قال تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} الاَية, وقال في آخر السورة {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك} وقال بعد ذكر قصة يوسف {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} الاَية, وقال في سورة طه: {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} الاَية, وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها, وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطىء الوادي {وما كنت من الشاهدين} لذلك ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك, ليكون حجة وبرهاناً على قرون قد تطاول عهدها, ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين

    ** فَلَمّا جَآءَهُمُ الْحَقّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلآ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىَ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنّا بِكُلّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مّنْ عِندِ اللّهِ هُوَ أَهْدَىَ مِنْهُمَآ أَتّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم, لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى الله عليه وسلم, قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} الاَية, يعنون ـ والله أعلم ـ من الاَيات كثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار, مما يضيق على أعداء الله, وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الاَيات الباهرة, والحجج القاهرة, التي أجراها الله تعالى على يدي موسى عليه السلام حجة وبرهاناً له على فرعون وملئه وبني إسرائيل, ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه, بل كفروا بموسى وأخيه هارون, كما قالوا لهما {أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} وقال تعالى: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} ولهذا قال ههنا: {أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الاَيات العظيمة {قالوا سحران تظاهرا} أي تعاونا {وقالوا إنا بكل كافرون} أي بكل منهما كافرون, ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون, دل ذكر أحدهما على الاَخر, كما قال الشاعر:
    فما أدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني
    أي فما أدري يليني الخير أو الشر. قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك, فقال الله: {أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا} قال يعني موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم {تظاهرا} أي تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الاَخر ؟ وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله {ساحران} يعنون موسى وهارون, وهذا قول جيد قوي, والله أعلم. وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس {قالوا ساحران تظاهرا} قال: يعنون موسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلم, وهذه رواية الحسن البصري. وقال الحسن وقتادة: يعني عيسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلم, وهذا فيه بعد, لأن عيسى لم يجر له ذكر ههنا, والله أعلم.
    وأما من قرأ {سحران تظاهرا} فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون التوارة والقرآن, وكذا قال عاصم الجندي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال السدي: يعني صدق كل واحد منهما الاَخر. وقال عكرمة: يعنون التوارة والإنجيل, وهو رواية عن أبي زرعة, واختاره ابن جرير. وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن, والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب, والظاهر على قراءة {سحران} أنهم يعنون التوارة والقرآن, لأنه قال بعده: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} وكثيراً ما يقرن الله بين التوارة والقرآن, كما في قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ـ إلى أن قال ـ وهذا كتاب أنزلناه مبارك} وقال في آخر السورة: {ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن} الاَية, وقال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} وقال الجن {إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لمن بين يديه} وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتاباً من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا)أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم, وهو القرآن, وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران عليه السلام, وهو الكتاب الذي قال الله فيه: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} والإنجيل إنما أنزل متمماً للتوراة, ومحلاً لبعض ما حرم على بني إسرائيل, ولهذا قال تعالى: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} أي فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل, قال الله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك} أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم, ولم يتبعوا الحق {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي بلا دليل ولا حجة {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} أي بغير حجة مأخوذة من كتاب الله {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.
    وقوله تعالى: {ولقد وصلنا لهم القول} قال مجاهد: فصلنا لهم القول. وقال السدي: بينا لهم القول. وقال قتادة: يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى, وكيف هو صانع {لعلهم يتذكرون} قال مجاهد وغيره {وصلنا لهم} يعني قريشاً, وهذا هو الظاهر, لكن قال حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن رفاعة, رفاعة هذا هو ابن قرظة القرظي, وجعله ابن مندة: رفاعة بن شموال خال صفية بنت حيي وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا, كذا ذكره ابن الأثير ـ قال: نزلت {ولقد وصلنا لهم القول} في عشرة أنا أحدهم, رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه.


    ** الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ آمَنّا بِهِ إِنّهُ الْحَقّ مِن رّبّنَآ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَـَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مّرّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السّيّئَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ اللّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ
    يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن, كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} وقال تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} وقال تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً} وقال تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ـ إلى قوله ـ فاكتبنا مع الشاهدين}. قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي, فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم {يس والقرآن الحكيم} حتى ختمها, فجعلوا يبكون وأسلموا, ونزلت فيهم هذه الاَية الأخرى {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني من قبل هذا القرآن كنا مسلمين, أي موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني, ولهذا قال: {بما صبروا} أي على اتباع الحق, فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس, وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي, وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه,ورجل كانت له أمة, فأدبها فأحسن تأديبها, ثم أعتقها فتزوجها». وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني, حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح, فقال قولاً حسناً جميلاً, وقال فيما قال: «من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين وله ما لنا وعليه وما علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا».
    وقوله تعالى: {ويدرءون بالحسنة السيئة} أي لا يقابلون السيء بمثله, ولكن يعفون ويصفحون {ومما رزقناهم ينفقون} أي ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم, والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات. وقوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم, بل كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه, أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح, ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب, ولهذا قال عنهم إنهم قالوا {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.
    قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة, فوجدوه في المسجد, فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه, ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة, فلما فرغوا من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا, دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن, فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع, ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه, وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره, فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش, فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب, بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل, فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال: قال: ما نعلم ركباً أحمق منكم, أو كما قالوا لهم فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه, ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيراً. قال: ويقال إن النفر النصارى من أهل نجران, فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال ـ والله أعلم ـ أن فيهم نزلت هذه الاَيات {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ـ إلى قوله ـ لا نبتغي الجاهلين} قال: وسألت الزهري عن هذه الاَيات فيمن نزلت ؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي الله عنهم والاَيات اللاتي في سورة المائدة {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ـ إلى قوله ـ فاكتبنا مع الشاهدين}.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:39

    ** وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىَ حَتّىَ يَبْعَثَ فِيَ أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنّا مُهْلِكِي الْقُرَىَ إِلاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ
    يقول تعالى معرضاً بأهل مكة في قوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق, كما قال في الاَية الأخرى {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ـ إلى قوله ـ فأخذهم العذاب وهم ظالمون} ولهذا قال تعالى: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله تعالى: {وكنا نحن الوارثين} أي رجعت خراباً ليس فيها أحد.
    وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود أنه سمع كعباً يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة ـ يعني البومة ـ: ما لك لا تأكلين الزرع ؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه, قال: فما لك لا تشربين الماء ؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب ؟ قالت لأنه ميراث الله تعالى, ثم تلا {وكنا نحن الوارثين} ثم قال تعالى مخبراً عن عدله وأنه لا يهلك أحداً ظالماً له, وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم, ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة {رسولاً يتلو عليهم آياتنا} فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام, كما قال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وتمام الدليل قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً} الاَية, فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة, وقد قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى, لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ولهذا ختم به النبوة والرسالة, فلا نبي من بعده ولا رسول, بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة, وقيل المراد بقوله: {حتى يبعث في أمها رسولاً} أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم, حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما, وليس ببعيد.


    ** وَمَآ أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مّتّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا, وما فيها من الزينة الدنيئة, والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الاَخرة من النعيم العظيم المقيم, كما قال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وقال: {وما عند الله خير للأبرار} وقال: {وما الحياة الدنيا في الاَخرة إلا متاع} وقال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والاَخرة خير وأبقى} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والله ما الحياة الدنيا في الاَخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم, فلينظر ماذا يرجع إليه».
    وقوله تعالى: {أفلا تعقلون ؟} أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الاَخرة. وقوله تعالى: {أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة, كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده, فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً قلائل {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} قال مجاهد وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل في حمزة وعلي وأبي جهل, وكلاهما عن مجاهد, الظاهر أنها عامة, وهذا كقوله تعالى إخباراً عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات, وذاك في الدركات, فقال: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} وقال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون}.


    ** وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الّذِينَ حَقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبّنَا هَـَؤُلآءِ الّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوَاْ إِيّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ لَوْ أَنّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَأَمّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىَ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
    يقول تعالى مخبراً عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني أين الاَلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد, هل ينصرونكم أو ينتصرون ؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد, كما قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون}.
    وقوله: {قال الذين حق عليهم القول} يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} فشهدوا عليهم أنه أغووهم فاتبعوهم ثم تبرءوا من عبادتهم, كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً} وقال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} وقال الخليل عليه السلام لقومه {إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} الاَية, وقال الله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ـ إلى قوله ـ وما هم بخارجين من النار} ولهذا قال: {وقيل ادعوا شركاءكم} أي ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب} أي وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.
    وقوله: {لو أنهم كانوا يهتدون} أي فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا, وهذا كقوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقاً * ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً}. وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} النداء الأول عن سؤال التوحيد, وهذا فيه إثبات النبوات, ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم, وكيف كان حالكم معهم ؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك, ومن نبيك, وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله, وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري, ولهذا لاجواب له يوم القيامة غير السكوت, لأن من كان في هذه أعمى, فهو في الاَخرة أعمى وأضل سبيلاً, ولهذا قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج, فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله {فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً} أي في الدنيا {فعسى أن يكون من المفلحين} أي يوم القيامة وعسى من الله موجبة, فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة.

    ** وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ * وَرَبّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الاُولَىَ وَالاَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
    يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار, وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب, قال تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي ما يشاء, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, فالأمور كلها خيرها وشرها بيده, ومرجعها إليه, وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين, كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقد اختار ابن جرير أن {ما} ههنا بمعنى الذي تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة, وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح, والصحيح أنها نافية, كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضاً. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار, وأنه لا نظير له في ذلك, ولهذا قال {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً.
    ثم قال تعالى: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي يعلم ما تكن الضمائر, وما تنطوي عليه السرائر, كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}. وقوله {وهو الله لا إله إلا هو} أي هو المنفرد بالإلهية, فلا معبود سواه, كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه {له الحمد في الأولى والاَخرة} أي في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته {وله الحكم} أي الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته {وإليه ترجعون} أي جميعكم يوم القيامة, فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر, ولايخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.


    ** قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الْلّيْلَ سَرْمَداً إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النّهَارَ سَرْمَداً إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِن رّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ
    يقول تعالى ممتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائماً عليهم سرمداً إلى يوم القيامة, لأضر ذلك بهم, ولسئمته النفوس وانحصرت منه, ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي تبصرون به وتستأنسون بسببه {أفلا تسمعون ؟} ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمداً, أي دائماً مستمراً إلى يوم القيامة, لأضر ذلك بهم, ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال, ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي تستريحون من حركاتكم وأشغالكم {أفلا تبصرون * ومن رحمته} أي بكم {جعل لكم الليل والنهار} أي خلق هذا وهذا {لتسكنوا فيه} أي في الليل {ولتبتغوا من فضله} أي في النهار بالأسفار والترحال, والحركات والأشغال, وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار, ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار, أو بالنهار استدركه بالليل, كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً} والاَيات في هذا كثيرة.


    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:48

    ** وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوَاْ أَنّ الْحَقّ لِلّهِ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
    وهذا أيضاً نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر, يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي في دار الدنيا {ونزعنا من كل أمة شهيداً} قال مجاهد: يعني رسولاً {فقلنا هاتوا برهانكم} أي على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء {فعلموا أن الحق لله} أي لا إله غيره, فلم ينطقوا ولم يحيروا جواباً {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي ذهبوا فلم ينفعوهم.


    ** إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ
    قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال {إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه, وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عم موسى عليه السلام. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام, قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه, والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى, وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة, ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري, فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه.
    وقوله: {وآتيناه من الكنوز} أي الأموال {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود, كل مفتاح مثل الإصبع, كل مفتاح على خزانة على حدته, فإذا ركب حملت على ستين بغلاً أغر محجلاً, وقيل غير ذلك, والله أعلم. وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه, فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه, يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال, {إن الله لا يحب الفرحين} قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
    وقوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الاَخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات, التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والاَخرة {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح, فإن لربك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, ولزورك عليك حقاً, فآت كل ذي حق حقه {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي أحسن إلى خلقه, كما أحسن هو إليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض, وتسيء إلى خلق الله {إن الله لا يحب المفسدين}.


    ** قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه, وأرشدوه إلى الخير {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي لا أفتقر إلى ما تقولون, فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي, فتقديره إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له, وهذا كقوله تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} أي على علم من الله بي, وكقوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} أي هذا أستحقه.
    وقد روي عن بعضهم أنه أراد {إنما أوتيته على علم عندي} أي أنه كان يعاني علم الكيمياء, وهذا القول ضعيف, لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل, لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل, قال الله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له}. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي, فليخلقوا ذرة, فليخلقوا شعيرة» وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل, فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى ؟ هذا زور ومحال, وجهل وضلال, وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة, وهي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعاً لا محالة, ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون, فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهباً أو فضة أو نحو ذلك, فهذا أمر لا ينكره مسلم, ولا يرده مؤمن, ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات, وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله, كما روي عن حيوة بن شريح المصري رحمه الله تعالى أنه سأله سائل, فلم يكن عنده ما يعطيه, ورأى ضرورته, فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه, ثم ألقاها إلى ذلك السائل, فإذا هي ذهب أحمر, والأحاديث والاَثار في هذا كثيرة جداً يطول ذكرها.
    وقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم, فدعا الله به فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول, ولهذا قال الله تعالى راداً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} أي قد كان من هو أكثر منه مالاً, وما كان ذلك عن محبة منّاله, وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم, ولهذا قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي لكثرة ذنوبهم قال قتادة {على علم عندي} على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك.
    وقد أجاد في تفسير هذه الاَية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, فإنه قال في قوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال, وقرأ {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} الاَية, وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي.


    ** فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللّهِ خَيْرٌ لّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقّاهَآ إِلاّ الصّابِرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة, وتجمل باهر, من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه, فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها وزينتها, تمنوا أن لو كان لهممثل الذي أعطي {قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي ذو حظ وافر من الدنيا, فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} أي جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الاَخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}. وقوله: {ولا يلقاها إلا الصابرون} قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون, كأنه جعل ذلك من تمام الكلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الاَخرة وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أولئك, وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك.


    ** فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الّذِينَ تَمَنّوْاْ مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مّنّ اللّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ
    لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض, كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به, فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص, حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما, أمر الله الأرض فأخذته, فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة» تفرد به أحمد, وإسناده حسن.
    وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي, حدثنا أبو خيثمة, حدثنا أبو يعلى بن منصور, أخبرني محمد بن مسلم, سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما, فأمر الله الأرض فأخذته, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شاباً في مسجد نجران, فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله, فقال: ما لك تنظر إلي ؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني, قال فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر, فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:51

    وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله عليه السلام, واختلف في سببه فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغياً مالاً على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى, فتقول يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا, فلما قالت ذلك في الملأ لموسى عليه السلام أرعد من الفرق, وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون, وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت ؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك, وأنا أستغفر الله وأتوب إليه, فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجداً, وسأل الله في قارون, فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه, فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره, فكان ذلك, وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب, وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة, فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام وهو يذكرهم بأيام الله, فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه, فدعاه موسى عليه السلام وقال: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا, ولئن شئت لنخرجن فلتدعون علي وأدعو عليك, فخرج موسى وخرج قارون في قومه, فقال موسى عليه السلام: تدعو أو أدعو أنا, فقال: بل أدعو أنا, فدعا قارون فلم يجب له, ثم قال موسى: أدعو ؟ قال: نعم, فقال موسى: اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم, فأوحى الله إِليه أني قد فعلت, فقال موسى: يا أرض خذيهم, فأخذتهم إِلى أقدامهم ثم قال: خذيهم, فأخذتهم إِلى ركبهم, ثم إِلى مناكبهم, ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها, ثم أشار موسى بيده, ثم قال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض, وعن ابن عباس قال: خسف بهم إِلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة, فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة, وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحاً. وقوله تعالى: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه, ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله, ولا كان هو في نفسه منتصراً لنفسه, فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره.


    ** تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ * مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الّذِينَ عَمِلُواْ السّيّئَاتِ إِلاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
    يخبر تعالى أن الدار الاَخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول, جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علواً في الأرض أي ترفعاً على خلق الله وتعاظماً عليهم وتجبراً بهم ولا فساداً فيهم, كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو البغي. وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق, والفساد أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج {لا يريدون علواً في الأرض} تعظماً وتجبراً {ولا فساداً} عملاً بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه, فيدخل في قوله تعالى: {تلك الدار الاَخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين} وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره, فإن ذلك مذموم, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل, فهذا لا بأس به, فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسناً ونعلي حسنة, أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: «لا, إن الله جميل يحب الجمال». وقال تعالى: {من جاء بالحسنة} أي يوم القيامة {فله خير منها} أي ثواب الله خير من حسنة العبد, فكيف والله يضاعفه أضعافاً كثيرة, وهذا مقام الفضل ثم قال: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} كما قال في الاَية الأخرى: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار, هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} وهذا مقام الفضل والعدل
    ** إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ قُل رّبّيَ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَىَ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوَ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاّ رَحْمَةً مّن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ ظَهيراً لّلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدّنّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ وَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـَهاً آخَرَ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
    يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس, ومخبراً له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة, فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة, ولهذا قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} أي افترض عليك أداءه إلى الناس {لرادك إلى معاد} أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك, كما قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} وقال تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} وقال: {وجيء بالنبيين والشهداء}.
    وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي, وقال أبو سيعد مثلها, وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {لرادك إلى معاد} قال: إلى يوم القيامة, ورواه مالك عن الزهري, وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} إلى الموت, ولهذا طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما, وفي بعضها لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة, وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح. وقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعاداً فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك.
    كما قال البخاري في التفسير من صحيحه: حدثنا محمد بن مقاتل, أنبأنا يعلى, حدثنا سفيان العصفري عن عكرمة عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة, وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه, وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به, وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله: {لرادك إلى معاد} إلى مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك.
    وحدثنا أبي, حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة, فبلغ الجحفة, اشتاق إلى مكة, فأنزل الله عليه {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إلى مكة, وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الاَية مدنية وإن كان مجموع السورة مكياً, والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لرادك إلى معاد} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها.
    وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارىء أنه قال في قوله: {لرادك إلى معاد} قال إلى بيت المقدس, وهذا ـ والله أعلم ـ يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة, لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة, وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم, كما فسر ابن عباس سورة {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى آخر السورة, أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه, وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب, ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم, ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: {لرادك إلى معاد} بالموت, وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت, وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن, ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق.
    وقوله تعالى: {قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني, وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار, ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والاَخرة. ثم قال تعالى مذكراً لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك {ولكن رحمة من ربك} أي إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك, فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة {فلا تكونن ظهيراً} أي معيناً {للكافرين} ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله, فإن الله معلٍ كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان, ولهذا قال: {وادع إلى ربك} أي إلى عبادة ربك وحده لا شريك له {ولا تكونن من المشركين}.
    وقوله: {ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو} أي لا تليق العبادة إلا له, ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته, وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم, الذي تموت الخلائق ولا يموت, كما قال تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} فعبر بالوجه عن الذات, وهكذا قوله ههنا: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد ـ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ـ». وقال مجاهد والثوري في قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا ما أريد به وجهه, وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له, قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:
    أستغفر الله ذنباً لست محصيهرب العباد إليه الوجه والعمل
    وهذا القول لا ينافي القول الأول, فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة, والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس, فإنه الأول الاَخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا عمر بن سليم الباهلي, حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة, فيقف على بابها فينادي بصوت حزين, فيقول أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله: {له الحكم} أي الملك والتصرف ولا معقب لحكمه {وإليه ترجعون} أي يوم معادكم, فيجزيكم بأعمالكم إن خيراً فخير, وإن شراً فشر. آخر تفسير سورة القصص ولله الحمد والمنة.

    تمت سورة القصص
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 9:56

    سورة العنكبوت

    وهي مكية بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** الَـمَ * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
    أما الكلام على الحروف المقطعة, فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناوهم لا يفتنون} استفهام إنكار, ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان, كما جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء, ثم الصالحون, ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» وهذه الاَية كقوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} ولهذا قال ههنا {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه, والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون, وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة, وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: {إلا لنعلم} إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود, والعلم أعم من الرؤية, فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.
    وقوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان, فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم, ولهذا قال: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} أي يفوتونا {ساء ما يحكمون} أي بئس ما يظنون.


    ** مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ اللّهِ فَإِنّ أَجَلَ اللّهِ لاَتٍ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنّ اللّهَ لَغَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَنُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَحْسَنَ الّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ
    يقول تعالى: {من كان يرجو لقاء الله} أي في الدار الاَخرة, وعمل الصالحات ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل, فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كلاماً موفراً, فإن ذلك كائن لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات, ولهذا قال تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لاَت وهو السميع العليم} وقوله تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} كقوله تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه} أي من عمل صالحاً فإنما يعود نفع عمله على نفسه, فإن الله تعالى غني عن أفعال العباد, ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً, ولهذا قال تعالى: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوماً من الدهر بسيف. ثم أخبر تعالى أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم, ومع بره وإحسانه بهم, يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء, وهو أن يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا, ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون, فيقبل القليل من الحسنات, ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح, كما قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} وقال ههنا: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون}.


    ** وَوَصّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنّهُمْ فِي الصّالِحِينَ
    يقول تعالى آمراً عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده, فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان, ولهما عليه غاية الإحسان, فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق, ولهذا قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا * إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم, قال: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} أي وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين, فإياك وإياهما, فلا تطعهما في ذلك, فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة, فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك, وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك, وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا, فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب أي حباً دينياً, ولهذا قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين}.
    وقال الترمذي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات, فذكر قصته وقال: قالت أم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر ؟ والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت أو تكفر, قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروافاها, فنزلت {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً * وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} الاَية, وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. وقال الترمذي حسن صحيح.


    ** وَمِنَ النّاسِ مَن يِقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مّن رّبّكَ لَيَقُولُنّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْمُنَافِقِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم, بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم, فارتدوا عن الإسلام, ولهذا قال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله, وكذا قال غيره من علماء السلف, وهذه الاَية كقوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به, وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ـ إلى قوله ـ ذلك هو الضلال البعيد} ثم قال عز وجل: {لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} أي ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد, وفتح ومغانم, ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم, أي إخوانكم في الدين, كما قال تعالى: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم, وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}, وقال تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} وقال تعالى مخبراً عنهم ههنا: {ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم} ثم قال الله تعالى: {أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم, وإن أظهروا لكم الموافقة.
    وقوله تعالى: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} أي وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء, ليتميز هؤلاء من هؤلاء, من يطيع الله في الضراء والسراء, ومن إنما يطيعه في حظ نفسه, كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}, وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الاَية.
    ** وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُواْ اتّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مّن شَيْءٍ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا, واتبعوا سبيلنا {ولنحمل خطاياكم} أي وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا, كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي, قال الله تعالى تكذيباً لهم {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} أي: فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم, فإنه لا يحمل أحد وزر أحد, قال الله تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} وقال تعالى: {ولا يسأل حميم حميماً يبصرونهم}.
    وقوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة, أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزاراً أخر بسبب ما أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً, كما قال تعالى, {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} الاَية, وفي الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً, ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً». وفي الصحيح «ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها, لأنه أول من سن القتل».
    وقوله تعالى: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي يكذبون ويختلقون من البهتان, وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً فقال: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا صدقة, حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية, حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به, ثم قال: «إياكم والظلم, فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان ؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال, فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الرحمن عز وجل, ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلم, فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن, فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي, فيقولون: كيف نقضي عنه ؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته, فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة, وقد بقي من أصحاب الظلامات, فيقول: اقضوا عن عبدي, فيقولون: لم يبق له حسنة, فيقول خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه» ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الاَية الكريمة {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون}. وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا, وأخذ من مال هذا, وأخذ من عرض هذا, فيأخذ هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإذا لم تبق له حسنة, أخذ من سيئاتهم فطرح عليه». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري, حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة الثمالي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعين, فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك».

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:00

    ** أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهُ يُنشِىءُ النّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ * وَالّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَـَئِكَ يَئِسُواْ مِن رّحْمَتِي وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
    يقول تعالى مخبراً عن الخليل عليه السلام أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً, ثم وجدوا وصاروا أناساً سامعين مبصرين, فالذي بدأ هذا قادر على إعادته, فإنه سهل عليه يسير لديه, ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الاَفاق من الاَيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات, والأرضين وما فيها من مهاد وجبال, وأودية وبراري وقفار, وأشجار وأنهار, وثمار وبحار, كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها, وعلى وجود صانعها الفاعل المختار, الذي يقول للشيء كن فيكون, ولهذا قال: {أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير} كقوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الاَخرة} أي يوم القيامة {إن الله على كل شيء قدير} وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الاَفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} وكقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ؟ * أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون}.
    وقوله تعالى: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء} أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء, ويحكم ما يريد, لا معقب لحكمه, ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون, فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل, لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة, كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» ولهذا قال تعالى: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} أي ترجعون يوم القيامة.
    وقوله تعالى: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} أي لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه, بل هو القاهر فوق عباده, فكل شيء خائف منه فقير إليه, وهو الغني عما سواه {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه} أي جحدوها وكفروا بالمعاد {أولئك يئسوا من رحمتي} أي لا نصيب لهم فيها {وأولئك لهم عذاب أليم} أي موجع شديد في الدنيا والاَخرة.


    ** فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللّهُ مِنَ النّارِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنّمَا اتّخَذْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ أَوْثَاناً مّوَدّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النّارُ وَمَا لَكُمْ مّن نّاصِرِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ودفعهم الحق بالباطل, أنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} وذلك لأنهم قام عليهم البرهان وتوجهت عليهم الحجة, فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم {فقالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين} وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة, وحوطوا حولها, ثم أضرموا فيها النار, فارتفع لها لهب إلى عنان السماء, ولم توقد نار قط أعظم منها, ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق, ثم قذفوه فيها, فجعلها الله عليه برداً وسلاماً, وخرج منها سالماً بعد ما مكث فيها أياماً, ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماماً, فإنه بذل نفسه للرحمن, وجسده للنيران, وسخا بولده للقربان, وجعل ماله للضيفان, ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان.
    وقوله تعالى: {فأنجاه الله من النار} أي سلمه منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً {إن في ذلك لاَيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا} يقول لقومه مقرعاً لهم وموبخاً على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا, وهذا على قراءة من نصب مودة بينكم على أنه مفعول له, وأما على قراءة الرفع, فمعناه إنما اتخاذكم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط {ثم يوم القيامة} ينعكس هذا الحال, فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضاً وشنآناً ثم {يكفر بعضكم ببعض} أي تتجاحدون ما كان بينكم {ويلعن بعضكم بعضاً} أي يلعن الأتباع المتبوعين, والمتبوعون الأتباع {كلما دخلت أمة لعنت أختها} وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} وقال ههنا: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار} الاَية, أي ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار وما لكم من ناصر ينصركم, ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله, وهذا حال الكافرين, وأما المؤمنون فبخلاف ذلك.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا أبو عاصم الثقفي, حدثنا الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي عن أبيه عن جده, عن أم هانىء أخت علي بن أبي طالب قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والاَخرين يوم القيامة في صعيد واحد, فمن يدري أين الطرفان ؟ ـ قالت: الله ورسوله أعلم ـ ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد, فيشرئبون ـ قال أبو عاصم يرفعون رؤوسهم ـ ثم ينادي: يا أهل التوحيد, ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد, إن الله قد عفا عنكم ـ قال ـ فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا ـ يعني المظالم ـ ثم ينادي: يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض, وعلى الله الثواب».


    ** فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنّي مُهَاجِرٌ إِلَىَ رَبّيَ إِنّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيّتِهِ النّبُوّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدّنْيَا وَإِنّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ
    يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم أنه آمن له لوط, يقال إنه ابن أخي إبراهيم, يقولون هو لوط بن هاران بن آزر, يعني ولم يؤمن به, من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل, لكن يقال كيف الجمع بين هذه الاَية وبين الحديث الوارد في الصحيح أن إبراهيم حين مر على ذلك الجبار فسأل إبراهيم عن سارة ما هي منه, فقال: أختي, ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له إنك أختي فلا تكذبيني, فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك, فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا ـ والله أعلم ـ أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك, فإن لوطاً عليه السلام آمن به من قومه, وهاجر معه إلى بلاد الشام, ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم وأقام بها, وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي.
    وقوله تعالى: {وقال إِني مهاجر إِلى ربي} يحتمل عود الضمير في قوله {وقال إني مهاجر} على لوط. لأنه هو أقرب المذكورين, ويحتمل عوده إلى إبراهيم, قال ابن عباس والضحاك, وهو المكنى عنه بقوله: {فآمن له لوط} أي من قومه, ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك, ولهذا قال: {إنه هو العزيز الحكيم} أي له العزة ولرسوله وللمؤمنين به, الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقال قتادة: هاجروا جميعاً من كوثى, وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم, ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم, وتقذرهم روح الله عز وجل, وتحشرهم النار مع القردة والخنازير, تبيت معهم إذا باتوا, وتقيل معهم إذا قالوا, وتأكل ما سقط منهم».
    وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث فرواه مطولاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمرعن قتادة عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية, قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي, فجئته إذ جاء رجل فانتبذ الناس وعليه خميصة, فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص, فلما رآه نوف أمسك عن الحديث, فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة, فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم, لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها, فتلفظهم أرضهم تقذرهم نفس الرحمن, تحشرهم النار مع القردة والخنازير, فتبيت معهم إذا باتوا, وتقيل معهم إذا قالوا, وتأكل من تخلف منهم» قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم, كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع ـ حتى عدها زيادة على عشرين مرة ـ كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم» ورواه الإمام أحمد عن أبي داود وعبد الصمد كلاهما عن هشام الدستوائي عن قتادة به, وقد رواه أبو داود في سننه فقال في كتاب الجهاد (باب ما جاء في سكنى الشام) حدثنا عبيد الله بن عمر, حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمر, قال: سمعت رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة, وينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم, ويبقى في الأرض شرار أهلها, تلفظهم أرضهم, وتقذرهم نفس الرحمن, وتحشرهم النار مع القردة والخنازير».
    وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم, ثم لقد رأيتنا بآخرة الاَن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم, ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر, وتبايعتم بالعينة, وتركتم الجهاد في سبيل الله, ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه, وتتوبوا إلى الله تعالى» وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها, وتلفظهم أرضوهم, وتقذرهم روح الرحمن, وتحشرهم النار مع القردة والخنازير, تقيل معهم إذا قالوا, وتبيت معهم حيث يبيتون, وما سقط منهم فلها» ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم من أمتي يسيئون الأعمال, يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ـ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال ـ يحقر أحدكم علمه مع علمهم, يقتلون أهل الإسلام, فإذا خرجوا فاقتلوهم, ثم إذا خرجوا فاقتلوهم, ثم إذا خرجوا فاقتلوهم, فطوبى لمن قتلهم, وطوبى لمن قتلوه, كلما طلع منهم قرن قتله الله» فردد ذلك رسول لله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة وأكثر, وأنا أسمع.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:05

    ** وَلَمّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىَ قَالُوَاْ إِنّا مُهْلِكُوَ أَهْلِ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ إِنّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنّهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنّا مُنَجّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرينَ * إِنّا مُنزِلُونَ عَلَىَ أَهْلِ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيّنَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
    لما استنصر لوط عليه السلام بالله عز وجل عليهم, بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام في هيئة أضياف, فجاءهم بما ينبغي للضيف, فلما رآهم أنه لا همة لهم إلى الطعام, نكرهم وأوجس منهم خيفة, فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة, وكانت حاضرة, فتعجبت من ذلك كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر, فلما جاءت إبراهيم البشرى وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط, أخذ يدافع لعلهم ينظرون لعل الله أن يهديهم, ولما قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية {قال إن فيها لوطاً, قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي من الهالكين, لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم, ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان, فلما رآهم كذلك {سيء بهم وضاق بهم ذرعاً} أي اغتم بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة {قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون} وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض, ثم رفعها إلى عنان السماء, ثم قلبها عليهم, وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك, وما هي من الظالمين ببعيد, وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة, وجعلهم عبرة إلى يوم التناد, وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد. ولهذا قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة} أي واضحة {لقوم يعقلون} كما قال تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون}.


    ** وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ آلاَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
    يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام, أنه أنذر قومه أهل مدين, فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له, وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة, فقال: {يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاَخر} قال ابن جرير: قال بعضهم معناه واخشوا اليوم الاَخر, وهذا كقوله تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الاَخر} وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها, وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان ويقطعون الطريق على الناس, هذا مع كفرهم بالله ورسوله, فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم, وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها, وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها, إنه كان عذاب يوم عظيم, وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء. وقوله: {فأصبحوا في دارهم جاثمين} قال قتادة: ميتين, وقال غيره: قد ألقى بعضهم على بعض.


    ** وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تّبَيّنَ لَكُم مّن مّسَاكِنِهِمْ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مّوسَىَ بِالْبَيّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ * فَكُلاّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مّنْ أَخَذَتْهُ الصّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
    يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم, وأخذهم بالانتقام منهم, فعاد قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف, وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن, وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريباً من وادي القرى, وكانت العرب تعرف مساكنهما جيداً, وتمر عليها كثيراً, وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة, وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم {فكلاً أخذنا بذنبه} أي كانت عقوبته بما يناسبه {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} وهم عاد, وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة ؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد, عاتية الهبوب جداً, تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم, وتقتلعهم من الأرض, فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء, ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه, فيبقى بدنا بلا رأس, كأنهم أعجاز نخل منقعر {ومنهم من أخذته الصيحة} وهم ثمود, قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء, ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم, وتهددوا نبي الله صالحاً ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم, فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات {ومنهم من خسفنا به الأرض} وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا, وعصى الرب الأعلى, ومشى في الأرض مرحاً, وفرح ومرح وتاه بنفسه, واعتقد أنه أفضل من غيره, واختال في مشيته, فخسف الله به وبداره الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة {ومنهم من أغرقنا} وهو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر {وما كان الله ليظلمهم} أي فيما فعل بهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقاً بما كسبت أيديهم, وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الاَية, وهو من باب اللف والنشر, وهو أنه ذكر الأمم المكذبة, ثم قال {فكلاً أخذنا بذنبه} أي من هؤلاء المذكورين, وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: {فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} قال قوم لوط {ومنهم من أغرقنا} قال: قوم نوح, وهذا منقطع عن ابن عباس: فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان, وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء, وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق, وقال قتادة {فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} قال: قوم لوط, {ومنهم من أخذته الصيحة} قوم شعيب, وهذا بعيد أيضاً لما تقدم, والله أعلم.


    ** مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ
    هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم, ويتمسكون بهم في الشدائد, فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه, فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم, إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت, فإنه لا يجدي عنه شيئاً, فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء, وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع, فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها.
    ثم قال تعالى متوعداً لمن عبد غيره وأشرك به, إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد, وسيجزيهم وصفهم, إنه حكيم عليم, ثم قال تعالى: {وتلك الأمثال نضر بها للناس وما يعقلها إلا العالمون} أي وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه, قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثني ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: عقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل, وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه حيث يقول الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن, حدثنا أبي, حدثنا ابن سنان عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني, لأنني سمعت الله تعالى يقول: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.


    ** خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقّ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّلْمُؤْمِنِينَ * اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه خلق السموات والأرض بالحق, يعني لاعلى وجه العبث واللعب {لتجزى كل نفس بما تسعى} {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}. وقوله تعالى: {إن في ذلك لاَية للمؤمنين} أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية, ثم قال تعالى آمراً رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن, وهو قراءته وإبلاغه للناس {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات, أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعاً «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر, لم تزده من الله إلا بعداً».

    (ذكر الاَثار الواردة في ذلك)
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس, حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد, حدثنا عمر بن أبي عثمان, حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له». وحدثنا علي بن الحسين, حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي, حدثنا أبو معاوية عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر, لم يزدد بها من الله إلا بعداً» ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية.
    وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا خالد بن عبد الله عن العلاء بن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس في قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر, لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً, فهذا موقوف. قال ابن جرير: وحدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة» وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر.قال: قال سفيان {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك} قال: فقال سفيان: إي والله تأمره وتنهاه.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:08

    ** وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
    قال قتادة وغير واحد: هذه الاَية منسوخة بآية السيف, ولم يبق معهم مجادلة, وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. وقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين, فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه, كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} الاَية, وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} وهذا القول اختاره ابن جرير, وحكاه عن ابن زيد.
    وقوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} أي حادوا عن وجه الحق, وعموا عن واضح المحجة, وعاندوا وكابروا, فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم, قال الله عز وجل: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ـ إلى قوله ـ إن الله قوي عزيز} قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف, قال مجاهد {إلا الذين ظلموا منهم} يعني أهل الحرب, ومن امتنع منهم من أداء الجزية. وقوله تعالى: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه, فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقاً, ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلاً, ولكن نؤمن به إيماناً مجملاً معلقاً على شرط وهو أن يكون منزلاً لا مبدلاً ولا مؤولاً.
    قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عثمان بن عمر, أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم, وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم, وإلهنا وإلهكم واحد, ونحن له مسلمون» وهذا الحديث تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمرو, أخبرنا يونس عن الزهري, أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود, فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم» قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم, وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله, فإن كان حقاً لم تكذبوهم, وإن كان باطلاً لم تصدقوهم» (قلت) وأبو نملة هذا هو عمارة. وقيل عمار, وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري رضي الله عنه, ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان, لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل, وما أقل الصدق فيه, ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحاً.
    قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا أبو عاصم, أخبرنا سفيان عن سليمان بن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبيد الله ـ هو ابن مسعود ـ قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا, إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل, فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا إبراهيم بن سعد, أخبرنا ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرءونه محضاً لم يشب, وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً, ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
    وقال البخاري: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري, أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة, وذكر كعب الأحبار, فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب, وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. (قلت) معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد, لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن, وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة, لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة, ومع ذلك وقرب العهد, وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله عز وجل, ومن منحه الله تعالى علماً بذلك كل بحسبه, و لله الحمد والمنة.


    ** وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـَؤُلآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاّ الْكَافِرونَ * وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيّنَاتٌ فِي صُدُورِ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاّ الظّالِمُونَ
    قال ابن جرير: يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل, كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب, وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد. وقوله تعالى: {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} أي الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء, كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما. وقوله تعالى: {ومن هؤلاء من يؤمن به} يعني العرب من قريش وغيرهم {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} أي ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل, ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهات.
    ثم قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمراً لا تقرأ كتاباً ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب, وهكذا صفته في الكتب المتقدمة, كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} الاَية, وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً إلى يوم الدين, لا يحسن الكتابة ولا يخط سطراً ولا حرفاً بيده, بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.
    ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله, فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي, وتبرؤوا منه, وأنشدوا في ذلك أقوالاً وخطبوا به في محافلهم, وإنما أراد الرجل ـ أعني الباجي ـ فيما يظهر عنه, أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة, كما قال صلى الله عليه وسلم إخباراً عن الدجال: «مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية «ك ف ر, يقرؤها كل مؤمن» وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة, فضعيف لا أصل له, قال الله تعالى: {وما كنت تتلو} أي تقرأ {من قبله من كتاب} لتأكيد النفي ولا تخطه بيمينك, تأكيد أيضاً, وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه}.
    وقوله تعالى: {إذاً لارتاب المبطلون} أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس, فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} قال الله تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض} الاَية, وقال ههنا: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمراً ونهياً وخبراً, يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظاً وتلاوة وتفسيراً, كما قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر, وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي, فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً» وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله تعالى: «إني مبتليك ومبتل بك, ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء, تقرؤه نائماً ويقظاناً» أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل, لأنه قد جاء من الحديث الاَخر «لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار» ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة, مهيمن على القلوب, معجز لفظاً ومعنى, ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم.
    واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتاباً, ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب, ونقله عن قتادة وابن جريج, وحكي الأول عن الحسن البصري فقط, قلت وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس, وقاله الضحاك وهو الأظهر والله أعلم. وقوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون, أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه, كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}.


    ** وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللّهِ وَإِنّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىَ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَىَ بِاللّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالّذِينَ آمَنُواْ بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللّهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات, يعنون ترشدهم إلى أن محمداً رسول الله كما أتى صالح بناقته, قال الله تعالى: {قل} يا محمد {إنما الاَيات عند الله} أي إنما أمر ذلك إلى الله, فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم, لأن هذا سهل عليه يسير لديه, ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان, فلا يجيبكم إلى ذلك, كما قال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالاَيات إلا أن كذب بها الأولون * وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها}.
    وقوله: {وإنما أنا نذير مبين} أي إنما بعثت نذيراً لكم بين النذارة, فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً} وقال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} ثم قال تعالى مبيناً كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم, وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, الذي هو أعظم من كل معجزة, إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله, بل عن معارضة سورة منه, فقال تعالى: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} أي أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم, ونبأ ما بعدهم, وحكم ما بينهم, وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب, ولم تخالط أحداً من أهل الكتاب, فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجلي, كما قال تعالى: {أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} وقال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى}.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:17

    وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج, حدثنا ليث, حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الاَيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي, فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» أخرجاه من حديث الليث. وقد قال الله تعالى: {إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي إن في هذا القرآن لرحمة أي بياناً للحق وإزاحة للباطل, وذكرى بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين لقوم يؤمنون.
    ثم قال تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً} أي هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب, ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني, فلو كنت كاذباً عليه لانتقم مني, كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين} وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به, ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات {يعلم مافي السموات والأرض} أي لا تخفى عليه خافية {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} أي يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل, كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم, وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل, فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم عليم
    ** وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مّسَمّى لّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنّ جَهَنّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم وبأس الله أن يحل عليهم, كما قال تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} وقال ههنا: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب} أي لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريباً سريعاً كما استعجلوه, ثم قال: {وليأتينهم بغتة} أي فجأة {وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة.
    قال شعبة عن سماك عن عكرمة: قال في قوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} قال: البحر وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد, حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه, وتكور فيه الشمس والقمر, ثم يوقد فيكون هو جهنم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم, أخبرنا عبد الله بن أمية, حدثني محمد بن حيي, أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البحر هو جهنم» قالوا ليعلى, فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: {ناراً أحاط بهم سرادقها} قال: لا والذي نفس يعلى بيده, لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله تعالى, هذا تفسير غريب, وحديث غريب جداً, والله أعلم.
    ثم قال عز وجل: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} كقوله تعالى: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} وقال تعالى: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} وقال تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} الاَية, فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم, وهذا أبلغ في العذاب الحسي. وقوله تعالى: {ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} تهديد وتقريع وتوبيخ, وهذا عذاب معنوي على النفوس, كقوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر} وقال تعالى: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً * هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون}.
    ** يَعِبَادِيَ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَنُبَوّئَنّهُمْ مّنَ الْجَنّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * وَكَأَيّن مّن دَآبّةٍ لاّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
    هذا أمر من الله تعالى المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين, بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم, ولهذا قال تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه, حدثنا بقية بن الوليد, حدثني جبير بن عمرو القرشي, حدثني أبو سعد الأنصاري عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البلاد بلاد الله, والعباد عباد الله, فحيثما أصبت خيراً فأقم» ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها, خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك, فوجدوا خير المنزلين هناك: أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى, فآواهم وأيدهم بنصره, وجعلهم سيوماً ببلاده, ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة.
    ثم قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} أي أينما كنتم يدرككم الموت, فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله, فهو خير لكم, فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه, ثم إلى الله المرجع والمآب, فمن كان مطيعاً له جازاه أفضل الجزاء, ووافاه أتم الثواب ولهذا قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار} أي لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن, يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا {خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولا {نعم أجر العاملين} نعمت هذه الغرف أجراً على أعمال المؤمنين {الذين صبروا} أي على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء, وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده وتصديق موعده.
    وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي, أخبرنا صفوان المؤذن, أخبرنا الوليد بن مسلم, أخبرنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام الأسود, حدثني أبو معاوية الأشعري أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, حدثه أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها, وباطنها من ظاهرها, أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام, وأطاب الكلام, وتابع الصلاة والصيام, وقام بالليل والناس نيام {وعلى ربهم يتوكلون} في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة, بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا, بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب, فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار, ولهذا قال تعالى: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} أي لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئاً لغد {الله يرزقها وإياكم} أي الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها, فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض, والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين}.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي, حدثنا يزيد يعني ابن هارون, حدثنا الجراح بن منهال الجزري ـ هو أبو العطوف ـ عن الزهري عن رجل عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة, فجعل يلتقط من التمر ويأكل, فقال لي: «يا ابن عمر ما لك لا تأكل ؟» قال: قلت لا أشتهيه يا رسول الله, قال لكني أشتهيه, وهذا صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده, ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين ؟» قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لم يأمرني بكنز الدنيا, ولا باتباع الشهوات, فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية, فإن الحياة بيد الله, ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغد» هذا حديث غريب, وأبو العطوف الجزري ضعيف, وقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض خرجوا وهم بيض, فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أياماً حتى يسود الريش, فيظل الفرخ فاتحاً فاه يتفقد أبويه فيقيض الله تعالى طيراً صغاراً كالبرغش, فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسود ريشه, والأبوان يتفقدانه كل وقت, فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه, فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق, ولهذا قال الشاعر:
    يا رازق النعاب في عشهوجابر العظم الكسير المهيض
    وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سافروا تصحوا وترزقوا» قال البيهقي: أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان, أخبرنا أحمد بن عبيد, أخبرنا محمد بن غالب, حدثني محمد بن سنان, أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن رداد شيخ من أهل المدينة, حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سافروا تصحوا وتغنموا» قال: ورويناه عن ابن عباس: وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة, أخبرنا ابن لهيعة عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سافروا تربحوا وصوموا تصحوا, واغزوا تغنموا» وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعاً, وعن معاذ بن جبل موقوفاً, وفي لفظ «سافروا مع ذوي الجد والميسرة» قال: ورويناه عن ابن عباس: وقوله: {وهو السميع العليم} أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وسكناته
    ** وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنّ اللّهُ فَأَنّىَ يُؤْفَكُونَ * اللّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّن نّزّلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
    يقول تعالى مقرراً أنه لا إله إلا هو, لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار, وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم, واختلافها واختلاف أرزاقهم, فتفاوت بينهم, فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلاً منهم, ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر, فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها, فإذا كان الأمر كذلك, فلم يعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته, وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك, كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك, إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك.


    ** وَمَا هَـَذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَآ إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها, وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب {وإن الدار الاَخرة لهي الحيوان} أي الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء, بل هي مستمرة أبد الاَباد. وقوله تعالى: {لو كانوا يعلمون} أي لاَثروا ما يبقى على ما يفنى, ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له, فهلا يكون هذا منهم دائماً {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} كقوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلاإياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} الاَية, وقال ههنا: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل, أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ذهب فاراً منها, فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة, فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء, لا ينجي فإنه ههنا إلا هو, فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره, فإنه. لا ينجي في البر أيضاً غيره, اللهم لك علي عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد, فلأجدنه رؤوفاً رحيماً, فكان كذلك, وقوله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة, لأنهم لا يقصدون ذلك, ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم, وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل, وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله {ليكون لهم عدواً وحزناً}.


    ** أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بِالْحَقّ لَمّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوًى لّلْكَافِرِينَ * وَالّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
    يقول تعالى ممتناً على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد, ومن دخله كان آمناً فهم في أمن عظيم, والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضاً, ويقتل بعضهم بعضاً, كما قال تعالى: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وقوله تعالى: {أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و{بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار} وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله, فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله, وأن لا يشركوا به, وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره, فكذبوه وقاتلوه, وأخرجوه من بين ظهرهم, ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم, وقتل من قتل منهم ببدر, ثم صارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين, ففتح الله على رسوله مكة, وأرغم آنافهم وأذل رقابهم.
    ثم قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه} أي لا احد أشد عقوبة ممن كذب على الله, فقال: إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله, وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه, فالأول مفتر والثاني مكذب, ولهذا قال تعالى: {أليس في جهنم مثوى للكافرين} ثم قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا} يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين {لنهدينهم سبلنا} أي لنبصرنهم سبلنا, أي طرقنا في الدنيا والاَخرة.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أحمد بن أبي الحواري, أخبرنا عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني, فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر, فإذا سمعه في الأثر عمل به, وحمد الله حتى وافق ما في نفسه. وقوله {وإن الله لمع المحسنين} قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي , حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري, حدثنا أبو جعفر الرازي عن المغيرة عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك, ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك, والله أعلم. آخر تفسير سورة العنكبوت. و لله الحمد والمنة.


    تمت سورة العنكبوت

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:20

    سورة الروم


    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** الَـمَ * غُلِبَتِ الرّومُ * فِيَ أَدْنَى الأرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ * وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ
    نزلت هذه الاَيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم. واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة, ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو, حدثنا أبو إسحاق عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {آلم * غلبت الروم في أدنى الأرض} قال غلبت وغلبت, قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم, لأنهم أصحاب أوثان, وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس, لأنهم أهل كتاب, فذكر ذلك لأبي بكر, فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم, «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم, فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً, فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا, وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا, فجعل أجلاً خمس سنين, فلم يظهروا, فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال «ألا جعلتها إلى دون ـ أراه قال العشر ـ» قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر, ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله {آلم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد يومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن الحسين بن حريث عن معاوية بن عمرو, عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان بن سعيد الثوري به. وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان عن حبيب ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن اسحاق الصاغاني عن معاوية بن عمرو به ورواه ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا محمد بن سعيد أو سعيد الثعلبي, الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس, حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره, وعندهم قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر.
    (حديث آخر) قال سليمان بن مهران الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين, الدخان, واللزام, والبطشة, والقمر, والروم, أخرجاه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا المحاربي عن داود بن أبي هند, عن عامر ـ هو الشعبي ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان فارس ظاهراً على الروم, وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس, لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم, فلما نزلت {آلمَ * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين ؟ قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك ؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين, فمضت السبع ولم يكن شيء, ففرح المشركون بذلك, وشق على المسلمين, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «ما بضع سنين عندكم ؟» قالوا: دون العشر. قال «اذهب فزايدهم, وازدد سنتين في الأجل» قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس, ففرح المؤمنون بذلك, وأنزل الله تعالى: {آلمَ * غلبت الروم ـ إلى قوله تعالى ـ لا يخلف الله وعده}.
    (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي, حدثنا مؤمن عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت {آلم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس ؟ قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك ؟ فجعل بينه وبينهم أجلاً, فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس , فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك وكرهه, وقال لأبي بكر «ما دعاك إلى هذا ؟» قال: تصديقاً لله ولرسوله. قال «تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين» فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود, فإن العود أحمد ؟ قالوا: نعم, فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس, وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية, فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا السحت, قال «تصدق به».
    (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل , حدثنا إسماعيل بن أبي أويس, أخبرني ابن أبي الزناد عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت {ألَم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} فكانت فارس يوم نزلت هذه الاَية قاهرين للروم, وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم, لأنهم وإياهم أهل كتاب, وفي ذلك قول الله: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} وكانت قريش تحب ظهور فارس, لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب, ولا إيمان ببعث, فلما أنزل الله هذه الاَية, خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة {ألَمَ * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم, زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين,أفلا نراهنك على ذلك ؟ قال: بلى, وذلك قبل تحريم الرهان, فارتهن أبو بكر والمشركون, وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين, فسم بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه ؟ قال: فسموا بينهم ست سنين, قال: فمضت ست السنين قبل أن يظهروا, فأخذ المشركون رهن أبي بكر , فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس: فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين, قال: لأن الله قال في بضع سنين, قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير. هكذا ساقه الترمذي, ثم قال: هذا حديث حسن صحيح, لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد.
    وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم, ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله عن عكرمة قال: كان في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال, فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك, فأشيري علي أيهم أستعمل ؟! فقالت: هذا فلان وهو أروغ من ثعلب, وأحذر من صقر, وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان, وهذا شهريراز وهو أحلم من كذا, تعني أولادها الثلاثة, فاستعمل أيهم شئت, قال: فإني استعملت الحليم, فاستعمل شهريراز فسار إلى الروم بأهل فارس, فظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم, وقطع زيتونهم, قال أبو بكر بن عبد الله: فحدثت بهذا الحديث عطاء الخرساني فقال: أما رأيت بلاد الشام ؟ قلت: لا, قال أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع, فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته. قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلاً يدعى قطمة بجيش من الروم, وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى, وهي أدنى الشام إليكم, فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس, ففرحت بذلك كفار قريش, وكرهه المسلمون, قال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب, والنصارى أهل كتاب, ونحن أميون, وقد ظهر إخواتكم من أهل فارس على إخواننا من أهل الكتاب, وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم, فأنزل الله تعالى: {ألَمَ * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد يومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء} فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا, فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم, فوالله ليظهرن الله الروم على فارس, أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم, فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل, فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله, فقال: أُناحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك, فإن ظهرت الروم على فارس غرمت, وإِن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين, ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره, فقال «ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع, فزايده في الخطر وماده في الأجل» فخرج أبو بكر فلقي أبيا, فقال: لعلك ندمت ؟ فقال: لا, تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل, فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين, قال: قد فعلت, فظهرت الروم على فارس قبل ذلك, فغلبهم المسلمون. قال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم, جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز, فقال: لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى, فبلغت كسرى, فكتب كسرى إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان, فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو, فلا تفعل,فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه, فعجل إلي برأسه. فراجعه, فغضب كسرى فلم يجبه, وبعث بريداً إلى أهل فارس: إِني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان, ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفةٍ صغيرة, فقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد إليه أخوه, فأعطه هذه, فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة, ونزل عن سريره وجلس فرخان, ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز, وقدمه ليضرب عنقه, قال, لا تعجل حتى أكتب وصيتي, قال: نعم, فدعا بالسفط فأعطاه الصحائف, قال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد, فرد الملك إلى أخيه شهريراز, وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد, ولا تحملها الصحف فالقني ولا تلقني إلا في خمسين رومياً, فإني ألقاك في خمسين فارسياً, فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي, وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق, وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً, ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما, مع كل واحد منهما سكين فدعيا ترجماناً بينهما, فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا, وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت, ثم أمر أخي أن يقتلني وقد خلعناه جميعاً, فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما, ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين, فإذا جاوز اثنين فشا, قال: أجل, فقتلا الترجمان جميعاً بسكينيهما, فأهلك الله كسرى,

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:23

    وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية, ففرح والمسلمون معه. فهذا سياق غريب وبناء عجيب.
    ولنتكلم عن كلمات هذه الاَيات الكريمة, فقوله تعالى: {آلمَ * غلبت الروم} قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة, وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم, وهم أبناء عم بني إسرائيل, ويقال لهم بنو الأصفر, وكانوا على دين اليونان, واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك, وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة, ويقال لها المتحيرة, ويصلون إلى القطب الشمالي, وهو الذين أسسوا دمشق, وبنوا معبدها, وفيه محاريب إلى جهة الشمال, فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلثمائة سنة, وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له قيصر, فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس وأمه مريم الهيلانية الفدقانية من أرض حران, كانت قد تنصرت قبله, فدعته إلى دينها, وكان قبل ذلك فيلسوفاً فتابعها, يقال تقية, واجتمعت به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس, واختلفوا اختلافاً منتشراً متشتتاً لا ينضبط, إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفاً, فوضعوا لقسطنطين العقيدة, وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة, وإنما هي الخيانة الحقيرة, ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من تحريم وتحليل, وغير ذلك مما يحتاجون إليه, وغيروا دين المسيح عليه السلام, وزادوا فيه ونقصوا منه, فصلوا إلى المشرق, واعتاضوا عن السبت بالأحد, وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير, واتخذوا أعياداً أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والثعابين, وجعلوا له الباب, وهو كبيرهم, ثم البتاركة, ثم المطارنة, ثم الأساقفة والقساقسة, ثم الشمامسة, وابتدعوا الرهبانية, وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد, وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية, يقال إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة, وبنى بيت لحم بثلاث محاريب, وبنت أمه القمامة, وهؤلاء هم الملكية يعنون الذين هم على دين الملك.
    ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الأسكاف, ثم النسطورية أصحاب نسطورا, وهم فرق وطوائف كثيرة, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة» والغرض أنهم استمروا على النصرانية, كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم هرقل, وكان من عقلاء الرجال, ومن أحزم الملوك وأدهاهم, وأبعدهم غوراً, وأقصاهم رأياً, فتملك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كبيرة, فناوأه كسرى ملك الفرس وملك البلاد كالعراق وخراسان والري وجميع بلاد العجم, وهو سابور ذو الأكتاف, وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر, وله رياسة العجم, وحماقة الفرس, وكانوا مجوساً يعبدون النار, فتقدم عن عكرمة أنه: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه, والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده, فقهره وكسره وقصره, حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية, فحاصره بها مدة طويلة, حتى ضاقت عليه, وكانت النصارى تعظمه تعظيماً زائداً, ولم يقدر كسرى على فتح البلد, ولا أمكنه ذلك لحصانتها لأن نصفها من ناحية البر, ونصفها الاَخر من ناحية البحر, فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هنالك, فلما طال الأمر, دبر قيصر مكيدة, ورأى في نفسه خديعة, فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه ويشترط عليه ما شاء, فأجابه إلى ذلك, وطلب منه أموالاً عظيمة لايقدر عليها أحد من ملوك الدنيا من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة, فطاوعه قيصر وأوهمه أن عنده جميع ما طلب, واستقل عقله لما طلب منه ما طلب, ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عشره, وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته, ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه, فأطلق سراحه, فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينة فجمع أهل ملته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته في جند قد عينته من جيشي, فإن رجعت إليكم قبل الحول, فأنا ملككم, وإن لم أرجع إليكم قبلها, فأنتم بالخيار: إن شئتم استمررتم على بيعتي, وإن شئتم وليتم عليكم غيري, فأجابوه بأنك ملكنا مادمت حياً, ولو غبت عشرة أعوام, فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة في جيش متوسط هذا, وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع, فركب قيصر من فوره وسار مسرعاً حتى انتهى إلى بلاد فارس, فعاث في بلادهم قتلاً لرجالها ومن بها من المقاتلة أولاً فأولاً, ولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن وهي كرسي مملكة كسرى, فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله, وأسر نساءه وحريمه, وحلق رأس ولده وركبه على حماره, وبعث معه من الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة, وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه, فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله تعالى, واشتد حنقه على البلد, فاشتد في حصارها بكل ممكن, فلم يقدر على ذلك, فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها, فلما علم قيصر بذلك, احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة, وركب في بعض الجيش, وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث, فحملت معه, وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعداً, ثم أمر بالقاء تلك الأحمال في النهر, فلما مرت بكسرى ظن وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك, فركبوا في طلبهم فشغرت المخاضة عن الفرس, وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض والخوض, فخاضوا وأسرعوا السير, ففاتوا كسرى وجنوده, ودخلوا القسطنطينية, فكان ذلك يوماً مشهوداً عند النصارى, وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون, لم يحصلوا على بلاد قيصر, وبلادهم قد خربتها الروم, وأخذوا حواصلهم, وسبوا ذراريهم, ونساءهم, فكان هذا من غلب الروم لفارس, وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم, وكانت الوقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما, وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز, وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة, وهي أقرب بلاد الروم من فارس, فالله أعلم.
    ** أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَاْ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَأَثَارُواْ الأرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُواْ السّوَءَىَ أَن كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ
    يقول تعالى منبهاً على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها, وأنه لا إله غيره ولا رب سواه, فقال {أولم يتفكروا في أنفسهم} يعني به النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة, فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلاً بل بالحق, وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة, ولهذا قال تعالى: {وإِن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} ثم نبههم على صدق رسله فيما جاؤوا به عنه, بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحات من إهلاك من كفر بهم ونجاة من صدقهم, فقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض} أي بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين, ولهذا قال {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة} أي كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم أيها المبعوث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم وأكثر أموالاً وأولاداً, وما أوتيتم معشار ما أوتوا, ومكنوا في الدنيا تمكيناً لم تبلغوا إليه وعمروا فيها أعماراً طوالاً, فعمروها أكثر منكم, واستغلوها أكثر من استغلالكم, ومع هذا فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا, أخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق, ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله, ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة, وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها, وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم, ولهذا قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون} كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وقال تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} وعلى هذا تكون السوأى منصوبة مفعولاً لأساؤوا, وقيل بل المعنى في ذلك {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى} أي كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى منصوبة خبر كان, هذا توجيه ابن جرير, ونقله عن ابن عباس وقتادة, ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مزاحم, وهو الظاهر ـ والله أعلم ـ لقوله {وكانوا بها يستهزئون}.


    ** اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ ثُمّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لّهُمْ مّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرّقُونَ * فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الاَخِرَةِ فَأُوْلَـَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
    يقول تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أي كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته {ثم إليه ترجعون} أي يوم القيامة, فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قال ابن عباس: ييأس المجرمون, وقال مجاهد: يفتضح المجرمون, وفي رواية يكتئب المجرمون {ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء} أي ما شفعت فيهم الاَلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم. ثم قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها, يعني أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين, فذلك آخر العهد بينهما, ولهذا قال تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون} قال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء والحبرة أعم من هذا كله, قال العجاج:
    فالحمد لله الذي أعطى الحبرموالي الحق إن المولى شكر)


    ** فَسُبْحَانَ اللّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
    هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة, وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء, وهو إقبال الليل بظلامه, وعند الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه. ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد, فقال تعالى: {وله الحمد في السموات والأرض} أي هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض, ثم قال تعالى: {وعشياً وحين تظهرون} فالعشاء هو شدة الظلام, والإظهار قوة الضياء, فسبحان خالق هذا وهذا, فالق الإصباح, وجاعل الليل سكناً, كما قال تعالى: {والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها} وقال تعالى: {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى} وقال تعالى: {والضحى والليل إذا سجى} والاَيات في هذا كثيرة.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:26

    --------------------------------------------------------------------------------

    وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا زبّان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون, وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون» وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي, حدثنا عبد الله بن صالح, حدثني الليث بن سعيد بن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه, عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ومن قال حين يصبح سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون, وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون, الاَية بكمالها أدرك ما فاته في يومه, ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» إسناد جيد ورواه أبو داود في سننه..
    وقوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة, وهذه الاَيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط, فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها, ليدل خلقه على كمال قدرته, فمن ذلك إخراج النبات من الحب والحب من النبات, والبيض من الدجاج والدجاج من البيض, والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان, والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وقوله تعالى: {ويحيي الأرض بعد موتها} كقوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ـ إلى قوله ـ وفجرنا فيها من العيون} وقال تعالى: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ـ إلى قوله ـ وأن الله يبعث من في القبور} وقال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ـ إلى قوله ـ لعلكم تذكرون} ولهذا قال ههنا {وكذلك تخرجون)
    ** وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لّتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مّوَدّةً وَرَحْمَةً إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ
    يقول تعالى: {ومن آياته} الدالة على عظمته وكمال قدرته, أنه خلق أباكم آدم من تراب {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} فأصلكم من تراب ثم من ماءٍ مهين, ثم تصور فكان علقة ثم مضغة, ثم صار عظاماً شكله على شكل الإنسان, ثم كسا الله تلك العظام لحماً, ثم نفخ فيه الروح فإذا هو سميع بصير, ثم خرج من بطن أمه صغيراً ضعيف القوى والحركة, ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون, ويسافر في أقطار الأقاليم, ويركب متن البحور, ويدور أقطار الأرض, ويتكسب ويجمع الأموال, وله فكرة وغور ودهاء ومكر ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والاَخرة كل بحسبه, فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب, وفاوت بينهم في العلوم والفكر, والحسن والقبح, والغنى والفقر, والسعادة والشقاوة, ولهذا قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض, فجاء بنو آدم على قدر الأرض, جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك, والخبيث والطيب, والسهل والحزن وبين ذلك» ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
    وقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} أي خلق لكم من جنسكم إناثاً يكن لكمأزواجاً {لتسكنوا إليها} كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} يعني بذلك حواء, خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر, ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكوراً وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان, لما حصل هذا ال*****لاف بينهم وبين الأزواج, بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس, ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم, وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة, ورحمة وهي الرأفة, فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد, أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك {إن في ذلك لاَيات لقوم يتفكرون}.
    ** وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّلْعَالَمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالْلّيْلِ وَالنّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
    يقول تعالى: {ومن آياته} الدالة على قدرته العظيمة {خلق السموات والأرض} أي خلق السموات في ارتفاعها واتساعها, وسقوف أجرامها, وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات, والأرض في انخفاضها وكثافتها, وما فيها من جبال وأودية وبحار, وقفار وحيوان وأشجار. وقوله تعالى: {واختلاف ألسنتكم} يعني اللغات, فهؤلاء بلغة العرب, وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى, وهؤلاء كرج, وهؤلاء روم, وهؤلاء فرنج وهؤلاء بربر, وهؤلاء تكرور, وهؤلاء حبشة, وهؤلاء هنود, وهؤلاء عجم, وهؤلاء صقالبة, وهؤلاء خزر, وهؤلاء أرمن, وهؤلاء أكراد, إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم وهي حلاهم, فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان, وليس يشبه واحد منهم الاَخر, بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهراً كان أو خفياً يظهر عند التأمل, كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئته لا تشبه أخرى, ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الاَخر {إن في ذلك لاَيات للعالمين * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي ومن الاَيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار, فيه تحصل الراحة وسكون الحركة وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم {إن في ذلك لاَيات لقوم يسمعون} أي يعون.
    قال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي, حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي, حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة, حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان, سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أصابني أرق من الليل, فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال {قل اللهم غارت النجوم, وهدأت العيون, وأنت حي قيوم يا حي يا قيوم, أنم عيني وأهدىء ليلي} فقلتها, فذهب عني.


    ** وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزّلُ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السّمَآءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ
    يقول تعالى: {ومن آياته} الدالة على عظمته أنه {يريكم البرق خوفاً وطمعاً} أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة, وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه, ولهذا قال تعالى: {وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها} أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء, فلما جاءها الماء {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة, ولهذا قال {إن في ذلك لاَيات لقوم يعقلون} ثم قال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} كقوله تعالى: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} وقوله {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا}. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره, أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها, ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسموات, وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم, ولهذا قال تعالى: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} كما قال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً} وقال تعالى: {فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} وقال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون}.


    ** وَلَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ لّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَىَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
    يقول تعالى: {وله من في السموات والأرض} أي ملكه وعبيده {كل له قانتون} أي خاضعون خاشعون طوعاً وكرهاً. وفي حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة» وقوله {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أيسر عليه, وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة, والبداءة عليه هينة, وكذا قال عكرمة وغيره وروى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب, أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك, وشتمني ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته, وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً, وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» انفرد بإخراجه البخاري, كما انفرد بروايته أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به. وقد رواه الإمام أحمد منفرداً به عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه أو مثله.
    وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. وقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين, وكذا قاله الربيع بن خُثيم, ومال إليه ابن جرير وذكر عليه شواهد كثيرة, قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله {وهو أهون عليه} إلى الخلق, أي وهو أهون على الخلق. وقوله {وله المثل الأعلى في السموات والأرض} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره, وقال مثل هذا ابن جرير, وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الاَية لبعض أهل المعارف:
    إذا سكن الغدير على صفاءوجنب أن يحركه النسيم
    ترى فيه السماء بلا امتراءكذاك الشمس تبدو والنجوم
    كذاك قلوب أرباب التجلييرى في صفوها الله العظيم
    وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد غلب كل شيء, وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه, الحكيم في أقواله وأفعاله شرعاً وقدراً, وعن مالك في تفسيره المروي عنه عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: {وله المثل الأعلى} قال: لا إِله إِلا الله.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:28

    ** ضَرَبَ لَكُمْ مّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لّكُمْ مّن مّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ اتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلّ اللّهُ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ
    هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به, العابدين معه غيره, الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له, ملك له, كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك. فقال تعالى: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} أي تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم {هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء} أي يرتضي أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله فهو وهو فيه على السواء {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك, وليس له ذاك, كذلك الله لا شريك له, والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك, فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه ؟ وهذا كقوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} أي من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً, وجعلوها بنات الله, وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم, يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون, أم يدسه في التراب ؟ فهم يأنفون من البنات, وجعلوا الملائكة بنات الله, فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم, فهذا أغلظ الكفر, وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه, وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك, أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء لقاسمه عليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
    قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني, حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي, حدثنا حماد بن شعيب عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى: {هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى. قال تعالى: {كذلك نفصل الاَيات لقوم يعقلون} ثم قال تعالى مبيناً أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهاً من أنفسهم وجهلاً {بل اتبع الذين ظلموا} أي المشركون {أهواءهم} أي في عبادتهم الأنداد بغير علم {فمن يهدي من أضل الله} أي فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم {وما لهم من ناصرين} أي ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير ولا محيد لهم عنه, لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
    ** فَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لّلّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللّهُ الّذِي خَلَقَكُمْ ثُمّ رَزَقَكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ
    يقول تعالى آمراً بإعطاء {ذي القربى حقه} أي من البر والصلة, {والمسكين} وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته, {وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره, {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى, {وأولئك هم المفلحون} أي في الدنيا والاَخرة. ثم قال تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله} أي من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم, فهذا لا ثواب له عند الله, بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي, وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه, إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة, قاله الضحاك, واستدل بقوله: {ولا تمنن تستكثر} أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه.
    وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح, يعني ربا البيع ؟ وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها, وأضعافها, ثم تلا هذه الاَية {وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله} وإنما الثواب عند الله في الزكاة, ولهذا قال تعالى: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} أي الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في الصحيح «وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها, كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد».
    وقوله عز وجل: { الله الذي خلقكم ثم رزقكم} أي هو الخالق الرزاق, يخرج الإنسان من بطن أمه عرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة, ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئاً فأعناه, فقال «لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما, فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة, ثم يرزقه الله عز وجل».
    وقوله تعالى: {ثم يميتكم} أي بعد هذه الحياة, {ثم يحييكم} أي يوم القيامة. وقوله تعالى: {هل من شركائكم} أي الذين تعبدونهم من دون الله {من يفعل من ذلكم من شيء ؟} أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك, بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة, ثم يبعث الخلائق يوم القيامة, ولهذا قال بعد هذا كله {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد, بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.


    ** ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مّشْرِكِينَ
    قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر ههنا الفيافي, وبالبحر الأمصار والقرى. وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر الأمصار, والقرى ما كان منهما على جانب نهر. وقال آخرون بل المراد بالبر هو البر المعروف, وبالبحر هو البحر المعروف. وقال زيد بن رفيع {ظهر الفساد} يعني انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط, وعن البحر تعمى دوابه, رواه ابن أبي حاتم, وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن حميد بن قيس الأعرج عن مجاهد {ظهر الفساد في البر والبحر} قال: فساد البر قتل ابن آدم, وفساد البحر أخذ السفينة غصباً.
    وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى, وبالبحر جزائره. والقول الأول أظهر وعليه الأكثرون, ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح ملك أيلة, وكتب إليه ببحره, يعني ببلده, ومعنى قوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي . وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض, لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة, ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود «لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلهامن أن يمطروا أربعين صباحاً» والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات, وإذا تركت المعاصي كان سبباً في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية, وهو تركها, فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف, فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج, قيل للأرض: أخرجي بركتك, فيأكل من الرمانة الفئام من الناس ويستظلون بقحفها, ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس, وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في الصحيح أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
    وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد, صرة فيها حب, يعني من بر, أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل, وروى مالك عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد ههنا الشرك, وفيه نظر. وقوله تعالى: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} الاَية, أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختباراً منه لهم ومجازاة على صنيعهم {لعلهم يرجعون} أي عن المعاصي, كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} أي من قبلكم {كان أكثرهم مشركين} أي فانظروا ما حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.


    ** فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ الْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ * مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ
    يقول تعالى آمراً عباده بالمبادرة إلى الإستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي يوم القيامة إذا أراد كونه فلا راد له {يومئذ يصدعون} أي يتفرقون, ففريق في الجنة وفريق في السعير, ولهذا قال تعالى: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون * ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} أي يجازيهم مجازاة الفضل, الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله {إنه لا يحب الكافرين} ومع هذا هو العادل فيهم الذي لا يجور.


    ** وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرّيَاحَ مُبَشّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىَ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ
    يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها, ولهذا قال تعالى: {وليذيقكم من رحمته} أي المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد {ولتجري الفلك بأمره} أي في البحر وإنما سيرها بالريح {ولتبتغوا من فضله} أي في التجارات والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم, وقطر إلى قطر {ولعلكم تشكرون} أي تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى. ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا} هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس, فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاؤوا أممهم به من الدلائل الواضحات. ولكن انتقم الله ممن كذبهم وخالفهم وأنجى المؤمنين بهم {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} أي هو حق أوجبه على نفسه الكريمة تكرماً وتفضلاً, كقوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن نفيل, حدثنا موسى بن أعين عن ليث عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا هذه الاَية {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:32

    ** اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانظُرْ إِلَىَ آثَارِ رَحْمَةِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنّ ذَلِكَ لَمُحْييِ الْمَوْتَىَ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لّظَلّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ
    يبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء, فقال تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابً} إما من البحر كما ذكره غير واحد, أو مما يشاء الله عز وجل {فيبسطه في السماء كيف يشاء} أي يمده فيكثره وينميه, ويجعل من القليل كثير, ينشىء سحابة ترى في رأي العين مثل الترس, ثم يبسطها حتى تملأ أرجاءالأفق, وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالاً مملوءة, كما قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت ـ إلى قوله ـ كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} وكذلك قال ههنا {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً} قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني قطعاً. وقال غيره: متراكماً, كما قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء, تراه مدلهماً ثقيلاً قريباً من الأرض.
    وقوله تعالى: {فترى الودق يخرج من خلاله} أي فترى المطر وهو القطر, يخرج من بين ذلك السحاب {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} أي إليه يفرحون لحاجتهم بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله تعالى: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} معنى الكلام أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر, كانوا قنطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك, فلما جاءهم جاءهم على فاقة, فوقع منهم موقعاً عظيماً, وقد اختلف النحاة في قوله {من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} فقال ابن جرير: هو تأكيد, وحكاه عن بعض أهل العربية. وقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله, أي الإنزال لمبلسين, ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس, ويكون معنى الكلام أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله, ومن قبله أيضاً قد فات عندهم نزوله وقتاً بعد وقت, فترقبوه في إبانه, فتأخر, ثم مضت مدة فترقبوه فتأخر, ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط, فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج, ولهذا قال تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله} يعني المطر {كيف يحيي الأرض بعد موتها} ثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها فقال تعالى: {إن ذلك لمحيي الموتى} أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات {إنه على كل شيء قدير} ثم قال تعالى: {ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفرً لظلوا من بعده يكفرون} يقول تعالى: {ولئن أرسلنا ريحاً} يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه, فرأوه مصفراً, أي قد أصفر وشرع في الفساد لظلوا من بعده, أي بعد هذا الحال, يكفرون, أي يجحدون ما تقدم إليهم من النعم. كقوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون ـ إلى قوله ـ بل نحن محرومون}.
    فال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع, حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة, وأربعة عذاب, فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات, وأما العذاب: فالعقيم والصرصر وهما في البر, والعاصف والقاصف وهما في البحر.
    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب, حدثنا عمي, حدثنا عبد الله بن عياش, حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الريح مسخرة من الثانية ـ يعني الأرض الثانية ـ فلما أراد أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً, فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور, قال له الجبار تبارك وتعالى: لا إذاً تكفأ الأرض وما عليها, ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم, فهي التي قال الله في كتابه {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} هذا حديث غريب, ورفعه منكر, والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه.


    ** فَإِنّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَىَ وَلاَ تُسْمِعُ الصّمّ الدّعَآءَ إِذَا وَلّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مّسْلِمُونَ
    يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها, ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون وهم مع ذلك مدبرون عنك, كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردهم عن ضلالتهم بل ذلك إلى الله, فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء, ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وليس ذلك لأحد سواه, ولهذا قال تعالى: {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} أي خاضعون مستجيبون مطيعون, فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه وهذا حال المؤمنين, والأول مثل الكافرين, كما قال تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الاَية {إنك لا تسمع الموتى} على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم, حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيفوا ؟ فقال «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم, ولكن لا يجيبون» وتأولته عائشة على أنه قال «إنهم الاَن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق». وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعاً وتوبيخاً ونقمة.
    والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة, من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححاً له عن ابن عباس مرفوعاً «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيافيسلم عليه, إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».


    ** اللّهُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ ثُمّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوّةٍ ثُمّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
    ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالاً بعد حال, فأصله من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة, ثم يصير عظاماً, ثم تكسى العظام لحماً, وينفخ فيه الروح, ثم يخرج من بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوى, ثم يشب قليلاً قليلاً حتى يكون صغيراً, ثم حدثاً ثم مراهقاً شاباً. وهو القوة بعد الضعف, ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم, وهو الضعف بعد القوة, فتضعف الهمة والحركة والبطش, وتشيب اللمة, وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة, ولهذا قال تعالى: {ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء} أي يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد {وهو العليم القدير}.
    قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن فضيل ويزيد, حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً} فقال {الله الذي خلقكم من ضعف ثم من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً} ثم قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأت علي, فأخذ علي كما أخذت عليك, ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل, ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد بنحوه.

    ** وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللّهِ إِلَىَ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَـَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَـَكِنّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لاّ ينفَعُ الّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والاَخرة, ففي الدنيا فعلوا من عبادة الأوثان, وفي الاَخرة يكون منهم جهل عظيم أيضاً, فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا, ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: {كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} أي فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الاَخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا, فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة {لقد لبثتم في كتاب الله} أي في كتاب الأعمال {إلى يوم البعث} أي من يوم خلقتم إلى أن بعثتم {ولكنكم كنتم لا تعلمون} قال الله تعالى: {فيومئذ} أي يوم القيامة {لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} أي اعتذارهم عما فعلوا {ولا هم يستعتبون} أي ولا هم يرجعون إلى الدنيا, كما قال تعالى: {وإِن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.


    ** وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لّيَقُولَنّ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وَلاَ يَسْتَخِفّنّكَ الّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ
    يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي قد بينا لهم الحق, ووضحناه لهم, وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} أي لورأوا أي آية كانت, سواء كانت باقتراحهم أو غيره, لايؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل, كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه, كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} ولهذا قال ههنا {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون * فاصبر إن وعد الله حق} أي اصبر على مخالفتهم وعنادهم, فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك عليهم وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والاَخرة {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي بل اثبت على ما بعثك الله به, فإنه الحق الذي لا مرية فيه, ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع, بل الحق كله منحصر فيه. قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج علياً رضي الله عنه وهو في صلاة الغداة, فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} فأنصت له علي حتى فهم ما قال, فأجابه وهو في الصلاة {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفّنّك الذين لا يوقنون} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

    (ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر)
    قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير, سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم, فقال «إنه يلبس علينا القرآن, فإن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء, فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» وهذا إسناد حسن, ومتن حسن, وفيه سر عجيب, ونبأ غريب, وهو أنه صلى الله عليه وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به, فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. آخر تفسير سورة الروم. و لله الحمد والمنة.

    تمت سورة الروم

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:39

    سورة لقمان

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
    ** الَـمَ * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ * الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
    تقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة, وهو أنه سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين, وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة, فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة, وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها, ووصلوا أرحامهم وقراباتهم, وأيقنوا بالجزاء في الدار الاَخرة, فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك لم يراؤوا به, ولا أرادوا جزاءاً من الناس ولا شكوراً, فمن فعل ذلك كذلك, فهو من الذين قال الله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} أي على بصيرة وبينة ومنهج واضح جلي {وأولئك هم المفلحون} أي في الدنيا والاَخرة.


    ** وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلّىَ مُسْتَكْبِراً كَأَن لّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنّ فِيَ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
    لما ذكر تعالى حال السعداء, وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه, كما قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} الاَية, عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب, كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} قال: هو والله الغناء.
    روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب, أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الاَية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل على سبيل الله} فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو, يرددها ثلاث مرات, حدثنا عمرو بن علي, حدثنا صفوان بن عيسى, أخبرنا حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير, عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود عن قول الله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: الغناء, وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن نديمة.
    وقال الحسن البصري: نزلت هذه الأية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} والله لعله لا ينفق فيه مالاً, ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق, وما يضر على ما ينفع, وقيل: أراد بقوله {يشتري لهو الحديث} اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم, حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن خلاد الصفار عن عبيد الله بن زحر, عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن, عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام, وفيهن أنزل الله عز وجل علي {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله}» وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه, ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب, وضعف علي بن يزيد المذكور. (قلت) علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء, والله أعلم.
    وقال الضحاك في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: يعني الشرك, وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله. وقوله {ليضل عن سبيل الله} أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله, وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة أو تعليلاً للأمر القدري, أي قيضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله تعالى: {ويتخذها هزواً} قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزواً يستهزىء بها. وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزواً, وقول مجاهد أولى.
    وقوله {أولئك لهم عذاب مهين} أي كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ} أي هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب إذا تليت عليه الاَيات القرآنية ولى عنها وأعرض وأدبر وتصامم وما به من صمم, كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها, {فبشره بعذاب أليم} أي يوم القيامة, يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.


    ** إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
    هذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الاَخرة, الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين, وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله {لهم جنات النعيم} أي يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع, الذي لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائماًلا يظعنون دائماً ولا يبغون عنها حولاً. وقوله تعالى: {وعد الله حقاً} أي هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله, والله لا يخلف الميعاد, لأنه الكريم المنان الفعال لما يشاء القادر على كل شيء {وهو العزيز} الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء {الحكيم} في أقواله وأفعاله, الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} الاَية. وقوله {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}.


    ** خَلَقَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَـَذَا خَلْقُ اللّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ
    يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض, وما فيها وما بينهما, فقال تعالى: {خلق السموات بغير عمد} قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية. وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد, لها عمد لا ترونها, وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته, {وألقى في الأرض رواسي} يعني الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء, ولهذا قال {أن تميد بكم} أي لئلا تميد بكم.
    وقوله تعالى: {وبث فيها من كل دابة} أي وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالهاوألوانها إلا الذي خلقها, ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} أي من كل زوج من النبات كريم, أي حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضاً من نبات الأرض, فمن دخل الجنة فهو كريم, ومن دخل النار فهو لئيم. وقوله تعالى: {هذا خلق الله} أي هذا الذي ذكره الله تعالى من خلق السموات والأرض وما بينهما صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره, وحده لا شريك له في ذلك, ولهذا قال تعالى: {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد {بل الظالمون} يعني المشركين بالله العابدين معه غيره {في ضلال} أي جهل وعمى {مبين} أي واضح ظاهر لا خفاء به.


    ** وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ
    اختلف السلف في لقمان: هل كان نبياً أو عبداً صالحاً من غير نبوة ؟ على قولين, الأكثرون على الثاني.وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً. وقال قتادة عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان ؟ قال: كان قصيراً أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر, ذا مشافر, أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله, فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود, فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال, ومهجع مولى عمر بن الخطاب, ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر.
    وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا أبي عن أبي الأشهب عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً, فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاه, فذبحها, قال: أخرج أطيب مضغتين فيها, فأخرج اللسان والقلب, ثم مكث ما شاء الله, ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة, فذبحها, قال: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب, فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها, فأخرجتهما, وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها, فأخرجتهما ؟ فقال لقمان:إنه ليس من شيء أطيب منهماإذا طابا, ولا أخبث منهما إذا خبثا. وقال شعبة عن الحكم عن مجاهد: كان لقمان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً.
    وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين, مشقق القدمين. وقال حكام بن سالم عن سعيد الزبيدي عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً, غليظ الشفتين, مصفح القدمين, قاضياً على بني إسرائيل, وذكر غيره أنه كان قاضياً على بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا الحكم, حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبداً أسود, غليظ الشفتين, مصفح القدمين, فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم, فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال: نعم, قال: فما بلغ بك ما أرى ؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:55

    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا صفوان, حدثنا الوليد, حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته, فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك, فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس ؟ قال: بلى, قال: فما بلغ بك ما أرى ؟ قال: قدر الله, وأداء الأمانة, وصدق الحديث, وتركي ما لا يعنيني, فهذه الاَثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبياً, ومنها ما هو مشعر بذلك, لأن كونه عبداً قد مسه الرق ينافي كونه نبياً, لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها, ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبياً, وإنما ينقل كونه نبياً عن عكرمة إن صح السند إليه, فإنه رواه ابن جرير وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة, قال: كان لقمان نبياً, وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي, وهو ضعيف, والله أعلم.
    وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني عن عمر مولى غفرة, قال: وقف رجل على لقمان الحكيم, فقال: أنت لقمان, أنت عبد بني الحسحاس ؟ قال: نعم, قال: أنت راعي الغنم ؟ قال: نعم, قال: أنت الأسود ؟ قال: أما سوادي فظاهر, فما الذي يعجبك من أمري ؟ قال: وطء الناس بساطك, وغشيهم بابك, ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صَغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك, قال لقمان: غضي بصري وكفي لساني, وعفة طعمتي وحفظي فرجي, وقولي بصدق, ووفائي بعهدي, وتكرمتي ضيفي, وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني, فذاك الذي صيرني إلى ما ترى.) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن نفيل, حدثنا عمرو بن واقد, عن عبدة بن رباح, عن ربيعة عن أبي الدرداء أنه قال يوماً وذكر لقمان الحكيم, فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال, ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً, طويل التفكر, عميق النظر, لم ينم نهاراً قط, ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع, ولا يبول ولا يتغوط, ولا يغتسل, ولا يعبث ولا يضحك, وكان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد, وكان قد تزوج وولد أولاد, فماتوا فلم يبك عليهم, وكان يغشى السلطان ويأتي ****** لينظر ويتفكر ويعتبر, فبذلك أوتي ما أوتي.
    وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي, حدثنا العباس بن الوليد, حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي, حدثنا سعيد عن ابن بشير قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة, فاختار الحكمة على النبوة, قال: فأتاه جبريل وهو نائم, فذر عليه الحكمة, أو رش عليه الحكمة, قال: فأصبح ينطق بها, قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة, وقد خيرك ربك ؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه, ولكنت أرجو أن أقوم بها, ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة, فكانت الحكمة أحب إلي. فهذا من رواية سعيد بن بشير, وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه, فالله أعلم, والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} أي الفقه في الإسلام,ولم يكن نبياً ولم يوح إليه.
    وقوله {ولقد آتينا لقمان الحكمة} أي الفهم والعلم والتعبير {أن أشكر الله} أي أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه, ثم قال تعالى: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: {ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون}. وقوله {ومن كفر فإن الله غني حميد} أي غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولوكفر أهل الأرض كلهم جميعاً, فإنه الغني عما سواه, فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه
    ** وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَيّ لاَ تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّهُ وَهْناً عَلَىَ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىَ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن وصية لقمان لولده, وهو لقمان بن عنقاء بن سدون, واسم ابنه ثاران في قول حكاه السهيلي, وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر, وأنه آتاه الحكمة, وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه, فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه أولاً بأن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً, ثم قال محذراً له {إن الشرك لظلم عظيم} أي هو أعظم الظلم. قال البخاري: حدثنا قتيبة, حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه ليس بذاك, ألا تسمع إلى قول لقمان {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}» ورواه مسلم من حديث الأعمش به, ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين, كما قال تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} وكثيراً ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن, وقال ههنا {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن} قال مجاهد: مشقة وهن الولد, وقال قتادة جهداً على جهد, وقال عطاء الخراساني ضعفاً على ضعف.
    وقوله {وفصاله في عامين} أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين, كما قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} الاَية, ومن ههنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, لأنه قال في الاَية الأخرى {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلاً ونهاراً, ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه, كما قال تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} ولهذا قال {أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير} أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء.
    قال ابن حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا عبيد الله, أخبرنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل, وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فقام فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً, وأن تطيعوني لا آلوكم خيراً, وإن المصير إلى الله إلى الجنة أو إلى النار إقامة فلا ظعن, وخلود فلا موت.
    وقوله {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك, ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً, أي محسناً إليهما, {واتبع سبيل من أناب إلى} يعني المؤمنين, {ثم إِلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون} قال الطبراني في كتاب العشرة: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد, حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الاَية {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} الاَية, قال: كنت رجلاً براً بأمي, فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي , فيقال: يا قاتل أمه, فقلت: لا تفعلي يا أمه, فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوماً وليلة لم تأكل, فأصبحت قد جهدت, مكثت يوماً وليلة أخرى لا تأكل, فأصبحت قد اشتد جهدها, فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء, فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي, فأكلت.


    ** يَبُنَيّ إِنّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَبُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىَ مَآ أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ * وَلاَ تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
    هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم, ليمتثلها الناس ويقتدوا بها, فقال {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} أي إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من خردل, وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة, وجوز على هذا رفع مثقال, والأول أولى. وقوله عز وجل {يأت بها الله} أي أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط, وجازى عليها إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, كما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً} الاَية. وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء, أو غائبة ذاهبة في ارجاء السموات والأرض, فإن الله يأتي بها, لأنه لا تخفى عليه خافية, ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض, ولهذا قال تعالى: {إن الله لطيف خبير} أي لطيف العلم, فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت, {خبير} بدبيب النمل في الليل البهيم.
    وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله{فتكن في صخرة} أنها صخرة تحت الأرضين السبع, وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة إن صح ذلك, ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم, وهذا ـ والله أعلم ـ كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب, والظاهر ـ والله أعلم ـ أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة, فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا دراج عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان».
    ثم قال {يا بني أقم الصلاة} أي بحدودها وفروضها وأوقاتها {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} أي بحسب طاقتك وجهدك {واصبر على ما أصابك} علم أن الاَمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى, فأمره بالصبر. وقوله {إن ذلك من عزم الأمور} أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور وقوله {ولا تصعر خدك للناس} يقول لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقاراً منك لهم, واستكباراً عليهم, ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم, كما جاء في الحديث «ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط, وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة, والمخيلة لا يحبها الله».
    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {ولا تصعر خدك للناس} يقول لا تتكبر فتحقر عباد الله, وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك, وكذا روى العوفي وعكرمة عنه. وقال مالك عن زيد بن أسلم {ولا تصعر خدك للناس} لا تتكلم وأنت معرض, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم. وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. وقال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها, حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها, فشبه به الرجل المتكبر, ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي.
    وكنا إذا الجبار صعر خدهأقمنا له من ميله فتقوما

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 10:58

    وقال أبو طالب في شعره:وكنا قديماً لا نقر ظلامةإذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها
    وقوله {ولا تمش في الأرض مرحا} أي خيلاء متكبراً جباراً عنيداً, لا تفعل ذلك يبغضك الله, ولهذا قال {إن الله لا يحب كل مختال فخور} أي مختال معجب في نفسه, فخور أي على غيره. وقال تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى, حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه, فقال «إن الله لا يحب كل مختال فخور» فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها, ويعجبني شراك نعلي, وعلاقة سوطي, فقال «ليس ذلك الكبر, إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس» ورواه من طريق أخرى بمثله, وفيه قصة طويلة, ومقتل ثابت ووصيته بعد موته.
    وقوله {واقصد في مشيك} أي امش مقتصداً مشياً ليس بالبطيء المتثبط, ولا بالسريع المفرط, بل عدلاً وسطا بين بين. وقوله {واغضض من صوتك} أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه, ولهذا قال {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير, أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه, ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى, وهذا التشبيه في هذا بالحمير, يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه».
    وقال النسائي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا قتيبة بن سعيد , حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله, وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان, فإنها رأت شيطاناً» وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به, وفي بعض الألفاظ: بالليل, فالله أعلم.
    فهذه وصايا نافعة جداً, وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم, وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة, فلنذكر منها أنموذجاً ودستوراً إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق, أخبرنا ابن المبارك, أخبرنا سفيان, أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه». وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان, عن القاسم يحدث عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع, فإنه مخوفة بالليل مذمة بالنهار».
    وقال: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان عن ضمرة, حدثنا الثري بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وقال أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا عبدة بن سليمان , أخبرنا ابن المبارك, حدثنا عبد الرحمن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام, يعني السلام, ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا, فإن أفاضوا في ذكر الله, فأجل سهمك معهم, وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم. وقال أيضاً: حدثنا أبي, حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار, حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه, وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفذ الخردل, فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر, قال: فتفطر ابنه.
    وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني, حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي, حدثنا أنس بن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتخذوا السودان, فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم, والنجاشي, وبلال المؤذن» قال أبو القاسم الطبراني أراد الحبش.

    فصل في الخمول والتواضع
    وذلك متعلق بوصية لقمان عليه السلام لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتاباً مفرداً, ونحن نذكر منه مقاصده, قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر, حدثنا عبد الله بن موسى المدني عن أسامة بن زيد بن حفص بن عبد الله بن أنس عن جده أنس بن مالك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «رب أشعث ذي طمرين يصفح عن أبواب الناس إذا أقسم على الله لأبره» ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت, وعلي بن زيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره, وزاد «منهم البراء بن مالك».
    وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا نافع بن زيد عن عياش بن عباس عن عيسى بن عبد الرحمن, عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه دخل المسجد, فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما يبكيك يا معاذ ؟ قال: حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعته يقول «إن اليسير من الرياء شرك, وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء, الذين إذا غابوا لم يفتقدوا, وإذا حضروا لم يعرفوا, قلوبهم مصابيح الهدى, ينجون من كل غبراء مظلمة».
    حدثنا الوليد بن شجاع, حدثنا عفان بن علي عن حميد بن عطاء الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره, لو قال: اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة, ولم يعطه من الدنيا شيئاً». وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله ديناراً أو درهماً أو فلساً لم يعطه, ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها, ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها, ولم يمنعها إياه لهوانه عليه, ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» وهذا مرسل من هذا الوجه.
    وقال أيضاً: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم, أخبرنا جعفر بن سليمان, حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم, وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا, وإذا قالوا لم ينصت لهم, حوائج أحدهم تتجلجل في صدره, لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم». قال: وأنشدني عمر بن شبة عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك:
    ألا رب ذي طمرين في منزل غدازرابيه مبثوثة ونمارقه
    قد اطردت أنهاره حول قصرهوأشرق والتفت عليه حدائقه
    وروي أيضاً من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم, عن أبي أمامة مرفوعاً «قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ, ذو حظ من صلاة, أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر, وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك» قال: ثم أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده, وقال «عجلت منيته, وقل تراثه, وقلت بواكيه» وعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباء, قيل: ومن الغرباء ؟ قال: الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم.
    وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك, ألم أعطك, ألم أسترك ؟ ألم... ألم... ألم أُخمل ذكرك. ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف فافعل, وما عليك أن لا يثنى عليك, وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس محموداً عند الله. وكان ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً. وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك, واجعلني في نفسي من أوضع خلقك. وعند الناس من أوسط خلقك.

    (باب ما جاء في الشهرة)
    ثم قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري, حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب, عن سنان بن سعد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حسب امرىء من الشر إلا من عصم الله أن يشير الناس إليه بالإصابع في دينه ودنياه, وإن الله لاينظر إلى صوركم, ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم» وروي مثله عن إسحاق بن البهلول عن ابن أبي فديك, عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي, عن عبد الواحد بن أبي كثير عن جابر بن عبد الله مرفوعاً مثله, وروي عن الحسن مرسلاً نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع, فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة وفي دنياه بالفسق.
    وعن علي رضي الله عنه قال: لاتبدأ لأن تشتهر, ولا ترفع شخصك لتذكر, وتعلم واكتم, واصمت تسلم, تسر الأبرار وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. وقال محمد بن العلاء: من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس. وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف. كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم.
    وقال: حدثنا علي بن الجعد, أخبرنا شعبة عن عوف عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوماً يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار.
    وقال ابن إدريس عن هارون بن ابن عنترة عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة وقال: إنها مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وقال ابن عون عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس, فقال: والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان. وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم, ردوا رداً شديداً, فكان ذلك يغمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه, فقيل له في ذلك, فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص, واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي صلى الله عليه وسلم, فلبسهما أياماً ثم خلعهما, وقال: لم أر الناس يلبسونهما. وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهر في الفقهاء ولا ما يزدريك السفهاء. وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه.
    وحدثنا خالد بن خداش, حدثنا حماد عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق. وقال الحسن رحمه الله: إن قوماً جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم, فصاحب الكساء بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه ما لهم تفاقدوا. وفي بعض الأخبار أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان, وقلوبكم قلوب الذئاب, البسوا ثياب الملوك, وألينوا قلوبكم بالخشية.

    (فصل في حسن الخلق)
    قال أبو التياح عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً وعن عطاء عن ابن عمر: قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ؟ قال «أحسنهم خلقاً». وعن نوح بن عباد عن ثابت عن أنس مرفوعاً «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الاَخرة وشرف المنازل, وإنه لضعيف العبادة, وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد» وعن سيار بن هارون عن حميد عن أنس مرفوعاً «ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والاَخرة» وعن عائشة مرفوعاً «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار».

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:23

    وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس, حدثنا عبد الله بن إدريس, أخبرني أبي وعمي عن جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة, فقال «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار, فقال «الأجوفان: الفم والفرج» وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الأعراب من كل مكان, فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال «حسن الخلق».
    وقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق, وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به. وعن مسروق عن عبد الله مرفوعاً «إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً». حدثنا عبد الله بن أبي بدر, حدثنا محمد بن عيسى عن محمد بن أبي سارة عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق, كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح». وعن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعاً «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً, وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلاً في الجنة مساويكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون» وعن أبي أويس عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً «ألا أخبركم بأكملكم إيماناً أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يؤلفون ويألفون».
    وقال الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن بكر ابن أبي الفرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار». وعن عبد الله بن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعاً «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق». وقال ميمون بن مهران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. قال: حدثنا علي بن الجعد, حدثنا أبو المغيرة الأحمسي, حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق, إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد, وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل». وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم, ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق». وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين.

    (فصل في ذم الكبر)
    قال علقمة عن ابن مسعود رفعه «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر, ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان» وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً «من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر, أكبه الله على وجهه في النار» حدثنا إسحاق بن إسماعيل, حدثنا أبو معاوية عن عمر بن راشد عن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعاً «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين, فيصيبه ما أصابهم من العذاب».
    وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود عليهما السلام ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن, فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء, ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر, فسمعوا صوتاً لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع قال: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول مرتين.
    وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار, ثم تلا {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} وقال الحسن: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين, ثم يتكبر يعارض جبار السموات. قال: حدثنا خالد بن خداش, حدثنا حماد بن زيد عن علي بن الحسن عن الضحاك بن سفيان, فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه. وقال محمد بن الحسين بن علي ـ من ولد علي رضي الله عنه ـ ما دخل قلب رجل شيء من الكبر, إلا نقص من عقله بقدر ذلك.
    وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر, ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته, وذلك قبل أن يستخلف, فطعن طاوس في جنبه بأصبعه, وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء ؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية.

    (فصل في الإختيال)
    عن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً مثله. وحدثنا محمد بن بكار, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره, وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» وروى الزهري عن سالم عن أبيه بينما رجل إلى آخره.


    ** أَلَمْ تَرَوْاْ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُمْ مّا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىَ عَذَابِ السّعِيرِ
    يقول تعالى منبهاً خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والاَخرة بأنه سخر لهم ما في السموات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم, وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد, وجعله إياها لهم سقفاً محفوظاً, وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار, وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل, ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم, بل منهم من يجادل في الله, أي في توحيده وإرساله الرسل ومجادلته في ذلك بغير علم, ولا مستند من حجة صحيحة, ولا كتاب مأثور صحيح, ولهذا قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أي مبين مضيء {وإذا قيل لهم} أي لهؤلاء المجادلين في توحيد الله {اتبعوا ما أنزل الله} أي على رسوله من الشرائع المطهرة{قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} أي لم يكن لهم حجة إلا اتباع الاَباء الأقدمين, قال الله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} أي فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه, ولهذا قال تعالى: {أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير}.


    ** وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ وَإِلَىَ اللّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ * وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوَاْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمّ نَضْطَرّهُمْ إِلَىَ عَذَابٍ غَلِيظٍ
    يقول تعالى مخبراً عمن أسلم وجههلله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه, ولهذا قال {وهو محسن} أي في عمله باتباع ما به أمر, وترك ما عنه زجر {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد أخذ موثقاً من الله متيناً لا يعذبه {وإلى الله عاقبة الأمور * ومن كفر فلا يحزنك كفره} أي لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به, فإن قدر الله نافذ فيهم, وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا, أي فيجزيهم عليه {إن الله عليم بذات الصدور} فلا تخفى عليه خافية, ثم قال تعالى: {نمتعهم قليلاً} أي في الدنيا {ثم نضطرهم} أي نلجئهم {إلى عذاب غليظ} أي فظيع صعب مشق على النفوس, كما قال تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}.


    ** وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ إِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض وحده لا شريك له, ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له, ولهذا قال تعالى: {ولئن سألتم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله} أي إذ قامت عليكم الحجة باعترافكم {بل أكثرهم لا يعلمون}. ثم قال تعالى: {لله ما في السموات والأرض} أي هو خلقه وملكه {إن الله هوالغني الحميد} أي الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه, الحميد في جميع ما خلق, له الحمد في السموات والأرض على ما خلق وشرع, وهو المحمود في الأمور كلها.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:33

    ** وَلَوْ أَنّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
    يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا, وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد, ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها, كما قال سيد البشر وخاتم الرسل «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» فقال تعالى: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله} أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً وجعل البحر مداداً وأمده سبعة أبحر معه, فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ونفذ ماء البحر, ولو جاء أمثالها مدداً, وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة, ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب, بل كما قال تعالى في الاَية الأخرى {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} فليس المراد بقوله {بمثله} آخر فقط بل بمثله ثم بمثله, ثم بمثله ثم هلم جرا, لأنه لا حصر لاَيات الله وكلماته.
    قال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاماً, وجعل البحر مداداً, وقال الله إن من أمري كذا ومن أمري كذا, لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام. وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد, فقال الله تعالى: {ولو أن ما في الأرض شجرة أقلام} أي لو كان شجر الأرض أقلاماَ ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها, وقد أنزل الله ذلك {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} الاَية, يقول: لو كان البحر مداداً لكلمات الله, والأشجار كلها أقلاماً, لا نكسرت الأقلام وفني ماء البحر, وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء, لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي, حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول.
    وقد روي أن هذه الاَية نزلت جواباً لليهود. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جيبر أو عكرمة عن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} إيانا تريد أم قومك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلاكما» قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنها في علم الله قليل, وعندكم من ذلك ما يكفيكم» وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك {ولو أن في الأرض من شجرة أقلام} الاَية, وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن بشار, وهذا يقتضي أن هذه الاَية مدنية, لا مكية, والمشهور أنها مكية, والله أعلم.
    وقوله {إن الله عزيز حكيم} أي عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه, فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه, حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه. وقوله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة, الجميع هين عليه, {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة, فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} وقوله {إن الله سميع بصير} أي كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة, كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة, ولهذا قال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} الاَية.
    ** أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُولِجُ الْلّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِيَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى وَأَنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنّ اللّهَ هُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ
    يخبر تعالى أنه {يولج الليل في النهار} يعني يأخذ منه في النهار فيطول ذاك, ويقصر هذا, وهذا يكون زمن الصيف, يطول النهار إلى الغاية, ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار, وهذا يكون في الشتاء {وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى} قيل إلى غاية محدودة, وقيل إلى يوم القيامة, وكلا المعنيين صحيح, ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر رضي الله عنه الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال «فإنها تذهب فتسجد تحت العرش, ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو صالح, حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها, فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها, قال: وكذلك القمر, إسناده صحيح.
    وقوله {وأن الله بما تعلمون خبير} كقوله {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء, كقوله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} الاَية. وقوله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} أي إنما يظهر لكم آياته لتستدلوابها على أنه الحق, أي الموجود الحق الإله الحق, وأن كل ما سواه باطل, فإنه الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه, لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده, لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه, ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذباباً لعجزوا عن ذلك , ولهذا قال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} أي العلي الذي لا أعلى منه, الكبير الذي هو أكبر من كل شيء, فكل خاضع حقير بالنسبة إليه.


    ** أَلَمْ تَرَ أَنّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللّهِ لِيُرِيَكُمْ مّنْ آيَاتِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ * وَإِذَا غَشِيَهُمْ مّوْجٌ كَالظّلَلِ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرّ فَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاّ كُلّ خَتّارٍ كَفُورٍ
    يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره, أي بلطفه وتسخيره, فإنه لو لا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت, ولهذا قال {ليريكم من آياته} أي من قدرته {إن في ذلك لاَيات لكل صبار شكور} أي صبار في الضراء شكور في الرخاء, ثم قال تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل} أي كالجبال والغمام {دعوا الله مخلصين له الدين} كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وقال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك} الاَية.
    ثم قال تعالى: {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} قال مجاهد: أي كافر كأنه فسر المقتصد ههنا بالجاحد, كما قال تعالى: {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}. وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل, وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} الاَية, فالمقتصد ههنا هو المتوسط في العمل, ويحتمل أن يكون مراداً هنا أيضاً, ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والاَيات الباهرات في البحر, ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام, والدؤوب في العبادة, والمبادرة إلى الخيرات, فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصراً والحالة هذه والله أعلم. وقوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} فالختار هو الغدار, قاله مجاهد والحسن وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم: وهو الذي كلما عاهد نقض عهده, والختر أتم الغدر وأبلغه. قال عمرو بن معد يكرب.
    وإنك لو رأيت أبا عميرملأت يديك من غدر وختر
    وقوله {كفور} أي جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها.


    ** يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلاَ تَغُرّنّكُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَلاَ يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ
    يقول تعالى منذراً للناس يوم المعاد, وآمراً لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة حيث {لا يجزي والد عن ولده} أي لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه. لم يقبل منه, ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الاَخرة {ولا يغرنكم بالله الغرور} يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة, فإنه يغر ابن آدم ويعده ويمنيه, وليس من ذلك شيء بل كان ما قال تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} قال وهب بن منبه: قال عزير عليه السلام: لما رأيت بلاء قومي, اشتد حزني وكثر همي وأرق نومي, فضرعت إلى ربي وصليت وصمت, فأنا في ذلك أتضرع أبكي, إذ أتاني الملك فقلت له, خبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة أو الاَباء لأبنائهم ؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء, وملك ظاهر ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن, ولا يؤخذ فيه والد عن ولده, ولا ولد عن والده, ولا أخ عن أخيه, ولا عبد عن سيده, ولا يهتم أحد به غيره, ولا يحزن لحزنه, ولا أحديرحمه, كل مشفق على نفسه, ولا يؤخذ إنسان عن إنسان, كل يهمه همه, ويبكي عوله, ويحمل وزره, ولا يحمل وزره معه غيره, رواه ابن أبي حاتم.

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:35

    ** إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنّ اللّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ
    هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها, فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها, فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب {لا يجليها لوقتها إلا هو} وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك, ومن يشاء الله من خلقه, وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه, ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً, علم الملائكة الموكلون بذلك, ومن شاء الله من خلقه, وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غداً في دنياها وأخراها {وما تدري نفس بأي أرض تموت} في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان, لا علم لأحد بذلك, وهذه شبيهة بقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الاَية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.
    قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب, حدثني حسين بن واقد, حدثني عبد الله بن بريدة, سمعت أبي بريدة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}» هذا حديث صحيح الإسناد, ولم يخرجوه.
    (حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلاالله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}» انفرد بإخراجه البخاري, فرواه في كتاب الإستسقاء في صحيحه عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان بن سعيد الثوري به. ورواه في التفسير من وجه آخر, فقال: حدثنا يحيى بن سليمان,حدثنا ابن وهب, حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أن أباه حدثه أن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «مفاتيح الغيب خمس» ثم قرأ {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} انفرد به أيضاً. ورواه الإمام أحمد عن غندر عن شعبة عن عمر بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}».
    (حديث ابن مسعود) رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة, حدثني عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} وكذا رواه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره. قال: قلت له أنت سمعته من عبد الله ؟ قال: نعم, أكثر من خمسين مرة, ورواه أيضاً عن وكيع عن مسعر عن عمرو بن مرة به. وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن, ولم يخرجوه.
    (حديث أبي هريرة) قال البخاري عند تفسير هذه الاَية: حدثنا إسحاق عن جرير عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً بارزاً للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله, ما الإيمان ؟ قال «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته, وكتبه ورسله ولقائه, وتؤمن بالبعث الاَخر» قال: يا رسول الله ما الإسلام ؟ قال «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان» قال: يا رسول الله ما الإحسان ؟ قال «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: يا رسول الله متى الساعة ؟ قال «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل, ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها, وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله, {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث, ويعلم مافي الأرحام} الاَية, ثم انصرف الرجل فقال «ردوه علي» فأخذوا ليردوه, فلم يروا شيئاً, فقال: «هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم» ورواه البخاري أيضاً في كتاب الإيمان, ومسلم عن طرق عن أبي حيان به. وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري, وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله, وهو من أفراد مسلم.
    (حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر, حدثنا عبد الحميد, حدثنا شهر, حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما, قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فأتاه جبريل, فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: حدثني ما الإسلام ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل, وتشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له, وأن محمداً عبده ورسوله» قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت ؟ قال «إذا فعلت ذلك فقد أسلمت» قال: يا رسول الله, فحدثني ما الإيمان ؟ قال «الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الاَخر, والملائكة والكتاب والنبيين, وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت, وتؤمن بالجنة والنار, والحساب والميزان, وتؤمن بالقدر كله: خيره وشره» قال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت ؟ قال «إذا فعلت ذلك فقد آمنت} قال: يا رسول الله حدثني ما الإحسان ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه, فإن كنت لا تراه فإنه يراك» قال: يا رسول الله فحدثني متى الساعة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ـ سبحان الله ـ في خمس لا يعلمهن إلا هو {إن الله عنده علم الساعة, وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك ـ قال: أجل يا رسول الله, فحدثني, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الأمة ولدت ربتها ـ أو ربها ـ ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان, ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس, فذلك من معالم الساعة وأشراطها» قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء الحفاة الجياع العالة ؟ قال «العرب» حديث غريب, ولم يخرجوه.
    (حديث رجل من بني عامر) روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمة «اخرجي إليه, فإنه لا يحسن الإستئذان, فقولي له فليقل: السلام عليكم, أأدخل ؟» قال: فسمعته يقول ذلك, فقلت: السلام عليكم, أأدخل ؟ فأذن لي فدخلت, فقلت: بمَ أتيتنا به ؟ قال «لم آتكم إلا بخير, أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له, وأن تدعوا اللات والعزى, وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات, وأن تصوموا من السنة شهراً, وأن تحجوا البيت, وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم» قال: فقال فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟ قال «قد علّمني الله عز وجل خيراً, وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل: الخمس {إن الله عنده علم الساعة, وينزل الغيث, ويعلم ما في الأرحام} الاَية, وهذا إسناد صحيح.
    وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى, فأخبرني ما تلد, وبلادنا مجدبة, فأخبرني متى ينزل الغيث, وقد علمت متى ولدت, فأخبرني متى أموت فأنزل الله عز وجل {إن الله عنده علم الساعة ـ إلى قوله ـ عليم خبير} قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وقال الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب, ثم قرأت {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً}.
    وقوله تعالى: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن, فلم يطلع عليهنّ ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً {إن الله عنده علم الساعة} فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة, أو في أي شهر, أو ليل أو نهار {وينزل الغيث} فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلاً أو نهاراً {ويعلم ما في الأرحام} فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى, أحمر أو أسود, وما هو {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} أخير أم شر, ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غداً, لعلك المصاب غداً {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أي ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض, أفي بحر أم بر أو سهل أو جبل. وقد جاء في الحديث «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة».
    وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة, حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن أبي إسحاق عن مطر بن عكاش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قضى الله ميتة عبد بأرض جعل له إليها حاجة» وهكذا رواه الترمذي في القدر من حديث سفيان الثوري به, ثم قال: حسن غريب, ولا يعرف لمطر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث, وقد رواه أبو داود في المراسيل, فالله أعلم.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا أيوب عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها ـ أو قال ـ بها حاجة» وأبو عزة هذا هو يسار بن عبيد الله, ويقال ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن علية, وقال: صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني, حدثنا المؤمل بن إسماعيل, حدثنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله عنده علم الساعة ـ إلى ـ عليم خبير}.
    (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا: حدثنا عمر بن علي, حدثنا إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة» ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان:
    فما تزود مما كان يجمعهسوى حنوط غداة البين مع خرق
    وغير نفحة أعواد تشب لهوقل ذلك من زاد لمنطلق
    لا تأسين على شيء فكل فتىإلى منيته سيار في عنق
    وكل من ظن أن الموت يخطئهمعلل بأعاليل من الحمق
    بأيما بلدة تقدر منيتهإن لا يسير إليها طائعاً يُسق
    أورده الحافظ ابن عساكر رحمه الله في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث, وهو أعشى همدان, وكان الشعبي زوج أخته, وهو مزوج بأخت الشعبي أيضاً, وقد كان ممن طلب العلم والتفقه, ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به, وقد روى ابن ماجه عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة, كلاهما عن عمر بن علي مرفوعاً إذا كان أجل أحدكم بأرض أوثبته له إليها حاجة, فإذا بلغ أقصى أثره قبضه الله عز وجل, فتقول الأرض يوم القيامة: رب هذا ما أودعتني, قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن أيوب عن أبي المليح عن أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له إليها حاجة».

    تمت سورة لقمان
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:37

    سورة السجدة

    روى البخاري في كتاب الجمعة: حدثنا أبو نعيم, حدثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة {آلم تنزيل} السجدة و {هل أتى على الإنسان} ورواه مسلم أيضاً من حديث سفيان الثوري به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, أخبرنا الحسن بن صالح عن ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لاينام حتى يقرأ الم تنزيل السجدة, وتبارك الذي بيده الملك, تفرد به أحمد.

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** الَـمَ * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رّبّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقّ مِن رّبّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مّآ أَتَاهُم مّن نّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ لَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ
    قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله {تنزيل الكتاب لا ريب فيه} أي لا شك فيه ولا مرية أنه منزل {من رب العالمين} ثم قال تعالى مخبراً عن المشركين أم {يقولون افتراه} أي اختلقه من تلقاء نفسه {بل هو من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} أي يتبعون الحق.


    ** اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكّرُونَ * يُدَبّرُ الأمْرَ مِنَ السّمَآءِ إِلَى الأرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ
    يخبر تعالى أنه خالق للأشياء فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام, ثم استوى على العرش, وقد تقدم الكلام على ذلك {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} أي بل هو المالك لأزمة الأمور, الخالق لكل شيء, المدبر لكل شيء, القادر على كل شيء, فلا ولي لخلقه سواه, ولا شفيع إلا من بعد إذنه {أفلا تتذكرون} يعني أيها العابدون غيره المتوكلون على من عداه, تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل, لا إله إلا هو ولا رب سواه.
    وقد أورد النسائي ههنا حديثاً فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب, حدثني محمد بن الصباح, حدثنا أبو عبيدة الحداد, حدثنا الأخضر بن عجلان عن أبي جريج المكي عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال «إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام, ثم استوى على العرش في اليوم السابع, فخلق التربة يوم السبت, والجبال يوم الأحد, والشجر يوم الاثنين, والمكروه يوم الثلاثاء, والنور يوم الأربعاء, والدواب يوم الخميس, وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر, وخلقه من أديم الأرض: أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها, من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث» هكذا أورد هذا الحديث إسناداً ومتنا, وقد أخرج مسلم والنسائي أيضاً من حديث حجاج بن محمد الأعور, عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية, عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح, وكذا علله غير واحد من الحفاظ, والله أعلم.
    قوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة, كما قال تعالى: { الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن} الاَية, وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة وسمك السماء خمسمائة سنة وقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة خمسمائة عام, ولكنه يقطعها في طرفة عين, ولهذا قال تعالى: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة} أي المدبر لهذه الأمور, الذي هو شهيد على أعمال عباده, يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها, هو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه, ودانت له العباد والرقاب, الرحيم بعباده المؤمنين, فهو عزيز في رحمته رحيم في عزته.


    ** الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مّآءٍ مّهِينٍ * ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشْكُرُونَ
    يقول تعالى مخبراً أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. وقال مالك عن زيد بن أسلم {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال: أحسن خلق كل شيء كأنه جعله من المقدم والمؤخر, ثم لما ذكر تعالى خلق السموات والأرض, شرع في ذكر خلق الإنسان, فقال تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني خلق أبا البشر آدم من طين {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} أي يتناسلون كذلك من نطفة من بين صلب الرجل وترائب المرأة {ثم سواه} يعني آدم لما خلقه من تراب, خلقاً سوياً مستقيماً {ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} يعني العقول {قليلاً ما تشكرون} أي بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل, فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل.


    ** وَقَالُوَاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفّاكُم مّلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكّلَ بِكُمْ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا {أئذا ضللنا في الأرض} أي تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت {أئنا لفي خلق جديد} أي أئنا لنعود بعد تلك الحال ؟ يستعبدون ذلك , وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم, الذي إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون, ولهذا قال تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} ثم قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} الظاهر من هذه الاَية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة, كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم, وقد سمي في بعض الاَثار بعزرائيل وهو المشهور, قاله قتادة وغير واحد وله أعوان, وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم وتناولها ملك الموت, قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء, ورواه زهير بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه مرسلاً, وقاله ابن عباس رضي الله عنهما.
    وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري, حدثنا عمر بن سمرة عن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن» فقال ملك الموت: يا محمد طب نفساً وقر عيناً, فإني بكل مؤمن رفيق, واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات, حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم,والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الاَمر بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة, فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان, ولقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة. وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال سمعت مجاهداً يقول: ما على ظهر الأرض من)بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطوف به كل يوم مرتين. وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنياإلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه, رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.


    ** وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـَكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـَذَآ إِنّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
    يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله عز وجل, حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم, أي من الحياء والخجل يقولون {ربنا أبصرنا وسمعنا} أي نحن الاَن نسمع قولك ونطيع أمرك, كما قال تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنافي أصحاب السعير} وهكذا هؤلاء يقولون {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} أي إلى دار الدنيا {نعمل صالحاً إنا موقنون} أي قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق, وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفاراً يكذبون بآيات الله ويخالفون رسله, كما قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} الاَية, وقال ههنا {ولو شئنا لاَتينا كل نفس هداها} كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لاَمن من في الأرض كلهم جميعاً} {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي من الصنفين فدارهم النار لامحيد لهم عنها ولا محيص لهم منها, نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك, {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به واستبعادكم وقوعه وتناسيكم له إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له {إنا نسيناكم} أي سنعاملكم معاملة الناسي, لأنه تعالى لا ينسى شيئاً ولا يضل عنه شيء, بل من باب المقابلة كما قال تعالى: {فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} وقوله تعالى: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي بسبب كفركم وتكذيبكم, كما قال تعالى في الاَية الأخرى {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً * إلا حميماً وغساقاً * ـ إلى قوله ـ فلن نزيدكم إلا عذاباً}.

    يتبع
    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:41

    ** أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاّ يَسْتَوُونَ * أَمّا الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوَىَ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَأَمّا الّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النّارُ كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النّارِ الّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ * وَلَنُذِيقَنّهُمْ مّنَ الْعَذَابِ الأدْنَىَ دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن ذُكّرَ بِآيَاتِ رَبّهِ ثُمّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
    يخبر تعالى عن عدله وكرمه أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله, بمن كان فاسقاً أي خارجاً عن طاعة ربه, مكذباً لرسل الله إليه, كما قال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} الاَية, ولهذا قال تعالى ههنا {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون} أي عند الله يوم القيامة, وقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط, ولهذا فصل حكمهم فقال {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا يمقتضاها وهي الصالحات {فلهم جنات المأوى} أي التي فيها المساكن والدور والغرف العالية {نزلا} أي ضيافة وكرامة {بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا} أي خرجوا عن الطاعة فمأواهم النار, كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها, كقوله {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} الاَية قال الفضيل بن عياض: «والله إن الأيدي لموثقة, وإن الأرجل لمقيدة, وإن اللهب ليرفعهم, والملائكة تقمعهم {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً.
    وقوله تعالى: {ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها, وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف. وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذا ب القبر. وقال النسائي, أخبرنا عمرو بن علي, أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص, وأبي عبيدة عن عبد الله {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} قال: سنون أصابتهم.
    وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري, حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عروة عن الحسن العوفي عن يحيى الجزار, عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الاَية {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} قال: القمر والدخان قد مضيا والبطشة واللزام, ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفاً نحوه. وعند البخاري عن ابن مسعود نحوه. وقال عبد الله بن مسعود أيضاً في رواية عنه: العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر, وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم. قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير, فأصيبوا أو غرموا, ومنهم من جمع له الأمران.
    وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها, ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها. قال قتادة.: إياكم والإعراض عن ذكر الله, فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة, وأعوز أشد العوز, وعظم من أعظم الذنوب, ولهذا قال تعالى متهدداً لمن فعل ذلك {إنا من المجرمين منتقمون} أي سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام. وروى ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي, حدثنا محمد بن المبارك, حدثنا إسماعيل بن عياش, حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله عن عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله يقول: ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق, أو عق والديه, أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم, يقول الله تعالى: {إنا من المجرمين منتقمون} ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به وهذا حديث غريب جداً.


    ** وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ * إِنّ رَبّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله موسى عليه السلام أنه آتاه الكتاب, وهو التوراة, وقوله تعالى: {فلا تكن في مرية من لقائه} قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء, ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم, يعني ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة, ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض, سبط الرأس, ورأيت مالكاً خازن النار والدجال» في آيات أراهن الله إياه {فلا تكن في مرية من لقائه} أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به.
    وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة, حدثنا الحسن بن علي الحلواني, حدثنا روح بن عبادة. حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية, عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل, وفي قوله {فلا تكن في مرية من لقائه} قال: من لقاء موسى ربه عز وجل. وقوله تعالى: {وجعلناه} أي الكتاب الذي آتيناه {هدى لبني إسرائيل} كما قال تعالى في سورة الإسراء {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً}.
    وقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} أي لما كانوا صابرين على أوامر الله, وترك زواجره, وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به, كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله, ويدعون إلى الخير, ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا, سلبوا ذلك المقام, وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه, فلا عملاً صالحاً ولا اعتقاداً صحيحاً, ولهذا قوله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} قال قتادة وسفيان : لما صبروا عن الدنيا وكذلك قال الحسن بن صالح قال سفيان: هكذا كان هؤلاء, ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا قال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم, كما لا بد للجسد من الخبز. وقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمي أو عمي على أبي: سئل سفيان عن قول علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ألم تسمع قوله {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوساء. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولهذا قال تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقتاهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر} الاَية, كما قال هنا {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي من الاعتقادات والأعمال.
    ** أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ
    يقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل, ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل, فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً} ولهذا قال {يمشون في مساكنهم} أي هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين, فلا يرون منها أحداً ممن يسكنها ويعمرها, ذهبوا منها {كأن لم يغنوا فيها} كما قال {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} وقال {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض ـ إلى قوله ـ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ولهذا قال ههنا {إن في ذلك لاَيات} أي إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل, ونجاة من آمن بهم, لاَيات وعبراً ومواعظ ودلائل متناظرة {أفلا يسمعون} أي أخبار من تقدم كيف كان أمرهم.
    وقوله تعالى: {أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح, وهو ما تحمله الأنهار ويتحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته, ولهذا قال تعالى: {إلى الأرض الجرز} وهي التي لا نبات فيها, كما قال تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} أي يبساً لا تنبت شيئاً, وليس المراد من قوله {إلى الأرض الجرز} أرض مصر فقط, بل هي بعض المقصود وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها, ولكنها مرادة قطعاً من هذه الاَية, فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطراً لتهدمت أبنيتها, فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة, وفيه طين أحمر, فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضاً, ليبنبت الزرع فيه, فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم, وطين جديد من غير أرضهم, فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود أبدً.
    قال ابن لهيعة عن قيس بن حجاج عمن حدثه قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص, حين دخل بؤونة من أشهر العجم, فقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال: وما ذاك ؟ قالوا: إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر, عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها, فأرضينا أبويها, وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون, ثم ألقيناها في هذا النيل, فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام, إن الإسلام يهدم ما كان قبله, فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري حتى هموا بالجلاء, فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك, فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت, وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا, فألقها في النيل, فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها, فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر, أما بعد, فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري, وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك, فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة, قد قطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السنة له, ولهذا قال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} كما قال تعالى: {فلينظر بالإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً} الاَية, ولهذا قال ههنا {أفلا يبصرون}.
    وقال ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس في قوله {إلى الأرض الجزر} قال: هي التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول, وعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن, وقال الحسن رحمه الله: هي قرى بين اليمن والشام. وقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها, وهي مغبرة, قلت: وهذا كقوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} الاَيتين.


    ** وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَـَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنّهُمْ مّنتَظِرُونَ
    يقول تعالى مخبراً عن استعجال الكفار ووقوع بأس الله بهم, وحلول غضبه ونقمته عليهم, استبعاداً وتكذيباً وعناداً {ويقولون متى هذا الفتح} أي متى تنصر علينا يا محمد ؟ كما تزعم أن لك وقتاً علينا وينتقم لك منا, فمتى يكون هذا ؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين, قال الله تعالى: {قل يوم الفتح} أي إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} كما قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} الاَيتين. ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة, وأخطأ فأفحش, فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء, وقد كانوا قريباً من ألفين, ولوكان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله {فافتح بيني وبينهم فتحاً} الاَية, وكقوله {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق} الاَية, وقال تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} وقال تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} وقال تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح}.
    ثم قال تعالى: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} أي أعرض عن هؤلاء المشركين, وبلغ ما أنزل إليك من ربك, كقوله: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو} الاَية, وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعد وسينصرك على من خالفك, إنه لا يخلف الميعاد. وقوله {إنهم منتظرون} أي أنت منتظر وهم منتظرون ويتربصون بكم الدوائر {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله في نصرتك وتأييدك, وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك من وبيل عقاب الله لهم, وحلول عذابه بهم, وحسبنا الله ونعم الوكيل.
    آخر تفسير سورة السجدة ولله الحمد والمنة.


    تمت سورة السجدة

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:43

    سورة الأحزاب

    قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا خلف بن هشام, حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها ؟ قال: قلت ثلاثاً وسبعين آية, فقال: قط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة, ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة, نكالاً من الله, والله عليم حكيم, ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم وهو ابن أبي النجود, وهو ابن بهدلة به, وهذا إسناد حسن, وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضاً, والله أعلم.

    بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ


    ** يَا أَيّهَا النّبِيّ اتّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَاتّبِعْ مَا يُوحَىَ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * وَتَوَكّلْ عَلَىَ اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً
    هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى, فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا, فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله, ترجو ثواب الله, وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم {إن الله كان عليماً حكيماً} أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه, فإنه عليم بعواقب الأمور, حكيم في أقواله وأفعاله, ولهذا قال تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي من قرآن وسنة {إن الله كان)بما تعملون خبيراً} أي فلا تخفى عليه خافية, وتوكل على الله, أي في جميع أمورك وأحوالك {وكفى بالله وكيلا} أي وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إِليه.


    ** مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنّ أُمّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللّهُ يَقُولُ الْحَقّ وَهُوَ يَهْدِي السّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لاَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِن لّمْ تَعْلَمُوَاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـَكِن مّا تَعَمّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
    يقول تعالى موطئاً قبل المقصود المعنوي أمراً معروفاً حسياً, وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولاتصير زوجته التي يظاهر منها بقوله أنت علي كظهر أمي أماً له, كذلك لا يصير الدعي ولداً للرجل إِذا تبناه فدعاه ابناً له, فقال {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} كقوله عز وجل {ماهن أمهاتهم إِن أمهاتهم اللائي ولدنهم} الاَية. وقوله تعالى: {وما جعل أدعيائكم أبنائكم} هذا هو المقصود بالنفي, فإِنها نزلت في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى النبي صلى الله عليه وسلم, كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة, فكان يقال له زيد بن محمد, فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى: {وماجعل أدعياءكم أبناءكم} كما قال تعالى في أثناء السورة {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً} وقال ههنا {ذلكم قولكم بأفواههم} يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً, فإِنه مخلوق من صلب رجل آخر, فما يمكن أن يكون أبوان كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} قال سعيد بن جبير {يقول الحق} أي العدل, وقال قتادة {وهو يهدي السبيل} أي الصراط المستقيم.
    وقد ذكر غير واحد أن هذه الاَية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين, وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر, فأنزل الله تعالى هذه الاَية رداً عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة واختاره ابن جرير: وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا زهير عن قابوس يعني ابن أبي ظبيان, قال: إِن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ما عنى بذلك ؟ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة, فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: قلباً معكم وقلباً معهم, فأنزل الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن صاعد الحراني, عن عبد بن حميد وعن أحمد بن يونس, كلاهما عن زهير وهو ابن معاوية به. ثم قال: وهذا حديث حسن, وكذا رواه ابن جرير وابن حاتم من حديث زهير به.
    وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} قال بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثل: يقول ليس ابن رجل آخر ابنك, وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أنها نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه, وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله عز وجل {ادعوهم لاَبائهم هو أقسط عند الله} هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء, فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إِلى آبائهم في الحقيقة, وأن هذا هو العدل والقسط والبر. قال البخاري رحمه الله: حدثنا مُعلى بن أسد, حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر قال: إِن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إِلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن {ادعوهم لاَبائهم هو أقسط عند الله} وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن موسى بن عقبة به. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك, ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة رضي الله عنهما: يارسول الله إِنا كنا ندعو سالماً ابناً, وإِن الله قد أنزل ما أنزل, وإِنه كان يدخل علي وإِني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً, فقال صلى الله عليه وسلم «أرضعيه تحرمي عليه» الحديث, ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي, وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه, وقال عز وجل {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إِذا قضوا منهن وطراً} وقال تبارك وتعالى في آية التحريم {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} احترازاً عن زوجة الدعي فإِنه ليس من الصلب, فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعاً بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «حرّموا من الرضاعة ما يحرم من النسب», فأما دعوة الغير ابناً على سبيل التكريم والتحبيب, فليس مما نهى عنه في هذه الاَية بدليل مارواه الإمام أحمد وأهل السنن إِلا الترمذي, من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العُرني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدّمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع, فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول «أُبَيْنِيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» قال أبو عبيدة وغيره: أُبَيْنِيّ تصغير بَني وهذا ظاهر الدلالة, فإِن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.
    وقوله {ادعوهم لاَبائهم} في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه, وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان, وأيضاً ففي صحيح مسلم من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن الجعد أبي عثمان البصري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يابني» ورواه أبو داود والترمذي. وقوله عز وجل {فإِن لم تعلموا آباءهم فإِخوانكم في الدين ومواليكم} أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إِلى آبائهم إِن عرفوا, فإِن لم يعرفوا فهم إِخوانهم في الدين ومواليهم, أي عوضاً عما فاتهم من النسب, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة رضي الله عنها تنادي, ياعم ياعم, فأخذها علي رضي الله عنه وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك, فاحتملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم في أيهم يكفلها, فكل أدلى بحجة, فقال علي رضي الله عنه: أنا أحق بها وهي ابنة عمي: وقال زيد: ابنة أخي, وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي, يعني أسماء بنت عميس, فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي رضي الله عنه «أنت مني وأنا منك». وقال لجعفر رضي الله عنه «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد رضي الله عنه «أنت أخونا ومولانا» ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه صلى الله عليه وسلم حكم بالحق, وأرضى كلا من المتنازعين. وقال لزيد رضي الله عنه «أنت أخونا ومولانا». كما قال تعالى: {فإِخوانكم في الدين ومواليكم}.
    وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إِبراهيم, حدثنا ابن علية, عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال أبو بكرة رضي الله عنه: قال الله عز وجل {ادعوهم لاَبائهم هو أقسط عند الله فإِن لم تعلموا آبائهم فإِخوانكم في الدين ومواليكم} فأنا ممن لا يعرف أبوه فأنا من إِخوانكم في الدين, قال أبي: والله إِني لأظنه لو علم أن أباه كان حماراً لانتمى إِليه, وقد جاء في الحديث «من ادعى إِلى غير أبيه وهو يعلمه كفر» وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم, ولهذا قال تعالى: {ادعوهم لاَبائهم هو أقسط عند الله فإِن لم تعلموا آبائهم فإِخوانكم في الدين ومواليكم}.
    ثم قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} إِي إِذا نسبتم بعضهم إِلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع, فإِن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إِثمه, كما أرشد إِليه في قوله تبارك وتعالى آمراً عباده أن يقولوا {ربنا لا تؤاخذنا إِن نسينا أو أخطأنا} وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: قد فعلت». وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإِن اجتهد فأخطأ فله أجر». وفي حديث آخر «إِن الله تبارك وتعالى رفع عن أمتي الخطا. والنسيان وما يكرهون عليه» وقال تبارك وتعالى ههنا {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً} أي وإِنما الإثم على من تعمد الباطل, كما قال عز وجل {لا يؤاخذكم الله في اللغو في أيمانكم} الاَية. وفي الحديث المتقدم «ليس من رجل ادعى إِلى غير أبيه وهو يعلمه إِلا كفر». وفي القرآن المنسوخ: فإِنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم.
    قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود, عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أنه قال: إِن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق, وأنزل معه الكتاب, فكان فيما أنزل عليه آية الرجم, فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده, ثم قال قد كنا نقرأ ولا ترغبوا عن آبائكم فإِنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال«لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فإِنما أنا عبد الله, فقولوا عبده ورسوله» وربما قال معمر «كما أطرت النصارى ابن مريم» ورواه في الحديث الاَخر «ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب, والنياحة على الميت, والاستسقاء بالنجوم».

    يتبع

    .
    avatar
    الشريف أمير أبوهاشم
    عضو فعال
    عضو فعال

    علم الدولة : مصر
    عدد الرسائل : 788
    البلد : مصر
    العمل : موظف
    الهوايات : الشعر والفروسية
    تقييم القراء : 7
    النشاط : 4290
    تاريخ التسجيل : 14/07/2008

    رد: تفسير القرآن الكريم كاملاً لأبن كثير

    مُساهمة من طرف الشريف أمير أبوهاشم في الأحد 21 يونيو - 11:45

    النّبِيّ أَوْلَىَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاّ أَن تَفْعَلُوَاْ إِلَىَ أَوْلِيَآئِكُمْ مّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً
    قد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحة لهم, فجعله أولى بهم من أنفسهم, وحكمه فيهم كان مقدماً على اختيارهم لأنفسهم, كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} وفي الصحيح «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين». وفي الصحيح أيضاً أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله, والله لأنت أحب إِلي من كل شيء إلا من نفسي, فقال صلى الله عليه وسلم «لا يا عمر حتى أكون أحب إِليك من نفسك» فقال: يا رسول الله, والله لأنت أحب إِلي من كل شيء حتى من نفسي, فقال صلى الله عليه وسلم «الاَن ياعمر» ولهذا قال تعالى في هذه الاَية {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.
    وقال البخاري عند هذه الاَية الكريمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح, حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من مؤمن إِلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والاَخرة, اقرؤوا إِن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا, وإِن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه» تفرد به البخاري ورواه أيضاً في الاستقراض, وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله, ورواه أحمد من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
    وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه, فأيما رجل مات وترك ديناً فإِليّ, ومن ترك مالاً فهو لورثته» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.
    وقال تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} أي في الحرمة والاحترام, والتوقير والإكرام والإعظام, ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إِلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع, وإِن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر, وهو من باب إِطلاق العبارة لا إِثبات الحكم, وهل يقال لمعاوية وأمثاله خال المؤمنين ؟ فيه قولان للعلماء رضي الله عنهم, ونص الشافعي رضي الله عنه على أنه يقال ذلك, وهل يقال لهن أمهات المؤمنين فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغييباً ؟ وفيه قولان, صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يقال ذلك, وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه. وقد روي عن أبي كعب وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قرآ {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم}. وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن, وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه, حكاه البغوي وغيره, واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي, حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم, فإِذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يستطب بيمينه». وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عجلان, والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك, واحتجوا بقوله تعالى: {ماكان محمد أبا أحد من رجالكم}.
    وقوله تعالى: {وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي في حكم الله {من المؤمنين والمهاجرين} أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار, وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم, كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذا قال سعيد بن جبير وغيره من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثاً عن الزبير بن العوام فقال: حدثنا أبي, حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار {وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض} وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا ولا أموال لنا, فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم وأورثناهم, فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد, وآخى عمر رضي الله عنه فلاناً, وآخى عثمان رضي الله عنه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي, ويقول بعض الناس غيره, قال الزبير رضي الله عنه: وواخبت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته, فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى, والله يابني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الاَية فينا معشر قريش والأنصار خاصة, فرجعنا إِلى مواريثنا.
    وقوله تعالى: {إِلا أن تفعلوا إِلى أوليائكم معروفاً} أي ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية. وقوله تعالى: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} أي هذا الحكم, وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض, حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير, قاله مجاهد وغير واحد, وإِن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سينسخه إِلى ماهو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي, والله أعلم.


    ** وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقاً غَلِيظاً * لّيَسْأَلَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
    يقول الله تعالى مخبراً عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إِقامة دين الله تعالى, وإِبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق, كما قال تعالى: {وإِذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إِصري ؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إِرسالهم, وكذلك هذا, ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم, وهو من باب عطف الخاص على العام, وقد صرح بذكرهم أيضاً في هذه الاَية, وفي قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إِليك وما وصينا به إِبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا} فذكر الطرفين, والوسط الفاتح, والخاتم, ومن بينهما على الترتيب, فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها, كما قال تعالى: {وإِذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى بن مريم} فبدأ في هذه الاَية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه, ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.
    قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي, حدثنا محمد بن بكار, حدثنا سعيد بن بشير, حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وإِذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الاَية. قال النبي صلى الله عليه وسلم «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم» سعيد بن بشير فيه ضعف, وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً وهو أشبه, ورواه بعضهم عن قتاده موقوفاً: والله علم.
    وقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي, حدثنا أبو أحمد حدثنا حمزة الزيات, حدثنا عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم. موقوف وحمزة فيه ضعف, وقد قيل إِن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم عليه الصلاة والسلام, كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم, فنظر إِليهم يعني ذريته, وأن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك, فقال: رب لو سويت بين عبادك, فقال: إِني أحببت أن أشكر, ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور, وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة, وهو الذي يقول الله تعالى: {وإِذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى بن مريم} وهذا قول مجاهد أيضاً, وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ العهد.
    وقوله تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل. وقوله تعالى: {وأعد للكافرين} أي من أممهم {عذاباً أليماً} أي موجعاً فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم, ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء, وإِن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين, فما جاءت به الرسل هو الحق, ومن خالفهم فهو على الضلال.
    يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَاْ
    يقول تعالى مخبراً عن نعمته وفضله وإِحسانه إِلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إِياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا, وذلك عام الخندق, وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى بن عقبة وغيره: كان في سنة أربع, وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفراً من أشراف يهود بن النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إِلى خيبر, منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع, خرجوا إِلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم, ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة, فأجابوهم إِلى ذلك, ثم خرجوا إِلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضاً, وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب, وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر, والجميع قريب من عشرة آلاف, فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم, أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة ممايلي الشرق, وذلك بإِشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه, فعمل المسلمون فيه واجتهدوا, ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر, وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريباً من أحد, ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة, كما قال الله تعالى: {إِذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف, وقيل سبعمائة, فأسندوا ظهورهم إِلى سلع ووجوههم إِلى نحو العدو, والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إِليهم, وجعل النساء والذراري في آطام المدينة, وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة, ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل, فذهب إِليهم حيي بن أخطب النضري, فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالؤوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال, كما قال الله تبارك وتعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريباً من شهر, إِلا أنهم لا يصلون إِليهم ولم يقع بينهم قتال, إِلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري وكان من الفرس الشجعان المشهورين في الجاهلية, ركب ومعه فوارس, فاقتحموا الخندق وخلصوا إِلى ناحية المسلمين, فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إِليه, فيقال إِنه لم يبرز أحد فأمر علياً رضي الله عنه فخرج إِليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي رضي الله عنه, فكان علامة النصر.
    ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء, ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار, حتى ارتحلوا خائبين خاسرين, كما قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إِذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً} قال مجاهد: وهي الصبا, ويؤيده الحديث الاَخر: «نصرت بالصبا, وأهلكت عاد بالدبور» وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى, حدثنا عبد الأعلى, حدثنا داود عن عكرمة قال قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت الشمال: إِن الحرة لا تسري بالليل, قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج, عن حفص بن غياث, عن داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما, فذكره وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب, حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون رضي الله عنه ليلة الخندق في برد شديد وريح إِلى المدينة, فقال: أئتنا بطعام ولحاف, قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي وقال «من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا» قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء, فجعلت لاألقى أحداً إِلا أمرته بالرجوع إِلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فما يلوي أحد منهم عنق, قال: وكان معي ترس لي, فكانت الريح تضربه علي, وكان فيه حدي, قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إِلى الأرض.
    وقوله {وجنوداً لم تروها} هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف, فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إِلي, فيجتمعون إِليه, فيقول: النجاء, النجاء لما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من الرعب. وقال محمد بن إِسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ياأبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال: نعم يا ابن أخي, قال: وكيف كنتم تصنعون ؟ قال: والله لقد كنا نجهد, قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض, ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة رضي الله عنه: ياابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم با لخندق, وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل, ثم التفت فقال «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ؟ ـ يشترط له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع ـ أدخله الله الجنة» قال: فما قام رجل, ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل, ثم التفت إِلينا فقال مثله, فما قام منا رجل, ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل, ثم التفت إِلينا فقال «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ ـ يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة ـ أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة» فما قام من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد, فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني, فقال صلى الله عليه وسلم «ياحذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون, ولا تحدثنّ شيئاً حتى تأتينا».
    قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله عز وجل تفعل بهم ما تفعل, لا تقر لهم قراراً ولا ناراً ولا بناء, فقام أبو سفيان فقال يامعشر قريش, لينظر كل امرىء من جليسه, قال حذيفة رضي الله عنه: فأخذت بيد الرجل إِلى جنبي فقلت: من أنت ؟ فقال: أن فلان بن فلان, ثم قال أبو سفيان: يامعشر قريش إِنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف, وأخلفتنا بنو قريظة, وبلغنا عنهم الذي نكره, ولقينا من هذه الريح ما ترون, والله ما تطمئن لنا قدر ولاتقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء, فارتحلوا فإِني مرتحل, ثم قام إِلى جمله وهو معقول فجلس عليه, ثم ضربه فوثب به على ثلاث, فما أطلق عقاله إِلا وهو قائم, ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلي أن لاتحدث شيئاً حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة رضي الله عنه: فرجعت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل, فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط, ثم ركع وسجد, وإِني لفيه, فلما سلم أخبرته الخبر, وسمعت غطفان بما فعلت قريش, فانشمروا راجعين إِلى بلادهم.
    وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن إِبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال له رجال: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت, فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة» فلم يجبه منا أحد, ثم الثانية ثم الثالثة مثله, ثم قال صلى الله عليه وسلم «ياحذيفة قم فأتنا بخبر من القوم» فلم أجد بداً إِذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: «ائتني بخبر القوم ولاتذعرهم علي» قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم, فإِذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار, فوضعت سهماً في كبد قوسي وأردت أن أرميه, ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم علي, ولو رميته لأصبته, قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت, فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها, فلم أزل نائماً حتى الصبح, فلما أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يانومان».

    يتبع
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 26 سبتمبر - 3:13